تعبيرية
إستثمار الأموال الخيرية فكرة ضرورية في كل الأوقات والأزمنة وهي من المطالب المشروعة وفق النظم والآليات التي تحدد ذلك العمل القيم الذي يراد من وراءه زيادة مدخلات العمل الخيري وتقوية وتثبيت موارده وتنويع مصادره الحالية والمستقبلية في ظل أوقات وظروف غير مضمونة تؤثر علي كل الأفراد والجهات التي تقدم الدعم فينعكس الأمر برمته علي الإنسان الفقير والطفل اليتيم وغيرهم ممن يقدم الدعم وتقوم المنظومة من أجلهم، وهي فكرة ينادي بها منذ وقت طويل جداً وهي تساوي توسيع آفاق إعتماد الجهات الخيرية علي ريع الأموال التي تقدم في سبيل الله والخير لتدخل في عمليات إقتصادية بسيطة وغير بعيدة المدي ومضمونة الأرباح في الوقت نفسه , وهذه القضية رغم نجاحها التاريخي متمثلة في نظام الوقف الإسلامي إلا أنها تعتبر علي الدوام من الموضوعات التي قد تجد الكثير من المتحمسين من أجلها تدفعهم أسبابهم وحججهم المشروعة وفي المقابل , تلقي الفكرة نفسها الكثير من الرافضين ولهم أسبابهم ,فكلا الجانبين يتحدث عن أموال فقراء المسلمين, ولكن قبل أن نعرض وجهة النظر التي نريد أن نصل إليها وهي أن الإستثمار الخيري أصبح ضرورة من الضرورات التي لا يمكن تجاهلها أو إغفال العين عنها نظراً لأسباب لامتناهية يفرضها الواقع المعاصر بكل كبواته وعثراته التي لا شك تؤثر علي أداء المنظومة الخيرية بما تساهم في تقديمه للمجتمعات والدول العربية والخليجية والإسلامية , فأبواب الخير في الإسلام تبقي هي الأبواب التي لابد أن تكون دائماً مشرعةً في وجه كل مسلم إذا أوصدت كل الأبواب وتقطعت كل السبل والأسباب , وهذه المنظومة الخيرية بآدائها الإستثماري التنموي لصالح الإنسان المسلم من الطبيعي أن تقاوم كل ما يعمل علي تهددها في مواصلة مهمتها الإنسانية والإجتماعية والأخلاقية , ولأنه وفي ظل الإحصاءات والجبايات الخيرية العملاقة التي تحصد وتقدم لصالح فقراء المسلمين فإن هناك مطالبات بتقديم الأكثر , وهذا الأكثر لابد أن تعمل علي توفيره الجهات الخيرية وفق نظم وقوانين خاصة تتيح هذا العمل الإستثماري الآمن , لأنه سيكون من المرهق جداً أن يتكفل بكل هذه الفوارق التي تبدو مطلوبة فئة قليلة من القادرين من أهل الفضل والإحسان ومن ثم فإن فكرة التنمية والتثمير ستبقي من أحد الحلول المطروقة لتضيق الفجوة الكبيرة بين الموجود والمطلوب من الأموال والدعم والإمدادات , وهي برغم ضروراتها فهي من الأفكار الغير مطلقة ومن الأمور التي تتطلب العمل عليها والآخذ بها الشرعية اللازمة وقد يعوق تنفيذها بعض العوائق ويتجنب تطبيقها الكثير من المحاذير الطبيعية والمعقولة والصحية في الوقت نفسه ومن هذه العوائق والمحاذير ما يلي
أولاً :طبيعة المال الخيري
وطبيعة المال الخيري هي التي تحدد أيضاً إلى أي مدى يمكن المطالبة بأن يؤدي هذا المال دورات إستثمارية ولو كانت بسيطة من أجل تنميته وزيادته بطريقة مشروعة ويكون هذا الأمر مستنداً على مسوغاته الشرعية والفقهية السليمة، وطبيعة هذه الأموال يحددها الدور الذي قننه الشارع الحكيم في قرآنه الكريم والمال الخيري في القرآن الكريم ينقسم إلى قسمين أما أحدهما فهو المال الخيري محدد الأهداف وهو الذي لا يجوز إدخاله علي الإطلاق في أي عمل استثماري أو إقتصادي من أي نوع سوي ما شرع من أجله وهو ما حددته الآيات والتعاليم القرآنية الواضحة والقسم الثاني هو الأموال التطوعية وهي الأموال التي يجوز إدخالها في عمليات الإستثمار حسب وجهات نظر كثيرة دعت لذلك وفق ضوابط ومعايير وآليات ليست بها الكثيرمن المرونة بقدر ما بها من تشديد الإجراءات التي تضمن عدم المجازفة بها وتضييع حقوق مستحقيها وهم من أشد الفئات الإنسانية فقراً وحاجة والقسمان كالتالي
