من أجل ألا يستغل عابر السبيل

الاسلام حث على مساعدة عابر السبيل

المسلم الحق، المتيقن من  دينه ومن طبيعة الخير في النفوس المسلمة التي قال عنها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"الخير فيّ وفي أمتي إلى أن تقوم الساعة"، سيندهش عندما يسمع مثل هذه القصة التي صارت تتردد فوق المنابر وعبر الشاشات، بواسطة عدد غير قليل من الأئمة والدعاة، رغم أن الدعاة والأئمة يرجون منها التذكير بأنعم الله تعالى التي لا تعد ولا تحصى، ولكن التذكرة في فحواها تؤكد أن هناك خللا ما لم ينتبه له الدعاة، وهذا الخلل ليس فقط  في النفوس التي أصيبت بشيء من الجشع، ودعت إلى استغلال عابر السبيل  الذي استبد به العطش كما يروون، فباعه الرجل الذي كان يزرع في أرضه ويمتلك الماء تلك الجرعة بنصف ماله الذي يحمله، وهو مبلغ من سبعة أرقام حسب الرواية، إضافة إلى الخلل التقليدي الذي يجب أن يعمل الجميع من أجله في تطبيق دعوة الإسلام الإنسانية والخيرية التامة تطبيقاً شاملاً غير منقوص أو يعوقه مكان أو زمان، والتي شملت الإنسانية  بتطبيقاتها العملية، واستوعبت الإنسان وعملت من أجله في كل الظروف والأحوال، ولكنه كان ممزوجاً بأخطاء دعوية ((من المتطرقين لمثل هذه الحكايات الغريبة على مجتمعاتنا المؤمنة المتزنة))، فكانت هناك ضرورة تدعو دائماً للتذكير بالإيجابيات التي يجب الانطلاق من عند نهاياتها للعمل على تحقيق إيجابيات أكبر وأهم وأعمق، ولغض الطرف عن مثل هذه السلبيات.
 
وأما عن عابري السبيل، فلقد كانوا دائماً في عين الرب الخبير القدير، لهم حظ عظيم من تشريعاته السماوية، لا يجوز لنا نحن الضعفاء أن نساوم عليه أو أن ننتقص منه أو أن نسعى إلى غله، فقد قال تعالى في حقهم الممتزج بحقوق أخرى لفئات عديدة من عباده منهم الضعفاء والمساكين وعابرو السبيل: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾. [آية رقم 215 ـ سورة البقرة]. بمعنى أن الله تعالى قد أوجب لهم من الإنفاق كل خير. وقال ـ سبحانه وتعالى ـ تأكيداً على وجوب تصريف الصدقات والزكاة من أجل عابري وأبناء السبيل، فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )). [التوبة آية 60].
 
والقصة التي تتردد بمثل هذا الشكل السابق مرجعيتها ـ كما يبدو ـ لهذا الزمن؛ لأن الرجل الذي اشتري جرعة الماء كان يركب سيارته ـ كما يروون ـ ويقصد مكانا ما على طريق صحراوي طويل، في مجتمع يدعي الأئمة أنه من المجتمعات الإسلامية التي تربينا على قيمها ومبادئها المستمدة من كتاب الله تعالى المحفوظ، ومن سنة نبيه الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ، التي حضت على تكريم عابر السبيل، وإغاثته، ولو كان غنياً أو" جاء على ظهر فرس"، والفرس كان في ذاك العصر أهم وأعظم وسائل المواصلات.. والعجيب فعلاً أنه في نفس الوقت الذي  ترددت فيه هذه القصة فوق عشرات المنابر، بكل ما فيها من سلبيات ترفضها دعوة الإسلام الخيرية، كانت وكالات الأنباء والمحطات الإخبارية العربية  تبث أخباراً قادمة من الولايات المتحدة الأمريكية مفادها أنه لأغراض إنسانية فقد زودت الولايات المتحدة الأمريكية الصحراء الشاسعة بينها وبين المكسيك بصهاريج للمياه الصالحة للشرب، يستطيع المهاجرون غير الشرعيين الوصول إليها وتفادي الموت عطشاً، عبر تكنولوجيا معينة من خلال هواتفهم النقالة، مرتبطة بالأقمار الاصطناعية.
 
