المشاريع الصغيرة تساهم في عملية التنمية والبناء
يتجه العالم الى الاهتمام بالمشروعات الصغيرة حيث بينت العديد من الدراسات أن لهذه المشروعات دورا كبيرا في النشاط الاقتصادي وقدرته على استيعاب نسبة كبيرة من العمالة والموارد البشرية، وقد تبين من خلال الدراسات ان نسبة المشاريع الصغيرة في معظم اقتصاديات العالم تصل الى حوالي 90% من المشاريع القائمة..
وقد ازدادت المشاريع الصغيرة في معظم دول العالم المتقدمه بنسبة تقارب 50% خلال السنوات العشر الأخيرة، كما اشارت بعض الدراسات الى أن مساهمة المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الناتج القومي الاجمالي للدول المتقدمة تزيد عن 30% كما تصل هذه النسبة في كثير من الدول الى حوالي 75% كما هو الحال في الامارات العربية المتحدة. واذا ما توفرت الظروف الملائمة لانطلاق هذا النوع من المشروعات فانها توفر فرص عمل لقاعدة عريضه من قوة العمل تزيد في معظم الاحيان عن 50% من العاملين في باقي مشاريع القطاع الخاص، وتشكل المشروعات الصغيرة ما نسبته 97% من اجمالي عدد المشروعات في أمريكا وتسهم بحوالي 34% من الناتج القومي الأمريكي وكذلك توفر 58% من اجمالي فرص العمل المتاحة في أمريكا.
ومما لا شك فيه أن هذا النوع من المشروعات يعمل على تعبئة المدخرات الصغيرة واعادة ضخها في هذه المشروعات في صورة استثمارات. كما أن هذه المشروعات تشكل أداة فاعلة في انتاج وتوفير سلع وخدمات منخفضة التكلفة والسعر خصوصا للمواطنين من ذوي الدخل المحدود، كما أن هناك العديد من المؤسسات والمنظمات الدولية تقدم الدعم لهذا النوع من المشروعات سواء من خلال المعدات او المساعدة الفنية والتقنية والتدريب..
ونظرا لانخفاض تكاليف تأسيس هذا النوع من المشروعات فـإن مجرد الاهتمام بها وتقديم الدعم الفني وتهيئة الظروف المناسبة لها سيؤدي الى انطلاق العديد منها في فترة قياسية حيث هناك العديد من الافكار الخلاقة وخصوصا لدى فئة الشباب الذين هم بحاجه لتشجيع روح الابتكار والابداع لديهم.
إن المشروعات والصروح الاقتصادية الضخمة التي نسمع ونقرأ عنها بدأ معظمها كمشاريع اعمال صغيرة على مستوى أفراد او على مستوى عائلي حيث نجحت هذه الأعمال وتطورت الى مشروعات عملاقه تساهم بشكل كبير في الناتج القومي للدولة وتوفر فرص عمل عديدة وتؤدي الى رفع المستوى المعيشي لفئات المجتمع المختلفة.
ومن الجوانب المهمة للمشاريع الصغيرة أنها تساهم في توزيع الدخل بصوره اكثر عدالة من المشاريع الكبيرة حيث أن فرص العمل التي توفرها المشاريع الصغيرة تكون للعمال من الأسر الفقيرة او محدودة الدخل الذين يفتقرون الى مصادر بديلة للدخل وذلك يعني انها تخفف من حدة الفقر، كما أن هذه المشاريع تنتشر في حيز جغرافي واسع بعكس المشاريع الكبيرة التي تتركز في مراكز المدن الرئيسية، ورغم أن هذا النوع من المشروعات لا يستحوذ إلا على نصيب محدود من السوق، إلا أنها في المجمل ذات دور كبير ومهم جدا للنهوض بالاقتصاد في معظم دول العالم.
وقد عرفت منظمة العمل الدولية المشاريع الصغيره بانها المشاريع التي يعمل بها اقل من 10 عمال كما يمكن تعريف المشروع الصغير بانه عبارة عن منشأه مستقله في ملكيتها وادارتها وتعتمد على العمل اليدوي او المعدات والالات البسيطة في عمليه الانتاج.
وقد تكون المشاريع الصغيرة صناعة منزلية مثل صناعة السجاد والتطريز والخزف وغيرها، كما قد تكون صناعة حرفية مثل الحدادة والنجاره والسباكة، أو الصناعة الصغيرة الريفية مثل تربية النحل والابقار والاغنام والدواجن وصناعة الالبان والاجبان، ومن المشاريع الصغيرة أيضا ما يعنى باستصلاح الاراضي الزراعية وزراعتها وبناء الدفيئات الزراعية.