القسم الأول ويتمثل في أموال الزكاة
فلقد حدد الشارع الحكيم في القرآن الكريم مصارف الإنفاق للأموال الخاصة بالزكاة فهي للفقراء والمساكين وغيرهم كما حددتهم الآية الكريمة لقوله تعالي
(( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ))(1)
وهذه الأموال لا يجوز إستثمارها أي كانت درجة النجاح المتوقعة لهذا العمل الإستثماري ولا المضاربة بها في أي من مجالات التنمية والتثمير الإقتصادي المتاحة والمشروعة , بل يجب صرفها في حال جمعها لأهلها الذين حددهم النص القرآني , وهو ما أفتتْ به اللجنة الدائمة للإفتاء والبحوث العلمية في المملكة العربية السعودية , بل يجب التعجيل بتقديمها لمستحقيها , بما يعني أن أموال الزكاة محصنة تحصيناً تاماً ضد المجازفة أو الدخول بها في أي عمل أو أي مجال إقتصادي واستثماري دون ما حددته الآية الكريمة وحتي إذا انعدمت فئة من الفئات التي حددتهم الآية فإن العمل الوجوبي المطلوب إتباعه هو أن يتم توزيع المال علي باقي الفئات الأخري بما يعمل شرع الله وسنة نبيه الكريم صلي الله عليه وسلم(2) فلقد جاءت التعاليم السماوية واضحة مفصلة تنادي بفرضية الإلتزام بما حددته آيات القرآن الكريم التي هبطت من لوح الله المحفوظ وهي التي حددت المصارف الشرعية لجانب من هذه الأموال فلا إجتهاد مع صريح النص ورب العزة تبارك وتعالي يري ما فيه الخير لعباده , ولقد قررت الآية الكريمة وحددت مواضع الإنفاق في أموال الزكاة بما يوقع الإثم علي مخالفة الأخذ بها والعمل علي تطبيقها.
القسم الثاني الأموال التطوعية
والأموال التطوعية هي الأموال التي تخرج في سبيل الله والتي يرتجي بها العباد التقرب إليه ربهم سبحانه وتعالي ونيل رضوانه ومن هذه الأموال أمول الصدقات العامة والنذور والصدقات الجارية والهبات والأوقاف والوصايا العامة وغيرها من الأموال التي لا تعد ولا تحصي والتي تقدم قربة إلي الله ومرجاة لعفوه ورضوانه وهذه الأموال يعتقد فريق كبير ممن يشهد لهم بالصلاح والتقوي بأنه يجوز إدخالها في دورات إستثمارية وإقتصادية لتحقق ربحاً يبث في صوره المتعددة للمحتاجين من أبناء الأمة وفقرائها , ولكن هذه الدعوات لاتمتلك أفق واسع من الإنطلاق والمجازفة والإرتجال الإنفعالي دون ضوابط محكمة وقيود ملزمة لأن هذه الأموال تتعلق بقطاع شدد رب العزة سبحانه وتعالي ونبيه الكريم علي فرضية ووجوب الإنفاق في سبيلهم وإثم تضييع أموالهم وحقوقهم , ومن هنا فإن المجازفة بما يقدم من أجلهم سيعتبر من الآثام التي تحول بين هذا العمل الإنساني المهم قياساً علي قوله تعالي (( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتي يبلغ أشده )) (3) والتي هي أحسن المذكورة في الآية الكريمة إذا فهمت وطبقت بالشكل المثالي فإنها ستكون قد دعمت الطريق للإستثمار الخيري فإنها ستعكس مردودات عملاقة بشكل يغني فقراء الأمة , ولقد دعي النبي الكريم صلي الله عليه وسلم اليتامى في الحديث النبوي الشريف الذي رواه رواه الطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك عن النبي الكريم صلي الله عليه وسلم "اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة" ومن ثم فإن الدعوي للإستثمارفي الأموال الخيرية ستبقي مشروعة وفق الضوابط المحكمة التي تحفظ هذه الأموال من الإسراف والتبديد والضياع .
