تكية أم علي في الأردن.. نظرة تنموية

حملة حي على الزكاة توظف المشاركة في المجتمعية في عملية التنمية

يعتبر المجتمع الإنساني بمكوناته الفردية والجماعية وعلاقاته المختلفة هو محور اهتمام النظريات الكبرى للعلوم الاجتماعية والإنسانية.
 
وقد تطورت عدة نظريات اجتماعية لفهم المجتمع الإنساني ومعرفة حقيقته ودراسة مشكلاته، ووضعت هذه النظريات رؤاها المختلفة في إصلاح المجتمعات الإنسانية من الخلل الذي قد يصيبها جراء المشكلات التنموية المختلفة.
 
ولعل النظرية البنائية الوظيفية من أهم النظريات التي درست المجتمع والتي أسسها العالم العربي المسلم ابن خلدون وتطورت عبر المفكرين الاجتماعيين والتنمويين.
 
ويتلخص مفهوم هذه النظرية في انها تنظر إلى المجتمع الانساني بأنه عبارة عن نظام بنائي متناسق ومترابط حيث يتكون هذا النظام من عدة أجزاء لكل جزء وظيفته الخاصة في البناء الكلي للمجتمع بحيث اذا اختلت هذه الوظائق فإنه يؤدي الى اختلال في النظام العام، ويمكن أن تترجم هذه النظرية بالصورة التي رسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه  عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى).
 
وقد انبثقت من هذه النظريات عدة تطبيقات تنموية مختلفة هدفها السعي نحو رفاه الإنسان وسعادته ووضع الإصبع على مكامن الخلل في البناء الكلي للمجتمعات الإنسانية.
 
وتعتبر التنمية البشرية المستدامة من التطبيقات الهامة في هذا السياق والتي تركز مفهوماتها المختلفة على قدرة الإنسان للعيش بأمان واطمئنان محققا الحاجات الأساسية له باستدامة زمانية وقدرة ذاتية وتمكين، بمعنى إن هدف التنمية هو الإنسان ومحققها هو الإنسان نفسه .
 
وتعتمد التنمية البشرية المستدامة على عدة مبادئ لخصتها أدبيات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بعدة وأمور أهمها : العدالة والمشاركة المجتمعية والتعاون والاستمرارية.
 
المشاركة المجتمعية
وإذا سلطنا الضوء على مبدأ المشاركة المجتمعية نجد أنه الأصل في مفهوم (التمكين) وتشكيل المجتمعات المدنية كقوة مهمة في ترسيخ التنمية، فالتنمية بتطبيقاتها الحضارية تعتمد على قدرات ذاتية راسخة، وقدرة اجتماعية متفاعلة ومشاركة، وقدرات إدارية ذات كفاءة، وتوجهات سياسية واعية وواضحة.
وإذا كان القول بأهمية المشاركة المجتمعية في صنع التنمية فإن ذلك لا يكون بالشعارات إنما تتم بتعبئة الجهود الشعبية وتحفيزها بشكل فعال ومنظم للمشاركة الحقيقية في التنمية.
 
ومن هنا كان دور تكية أم علي للمشاركة فعليا في تعبئة المجتمع الأردني وتحفيزه نحو المشاركة في التنمية. وتعتبر حملتها الحالية تحت شعار (حي على الزكاة) احد صور هذه التعبئة.
 
باعتقادي إن هذه المؤسسة العريقة قد وفقت في حمل هذا الشعار؛ ذلك أن فريضة الزكاة تمثل مبادئ التنمية المذكورة آنفا من العدالة والمشاركة المجتمعية والتعاون وغيرها.
 
والزكاة هي التزام اجتماعي لأفراد المجتمع منهم وإليهم فهي بهذا المفهوم تعتبر فريضة اجتماعية يقوم بها المسلم نحو مجتمعه، ومن ناحية أخرى هي طهارة للنفس وتمنحها تساميا- بالمفهوم التربوي والاجتماعي – من البخل والأنانية، وتنشر مبادئ التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع.
 
