العمل الاجتماعي..ما بين المنع والبديل

أرشيفية

من سمات عصرنا التغيير السريع، وتعدد الأفكار والآراء  في كل أمور الحياة، حتى بات الاجتهاد مطلبا أساسيا في جميع شؤون الحياة؛ ليتم الرد على المستحدثات الدينية في المعاملات والعبادات، بل إن ما يستحدث يوميا على مستوى معاملة الفرد والحياة العامة في تسارع مستمر.
أصبح العصر من السرعة بحيث يصعب اللحاق به، حتى أن مفردة الممنوع لا تقاوم ولا تصمد في وجه المتغيرات العديدة والمتنوعة، فقد كان في السابق من السهل تقييد ومنع بعض أمور الحياة؛ لأن ظروفها وتركيباتها أقل تعقيدا بكثير من العصر الحالي، الذي فرض بشكل كبير فقه الواقع وكيفية مواجهة الإشكاليات المستحدثة..
هذا الواقع فرض على المتخصصين بالشأن الديني والتربوي والاجتماعي والاقتصادي الإجابة على هذه التغييرات والتطورات، أي كيف نواجه المتغيرات العصرية وما تستوجبه الثورة التقنية التي أثرت على مجرى وتقدم الحياة، التي من الصعب الاستغناء عنها، وانعكاساتها على معيشتنا؛ لأنها جزء ضروري في حياة الإنسان و ما يحتاجه طبيا وهندسيا وإداريا و اجتماعيا، أي يفترض أن تكون رقعة  الإباحة أكبر حجما.
ما يهمّنا من هذه المقدمة هما مفردتان: "المنع والبديل"، فقد اعتاد المجتمع المنع والنقد، ونقصد النقد غير البنّاء في  التربية و الإدارة و النشاطات الاجتماعية.
واقعنا التقني أبرز كلمة المنع كثيرا، خصوصا في أمر تربية الطفل والنشء، بحيث أصبح شاغل المربي كيف نمنع أو نسيطر على آلات التطور والتحضر و المدنية؟ وخصوصا في ظاهرة الصورة وما تعكسه من تأثيرات تترك مجالا كبيرا للتأويل؟ الأخطر في عصر الصورة هي توظيفها بالشكل الذي يريدها موظفها أو مصممها من حيث الجذب والتشويق والتشويه، وتوظيفها لأهداف محددة، وهذه خطورتها.
وأسهل طريقة للسيطرة، ولمواجهة إفرازات التقنية، هو المنع والتحريم، وليس بإيجاد البدائل؛ مما ينعكس بالسلب على ثقافة الطفل وتربيته، ويعيش بثقافة الحرمان، معتقدا أن الأصل المنع والتحريم. (ولا نقصد هنا الأمور المحرمة دينيا؛ فهذا متفق عليه بمنعها).
أيضا، أسهل طريقة في التربية للأبوين والتربويين المنع، هذا الأسلوب لم يعد نافعا في عصر التقنية التي تلاحقك، ولا نستطيع الاستغناء عنها، الأمر يقتضي التحصين، وإيجاد البديل؛ لأن سياسة المنع لا تفيد، وسيعيش الأطفال في جو المنع و السلبية؛ مما يؤثر سلبا على مستقبلهم عندما ينضجون..
أيضا، في شؤون الإدارة، ومنها الإدارة الاجتماعية والعمل الاجتماعي، اعتاد البعض على قاعدة المقاومة و المنع والتقييد في الأعمال الاجتماعية، ويعتقد المتخصصون أن هذه الأمور منفّرة عن العمل الاجتماعي، وتحجب متطوعين عن اقتحام الساحة الاجتماعية؛ لأن من عوائق التطوع  الخوف من الرفض وعدم القبول؛ مما تسبب في وأد كثير من المبادرات والمبادآت في مهدها، من باب أن هذه الفكرة لا تصلح أو ليس وقتها،  فتعيش مع الفرد قاعدة المنع والرفض بدل إيجاد البديل أو تحسين الفكرة.
أحد معوقات العمل التطوعي والإبداع هو المنع، الذي يوحي بثقافة التقييد والتحريم وعدم إيجاد البديل، لكن المنهج الإداري الحديث، الذي يحدد المشكلة ويضع الحل مع بدائل الحلول (المرونة)، هو الذي يوحي بمشاركة الآخرين  في الرأي..
إن قاعدة البديل قبل المنع هي العلاج الأمثل للقضايا الإدارية والاجتماعية والتطوعية، بحيث لا ننفر الآخر من أول الطريق بمنعه، بدل أن نجد حلولا بديلة أكثر ملاءمة.
المنع في الشأن التربوي يحطم الأطفال، ويضعف إبراز جيل مبدع ومبادر؛ لأنه يواجه من نشأته عقبة المنع والتقييد، كذلك نفقد أجيال التطوع والمتطوعين؛ بسبب قاعدة المنع وإخفاء البديل.
الأَوْلى في الشأنين (التربوي والاجتماعي) إيجاد البديل، ولتحسين، والتشجيع، والقضاء على جبهة المنع و التقييد.