ثانياً إحتمالات الفشل
وإحتمالات الفشل تعتبر ظاهرة مقلقة وهي أهم العوائق التي تواجه كل فرد أو مؤسسة ترغب في التوجه للعمل الإستثماري الذي يببتغي الربح من خلال الأموال الخيرية وهي أموال الله وقد خرجت لإغناء ومداواة عباده عن السؤال وغيره , وكثيراً ما تراجعت مؤسسات وشركات كبري لها باع وتاريخ في العل الإقتصادي والمغامرات الإستثمارية عن خوض غمار وممارسة أعمالها الإقتصادية في قطاعات متعددة نتيجة تخوفات عادية تتفاوت في درجة حدتها من وقت لأخر , وتعتبر إحتمالات الفشل للأسباب البديهية المتعددة كإنهيار الأسواق أو صعوبة المنافسة أو تلف البضاعة أو تعرضها للسرقة أو غيرها من الأسباب هي أكبر العوائق التي تواجه المسئولين في المؤسسات الخيرية التي تطمح في تنمية قدراتها المادية , لأن المسئولية التي تقع عليها ليست مسئولية عادية فهي مسئولية أمام الأنفس والضمائر اليقظة للمهتمين بهذه القضية وأمام الناس كافة في الحياة الدنيا وأمام الله في الآخرة. وهذا بكل تأكيد لا يعني أن تتوقف الجهات الخيرية عن خوض غمار المشروعات الاستثمارية التي تهدف إلى زيادة مواردها المالية.. وإنما يعني أن عليها التأكد من التالي الدخول في مشروع استثماري محسوب ومحدد المخاطر، فإذا اضطرتْ لإيقافه بعد فترة لأي سبب كان، فإن تكلفة وحدته المالية لن تقلّ عن تكلفة الشراء والتكلفة منذ البدء في المشروع (4) وإتباع سبل الأمان المعروفة عالمياً وإقليمياً والبدء في أعمالها الإقتصادية بحذر وعدم المغامرة الغير محسوبة وبالتالي فإن استثمارها سيكون مجدياً في كلّ حال بتوفيق الله تعالى.
ثالثاً: البيروقراطية الرسمية القيود القانونية
قد تصطدم هذه الرغبة المحمودة بالكثير من العراقيل التي تقف في طريقها كالعراقيل القانونية والتشريعة التي تطلب رأس مال معين وتراخيص معينة لمزاولة الأنشطة التجارية والإقتصادية وهي من الأشياء الطبيعية والمعروفة , ولكن الرغبة في تنمية هذه الأموال ربما تتطلب أنواع معينة من المرونة بشكل يجعل الجهة الخيرية التي ترغب في الشروع في هذا العمل لها صلاحيات أكبر تتخطي بها الروتين وبيروقراطية القرارات والمتطلبات , ولكن هذا الأمر رغم ذلك يعد من العراقيل الكبيرة لأسباب متعددة ومنها التحفظ الكبير في بعض الدول علي أي الأنشطة الغير معهودة وخاصة تلك التي تتعلق بتعظيم المدخلات والموارد الإقتصادية للعديد من الجهات الخيرية , ومنها أيضاً فرض قوالب معينة من الأنشطة لا يجوز للجمعيات الخيرية أن تمارس أنشط إلا وفقها كالمعارض والمزادات الخيرية .
رابعاً: المحاذير المتعلقة بالجهات الخيرية
فالجهات والجمعيات الخيرية هي مؤسسات ومنظمات وكيانات قائمة من أجل التيسير علي الحكومات والمجتمعات والداعمين والفئات المحرومة التي تعمل من أجلهم سبل المنح والعطاء وتقديم الخدمات الإنسانية بشكل يضمن وصول الرضا إلي نفوس المسئولين والمدعومين علي السواء , ومن ثم فإن عمل هذه الجهات في الأنشطة الإقتصادية التي قد تساعد في تحسين المدخلات وتثبيت مصادر الدعم التي تصب في مصلحة الفقراء وغيرهم بالموازاة مع تقديم هذه الأعمال والخدمات الإنسانية المحمودة يعتريه بعض المحاذير والتحفظات التي قد ترتقي لدرجة العوائق التي يجب تجنبها والإبتعاد عنها نهائياً ومنها
· التخوف الكبير من تحول الجهات الخيرية من مؤسسات وجمعيات خيرية تقدم خدماتها بشكل إجتماعي إلي جهات وهيئات إقتصادية ربحية بشكل يخرجها عن الأهداف التي قامت من أجلها والتي من المفترض أن تظل تعمل وفقها فيتم تضييع أموال الله وحقوق العباد فيها.
· التخوف من تحول فريق من المدعمين والمنتفعين عبر هذه المنظومة بشكل قد لا يرتضونه من مجموعات محتاجة إلي مجموعات يشترط أن تعمل في الكيانات الإقتصادية التابعة للجهات الخيرية لتنال ما قد إقتطع من أجلهم , ورغم أن الأمر يعتبر فيه نوعاً من الإيجابية في فتح مجالات العمل أمام قطاعات كبيرة من المحتاجين وغيرهم , إلا أنه قد يكون ورقة ضغط غير مرغوب فيها إذا منع ما يقدم إليهم أو قلت نسبته أو قيمته بناء علي ذلك .
· التخوف من تخلي الداعمين الأصليين لمنظومة العمل الخيري عن أدوارهم وأنشطتهم وما يقدمونه لصالح الفئات التي يقدم الدعم من أجلهم إعتقاداً منهم بأن هذه الجهة الخيرية تقوم بواجبها الإنساني علي أكمل وجه معتمدة علي مصادرها وأرباحها , وتوجيه دعمهم وإمكانياتهم تجاه قطاع آخر وتجاه أعمال أخري .
المصدر: موقع مداد الالكتروني
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=69989
