مؤسسة الصفة.. سنة نبوية وخبرة تنموية

أفكار مطروحه لتصور علاج ظاهرة اطفال الشوارع بالواقع العربي

ليست هذه السطور مجرد مقال أو دراسة أو بحث، وإنما أريد لها أن تكون ورقة عمل أو مسودة أولية لبرنامج تأسيس مؤسسة الصفة لاحتواء ظاهرة أطفال الشوارع.. بهذا التصور يمكن للقارئ الكريم أن يمضي في قراءة تلك السطور بروح عملية واستعداد للتعاون وتفعيل المشروع ..
 
إن بيئة أطفال الشوارع لا تعكس فقط البعد عن قيم دينية راقية مثل كفالة اليتيم ورعاية المعوزين، وإنما هي بيئة خصبة ومناسبة تماما لنمو وازدهار كل أنواع الجريمة والعنف بدءًا من التسول مرورا بالسرقة والاغتصاب وتعاطي وترويج المخدرات وصولا إلى عمليات البلطجة والقتل.
 
ويمثل أطفال الشوارع الرديف الجاهز للعصابات الإجرامية المنظمة.ووفق التعريف الذي توصلت إليه الأمم المتحدة عام 1986 طفل الشارع هو "أي طفل ذكرا كان أو أنثى، اتخذ من الشارع ( بما يشمل عليه المفهوم من أماكن مهجورة ..الخ ) محلا للحياة والإقامة دون رعاية أو حماية أو إشراف من جانب أشخاص راشدين مسئولين.
 
ورغم انتشار هذه الظاهرة في كافة الأقطار العربية من الخليج إلى المحيط، فإنني أقصر التناول هنا على مصر والمغرب في محاولة لإنشاء وتفعيل دور مؤسسة الصُفّة المزمع إنشائها بشكل عملي ومحدد يمكن تطويره وتعميمه بعد ذلك في أقطار ومجتمعات أخرى.
 
في مصر: يشير تقرير الهيئة العامة لحماية الطفل( منظمة غير حكومية) أن أعداد أطفال الشوارع وصل في عام 1999م إلى 2 مليون طفل وفي تزايد مستمر، ما يجعلهم عرضة لتبني السلوك الإجرامي في المجتمع المصري. يمثل الذكور منهم نسبة 92%.
 
وفي المغـرب : تشير الدراسات إلى أن ظاهرة أطفال الشوارع بدأت في الثمانينات من القرن الماضي وحسب التقديرات وصلت إلى 233 ألف طفل وتنتشر في مختلف المدن المغربية.
 
مؤسسة الصُفّة
مؤسسة الصفة هي تلك التجربة الرائدة التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم لإيواء واحتواء وكفالة فقراء المسلمين في المدينة خاصة المهاجرين منهم، لقد كان فقراء الصحابة رضوان الله عليهم يعانون أساسا من عدم وجود المأوى ( السكن ) والقوت اليومي الضروري للحياة، ورغم حرصه على توجيه الجميع إلى العمل والإنتاج، إلا أنه ظل هناك فقراء معدمين نظرا لظروف الهجرة واختلاف أنشطة أهل المدينة الاقتصادية عن نشاط قريش قبل الهجرة ..
 
فأقام النبي صفة في مؤخرة مسجده ليقيم فيه هؤلاء الفقراء المعدمين .. وأجرى رسول الله لكل اثنين منهم جراية من طعام عبارة عن مد من تمر. فضمن لهم المأوى وإن كان بسيطا والزاد الضروري للعيش وإن كان قليلا.
 
يقول د. أكرم ضياء العمري: "حانت الفرصة عندما تم تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة وذلك بعد ستة عشر شهرا من هجرته إلى المدينة، حيث بقى حائط القبلة الأولى في مؤخر المسجد النبوي فأمر النبي به فظلل أو سقف وأطلق عليه اسم الصفة أو الظلة، ولم يكن ما لها ما يستر جوانبها، ولا نعرف سعة الصفة، ولكن النبي استخدمها في وليمة حضرها ثلاثمائة شخص، وإن كان بعضهم جلس في حجرة من حجرات أزواج النبي الملاصقة للمسجد.
 
وكان عريف أهل الصفة هو أبو هريرة رضي الله عنه، وكانوا يزيدون مع زيادة الوفود إلى المدينة، وكان النبي يجري لكل رجلين منهما مدا من تمر في كل يوم، وقد اشتكوا من أكل التمر، وقالوا انه أحرق بطونهم، فصبّرهم وواساهم ، وكان كثيرا ما يدعوهم إلى تناول الطعام في بيته، لكنه لم يكن يتمكن من تقديم الطعام الجيد لهم، فلم يكن يوسع على نفسه وأهله بالنفقة.
 