إن أهم أهداف التنمية التي تحققها فريضة الزكاة هي تحقيق العدالة وحسن توزيع الثروات، وتقارب مستويات المعيشة بين الناس.
 
ومن جانب آخر تعتبر الزكاة حق للمجتمع مفروض على الأملاك الخاصة النامية او القابلة للنماء، وهدفها الرئيس هو مكافحة الفقر والقضاء عليه؛ لأن الإسلام يكرهه وقرنه بالكفر في غير موضع؛ وأن يقرب بين الناس في مستويات المعيشة ويحقق حد الكفاية لكي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم .
 
لقد استطاعت هذه الفريضة الاجتماعية – بجانب النظم الاجتماعية المختلفة في الاسلام –  أن تساهم  مساهمة فعالة في القضاء على مشكلة الفقر التي تعتبر أكبر تحد في وجه التنمية وهي المشكلة التي تواجه البشرية منذ أقدم العصور، ولا تزال تعانيها المجتمعات الحديثة وتحاول القضاء عليها.
 
إن هدف التنمية هو تحقيق رفاه الإنسان وسعادته وهذا يتحقق أولا في تحقيق حاجاته الأساسية التي عبر عنها ماسلو بهرمه للحاجات الإنسانية، وتعتبر الزكاة من الأوعية الهامة لهذا الأمر.
 
ومن منطلق فهم البعد الاجتماعي للزكاة نجد أنها لا تعتمد على مبدأ الإحسان الفردي بالمفهوم الرأسمالي لهذا المبدأ، ولا تعتمد على مبدأ التأميم بالمفهوم الاشتراكي الذي يصادر أموال الأغنياء لحساب الدولة، إنما الزكاة تعتبر مشاركة الفقراء في أموال الأغنياء بنسب محددة لا منة من الأغنياء ولا إحسانا إنما هي (حق معلوم للسائل والمحروم) وإنما هي من الناس وإلى الناس.
 
ومن هنا نفهم تصرف الخليفة العادل أبي بكر الصديق رضي الله عنه لرد من امتنع عن الزكاة ليبقى في ضمن دائرة المجتمع  في شكله البنائي حتى يبقى متماسكا يدعم بعضه بعضا، واعتبر من امتنع عن دفع الزكاة مرتدا عن الدين لأن هدف الدين هو بناء المجتمع والمحافظة على كيانه وأمنه الاجتماعي والاقتصادي من خلال دعائمه المختلفة خاصة في أساسيات المعيشة الحياتية للأفراد، ومن اخترق أمن المجتمع أكان اجتماعيا أوسياسيا أو اقتصاديا استحق من المجتمع نفسه الدفع للرجوع إلى كيانه وبنائه، وهذا فهم عميق للمعنى التنموي لفريضة الزكاة.
 
إن اختيار تكية أم علي نداء خاصا لفريضة الزكاة هو من قبيل التعبئة المجتمعية وتحفيزه نحو المشاركة في التنمية، خاصة وأنها – أي التكية- تتعامل مع مناطق الجوع في محافظات المملكة كافة والتي حددها مجلس الوزراء الموقر، وهدفها في ذلك جعل هذه المناطق خالية من الجوع على مدار السنوات القادمة بإذن الله حسب رؤيتها ورسالتها التنموية، وهي بذلك تنبئ عن منهجية تنموية محكمة تعبرعن أصالة أهدافها ومعاصرة أساليبها ووسائلها.
 
إن تكية أم علي تستحق أن تكون وعاء لأموال المزكين؛ ذلك أنها تقدم هذه الأموال للفقراء المدقع فقرهم والذين يتم دراستهم من خلال فريق مؤهل ومتخصص في البحث الاجتماعي، وتذهب كل اموالهم إلى المنتفعين دون اقتطاع منها لأي بند آخر.
 
بارك الله قي جهود تكية أم علي وفي مبادرتها نحو تذكير اأفراد المجتمع بالفريضة الاجتماعية التنموية فريضة الزكاة، ووفق القائمين عليها لكل خير في بلدنا الحبييب .
………………………..
* قسم الأبحاث والجمعيات، حاصل على ماجستير بالعمل الاجتماعي