إن كانت القصة صادقة فعلاً ـ كما روج لها بعض الدعاة ـ فإنها سبة يتبرأ منها من هم على درب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وإن كانت الأخبار والصور بكل هذا الصدق وبكل هذه الإنسانية فإنها  تعتبر إضاءة يتفاخر بها كل من يوصف بأنه إنسان له من المروءة والأخلاق أن يكرم عابري السبيل، ولو في قلب الصحراء الوعرة.
 
ولكن يبقى لنا أن نوضح أن الإسلام قد حض على الاهتمام بعابري وأبناء السبيل ورعايتهم، فجعل لهم نصيباً مفروضاً من الزكاة والصدقات؛ ليقوى به عضدهم، وليجبر به ضعفهم وانكسارهم، وليكون معينهم على تقويم كل خلل يعتريهم جراء السفر والترحال والاغتراب أيا كان سببه.
 
والأمر يدعونا في كل الأحوال للتساؤل عن أنصبة  وحقوق عابري وأبناء السبيل من النفقات المفروضة والمستحبة، عبر الزكاة والصدقات التي حضت عليها المباديء الإسلامية والقرآن الكريم، في وقت أصبح فيه مفهوم أبناء وعابري السبيل مختلفاً عما كان الأمر عليه في الماضي؛ نظراً للحداثة الطاغية، والتقدم الكبير في وسائل المواصلات، وانتشار ظواهر الانطلاق السياحي في شتى ربوع الأرض داخلياً وخارجياً. وهل المرافق العامة والحكومية، إضافة إلى مساهمات الجمعيات الخيرية والأفراد التي تقدم خدماتها الإنسانية من أجلهم، تؤدي دورها المتكامل والصحيح نحوهم؟ وهل هي كافية في كل الأحوال……….؟ فلهم ـ بلا شك ـ الكثير من الحقوق الواجبة، تستمد مشروعيتها من روح الإسلام  وتشريعاته في كل الظروف والأحوال، خصوصاً في الأوقات الحرجة، ومنها:
1-    حسن المعاملة، وعدم التمييز بين عابري السبيل، حسب التقسيمات التي نهى الإسلام عنها، كالهوية المكانية، كالأعراق والأنساب والألوان.
2-    تسهيل إجراءات إقامتهم حتى تنقضي حوائجهم  أو مشكلاتهم؛ ليتسنى لهم  المرور الآمن.
3-    تقديم الخدمات الأساسية التي لا غنى للإنسان عنها في كل الأحوال، كالطعام والشراب والملبس، كلما دعت الضرورة، وإنشاء المراحيض العامة، فلا يجوز بعيداً عن هذه الظروف أن يطوف الرجل الغريب حول مساجد مدينة بكاملها ساعياً لقضاء حاجته في غير أوقات الصلاة ليسقط في النهاية مغشياً عليه، وله في تشريعات الإسلام من الأموال ما يجعل له حقوقا في المرافق والخدمات  تستوعبه في حالات قوته وضعفه، ولم تفعّل.
4-    تقديم الخدمات العلاجية والصحية كلما كانت هناك حالات في حاجة لهذه الخدمات.
5-    العمل على إغاثة أبناء وعابري السبيل في كل الظروف والأحوال، لا سيما في أوقات الحروب والنزاعات والكوارث.
6-    إقامة وتجهيز المرافق الإيوائية، التي من شأنها حفظ كرامتهم الإنسانية، ولو في المرور في مثل أوقات الطواريء.
وبقي لنا أن نذكر ونحن على مشارف صيف ملتهب، يحتاج فيه المارة وعابرو السبيل إلى الماء البارد ليرتوي المسلمون وغيرهم، وليكون صدقة ينطفيء بها ظمأ الأمة التي أرسل لها المنهج الكامل والدستور المتكامل في كافة الاتجاهات والمناحي، والماء البارد من السنن التي كان يحبها النبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته الأخيار ـ رضي الله عنهم ـ، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: "كان أحب الشراب إليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ الحلو البارد" . [‌صحيح الجامع، حديث رقم 4627].‌
لكي لا يستغل عابرو السبيل في بلاد الإسلام لأبسط متطلبات الحياة، والإسلام قد ذلل لهم ما هو أعظم.