ففي بعض المرات سقاهم لبنا، ومرة أطعمهم جشيشة ( طحين ولحم وتمر)، ومرة حيسة ( من التمر والدقيق والسمن) ومرة ثالثة شعير محمص، ونالوا مرة الثريد، وكان النبي يعتذر إليهم إذا لم يكن الطعام جيدا فيقول: والذي نفس محمد بيده ما أمسى في آل محمد طعام ليس شيئا ترونه.
 
فكرة المشروع
إنشاء صفة في كل مسجد بطاقة استيعابية مستهدفة ( 20 طفل ) لكل مسجد، حيث تكون نقطة البداية ( 5 أطفال لكل مسجد ).
 
تشير الإحصائيات إلى أن عدد المساجد في مصر حوالي ( 92.600 ) مسجدا ، وحسب المستهدف النهائي لهذا المشروع يكون إجمالي ما يمكن استيعابه من أطفال الشوارع ( 20 طفل × 92.600 = 1.852.00 طفلا ) وهي تستوعب كل أطفال الشوارع من الذكور تقريبا
 
بينما تستوعب المرحلة الابتدائية للمشروع ( وتستهدف عدد 5 أطفال لكل مسجد ) ربع هذا العدد تقريبا .
 
أما في المغرب وحيث تشير إحصائيات عام 2006م إلى وجود (41.755 ) مسجدا  وحيث أن عدد أطفال الشوارع يصل إلى ( 233.000 طفلا ) فإن طاقة المسجد الاستيعابية الكلية تساوي خمس أطفال لكل مسجد ، وهو أمر ميسور إذا تضافرت الجهود وتم تذليل العقبات الإجرائية .
 
دور أهل الحي
وهذه الصفة ذاتها لا تتطلب سوى الإعلان بأن المسجد يقبل إيواء هذا العدد البسيط من الأطفال ويكفل لهم المأوى والغذاء والكساء والإشراف والتوجيه والتعليم من إمام المسجد، والتنسيق مع الوزارات الأخرى المعنية ( الداخلية – الشئون الاجتماعية- الأوقاف ) لأخذ الضمانات الكفيلة بنجاح التجربة، وحث سكان الحي الذي يقع به المسجد على التعاون في إنجاح التجربة، باعتبارها صدقة وكفالة وإحياء سنة وربما صدقة جارية باستمرار المشروع فترات طويلة .
 
فبينما يوفر المسجد نفسه الإيواء، كما يوفر الإشراف التربوي والرعاية الإرشادية والمسئولية من خلال إمامه، فإن دور أهل الحي سيقتصر على تقديم المساعدات العينية والنقدية بالتناوب وبما تسمح ظروفهم الاقتصادية.. إن المسجد في مصر وفق الإحصائيات المتقدمة يخدم حوالي (800 ) فرد مسلم أي ما يعادل من ( 150-160 ) أسرة .
 
أي أن كفالة الحي لهؤلاء الأطفال تكلفهم إطعام أهل الصفة ( من 5-20 فرد ) بواقع مرتين وثلث كل عام، أي نصيب كل أسرة في إطعام هؤلاء عبارة عن عدد ( 7 ) وجبات سنويا لكل طفل شاملة الإفطار والغداء والعشاء! وذلك مما تأكل الأسرة دون تكلف فقد كان النبي يطعم أهل الصفة مما يكون في بيته. أما الكساء فمن ملابس الأبناء المستعملة التي لم تبلغ حد البلى .
 
ويخدم المسجد في المغرب نفس عدد الأسر تقريبا بقسمة عدد سكان المملكة المغربية على ( 40 مليون تقريبا ) عدد المساجد وفق الإحصائيات.
 
عناصر المشروع
المسجد – إمام المسجد – تعاون سكان الحي وتقديم الطعام اليومي  بالتناوب عبر أسر الحي الذي يقع به المسجد، وكذلك تقديم الكساء ولو من الملبوسات المستعملة الصالحة للاستخدام. وكلها عناصر لا تشكل أعباء إضافية ولا تثقل كاهل أحد.
 
لماذا المسجد؟
1- لا أعباء إنشاء وبناء وتخصيص دور ومؤسسات وقرى لاستيعاب أطفال الشوارع، إن أغلب الحلول المقترحة لاستيعاب الظاهرة في عالمنا العربي تعتمد على فكرة إنشاء قرى لاحتواء هؤلاء الأطفال بما في ذلك من تكلفة باهظة على كافة المستويات ومخاطر اجتماعية وأمنية أخرى تنعدم كلها تقريبا مع فكرة صفة المسجد.
 