واقع المشروعات الصغيرة في فلسطين
اشارت العديد من الدراسات على مدار السنوات الماضية ومنذ انشاء السلطة الوطنية الفلسطينية إلى أهمية قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة ودورها في عملية التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل وتوزيع الدخل بحيث تشمل الأسر الفقيرة ومحدودة الدخل، وانه يتوجب توظيف استثمارات بحوالي 350 مليون دولار لاحياء وانطلاق المشاريع الصغيره في فلسطين وتعزيز دورها في تنشيط الاقتصاد واستمراره.
ومع كل هذا الحديث عن أهمية هذه المشاريع إلا أنها لغاية الآن لم تحظ بنصيب مهم من التمويل والاستثمار فيها، وأود هنا أن أشير الى إطلاق صندوق النمو الفلسطيني للاستثمار في المشاريع الصغيرة منتصف الشهر الحالي والذي أُنشىء أصلا بمبادرة من صندوق الاستثمار الفلسطيني خلال عام 2009 وبالمشاركة مع أبراج كابيتال وبنك الاستثمار الاوروبي وبنك فلسطين وشركه سيسكو حيث بلغت الأموال المرصودة من الشركاء لهذا الصندوق 36 مليون دولار وذلك لاستثمارها في المشاريع الصغيرة.
ولا شك أن هذا الصندوق مهم جدا ويعد مبادرة فاعلة لتشجيع أصحاب الافكار الخلاقه لتأسيس مشاريعهم في كافة القطاعات الاقتصادية سواء في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات او الخدمات التعليمية والصناعات المختلفة وكذلك في المجال الزراعي، ونتمنى ان يحقق هذا الصندوق ما يصبو اليه الاقتصاد والشعب الفلسطيني.
ان المشاريع التي سيستثمر بها هذا الصندوق ستكون في حالتنا الفلسطينية كبيرة وليست صغيرة حيث ان قيمة الاستثمار في كل مشروع وفقا لما عرضه الصندوق ستكون نصف مليون دولار فأكثر، وقد يكون هذا الاستثمار في الدول المتقدمه صغيرا إلا انه يعتبر كبيرا في فلسطين. ولذلك فاننا بحاجة ماسة أيضا لتهيئة المناخ والظروف الملائمة التي تساعد المشاريع الصغيره التي تحتاج الى استثمار او تمويل بمبالغ بين 10,000 دولار- 100,000 دولار، وأعتقد أن هناك أفكارا عديدة لمثل هذه المشاريع في فلسطين ولكنها تفتقر الى التشجيع والتأهيل والتمويل، حيث أن التمويل الذاتي محدود جدا..
ونظرا لكونها مشروعات فردية فانه ليس من السهل ان تلجأ الى إصدار اسهم جديده او إصدار سندات دين مثلما تتصرف الشركات المساهمة الكبيرة، ومن جهه أخرى فان الاقتراض من البنوك يعتبر صعبا جدا في معظم الحالات نظرا لعدم توفر الشروط المطلوبة من جانب المقترض مثل الضمانات والكفلاء والرهونات وهذه الشروط تطلبها البنوك لتخفيض نسبة المخاطره، ولا بد من الاشارة هنا أنه لا يجوز اتهام البنوك بأنها تمتنع عن تقديم التمويل أو إقراض المشروعات الصغيرة، فالبنوك تحقق أرباحها من خلال منح القروض ولكن في نفس الوقت عليها مراعاة كافة الجوانب المتعلقة بضمان آلية استرداد هذه القروض لتقوم بإعادة إقراضها لمشاريع أخرى وهكذا.
ولتجاوز معيقات التمويل فانني أرى أن هناك مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتق الحكومة والسلطة بشكل عام، حيث أن هناك علاقة ارتباط قوية ومهمة فيما بين الحكومه والبنوك والمشاريع الصغيرة، فالحكومة مطالبة من جهة بتهيئة الظروف الملائمه لهذا النوع من المشروعات وتوفير البنية التحتية وتقديم الحوافز الضريبية وتسهيل التسجيل لدى الوزارات والجهات المختصه، ومن جهه أخرى تهيئة البيئة القانونية من حيث زيادة الاهتمام بتقوية نظام القضاء وخصوصا فيما يتعلق بالمنازعات التجارية وإنشاء محاكم مختصه لسرعة البت في هذه المنازعات وكذلك الحزم من قبل السلطة التنفيذية في عمليات تنفيذ الحكم في القضايا المحسومة.
واذا ما توفرت هذه المعطيات على أرض الواقع فانني اعتقد جازما بأن البنوك ستسارع من طرفها الى زيادة التمويل ومنح القروض للمشاريع الصغيرة حيث ان البنوك حينئذ ستكتفي بالضمانات المتوفرة والتي يستطيع اصحاب المشاريع تقديمها مثل الشيكات والكمبيالات وبوالص التأمين.
وبذلك تكون قد توفرت العناصر اللازمة لانطلاق عدد كبير من المشاريع الصغيرة بما يؤدي الى خدمة الاقتصاد الفلسطيني مرورا بخدمة كافة الأطراف ذات العلاقة
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69982