2- لا أعباء توظيف إداريين وتربويين ومشرفين، حيث يكون الإمام هو المشرف الأول لهذه العملية.
 
3- استغلال الدور الروحاني والإيماني للمسجد في الاحتواء والتربية والتوجيه والإرشاد ، مع تتابع الصلوات والشعائر وتلاوة القرآن على هؤلاء الأطفال وما في ذلك من أبعاد نفسية واجتماعية عميقة الأثر.
 
4- توظيف قدرات إمام المسجد التربوية والفقهية وإمكانات التوجيه والتعليم والإرشاد والمتابعة وهي قدرات موجودة في الإمام بحكم موقعه وتأهيله خاصة وأنه سيتعامل من خلال هذه الظاهرة مع أطفال تقل أعمارهم بالضرورة عن ثمانية عشر عاما- وفق تعريف طفل الشوارع-.
 
5-  قرب وسهولة التواصل بين كل أفراد الحي وصُفّة المسجد لتقديم الطعام والكساء والمساعدة بدلا من الاضطرار إلى الانتقال إلى أماكن المؤسسات المتخصصة التي قد تكون في أماكن بعيدة ويحتاج الانتقال الدوري إليها جهد ومشقة .
 
6-  توفر البعد الإيماني والروحي للمتصدقين على من بصُفة المسجد وسهولة توفير الصدقات والتبرعات خاصة في مواسم الخير والمناسبات الإسلامية مثل شهر رمضان والأعياد .
 
7- التخلص من كافة الأشكال الرسمية للدولة التي قد تخيف الأطفال وتشكل لديهم حاجزا نفسيا لارتباطها بصورة مباشرة بما يتعرضون له من الاحتجاز في الإصلاحيات والمؤسسات الحكومية الأخرى، أو الملاحقات الأمنية باعتبارهم مشردين.
 
8- التفتيت والتوزيع على أعداد صغيرة مما يسهل من عملية السيطرة والمتابعة والرقابة والتوجيه والاحتواء بعيدا عن مخاطر عدة، كما يوفر المسجد بيئة مناسبة لعزل هؤلاء الأطفال عن العصابات وأقران السوء.
 
9-  دمج الأطفال في حلقات تعليم وتحفيظ القرآن الكريم وبالتالي سهولة دمجهم في المجتمع المحيط تدريجيا.
 
10-  ربطهم بالأخلاق والقيم الإسلامية وهي أقوى البواعث الإنسانية على الإطلاق مقارنة بقوة النظم والقوانين .
 
11- إمكانية توظيف قدراتهم في مراحل تالية في أعمال نافعة مثل نظافة المسجد، والحي وتشجيره، والمعاونة في القيام ببعض أعمال سكان الحي مقابل أجور مقبولة للطرفين.
 
12-  كما يمكن ضمان الرعاية التعليمية والطبية لهم من خلال مدرسي وأطباء الحي ولو بالمرور عليهم وقضاء معهم ساعة كل أسبوع.
 
13-  وفي مرحلة متقدمة يمكن لأهل الحي دعوتهم للزيارة وتناول الطعام ومخالطة أبنائهم بعد ضمان تطورهم الأخلاقي والمعرفي مما يمكنهم من الدمج الكامل في المجتمع.
 
أهداف المشروع
1-  استيعاب واحتواء ظاهرة أطفال الشوارع
2-  توفير مأوى وملبس ومأكل لهؤلاء المشردين
3-  دمج هؤلاء الأطفال في المجتمع تدريجيا .
4- الاستفادة من طاقة هؤلاء الأطفال في بعض الأعمال المتدرجة حسب العمر والقدرة، وتدريبهم على أعمال حرفية وفنية متنوعة.
5- القضاء على الرافد الأكبر للتشرد والبلطجة وترويج المخدرات وباقي الجرائم المترتبة على انتشارها.
 
ومن قبل هذا وبعده إحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم في إنشاء صفة المسجد، وكفالة اليتيم، ورعاية الفقراء.
 
والمطلوب في هذه المرحلة تحديدا تفعيل هذا المشروع بالتعاون لإقامة مؤسسة الصفة لرعاية أطفال الشوارع، والنظر إلى هؤلاء الأطفال نظرة صحيحة باعتبارهم ضحايا في المقام الأول وليسو مجرمين بالفطرة، والتعامل الاجتماعي معهم بدلا من  تركهم نهبا للتعامل الأمني فقط.. ومن المأمول أن يصبح هؤلاء الأطفال في غضون سنوات قليلة زهورا تتفتح في ربوع الأوطان بدلا من أن يكونوا عناصر مفخخة لتفجير الأوطان في كل وقت.
……………………………………
*عضو رابطة الأدب الإسلامي