جناية السياسة على العمل الخيري

أرشيفية

كلما رأيت ما  يتعرض له العمل الخيري من حملات و تشويه متعمد.. يقفز إلى ذهني على الفور وصف الإمام محمد عبده ـ رحمه الله ـ للسياسة و قولته المشهورة: "لعن الله ساس ويسوس، وكل فعل اشتق منهما". فكم من الجنايات ارتكبت و لا تزال حتى الآن ضد العمل الخيري باسم السياسة على صعيد الكرة الأرضية، ولم يخل مكان إلا وشهد انتهاكا خطيرا ضد فعل الخير وفاعلي الخير، خاصة من المسلمين على وجه التحديد.. والغريب أن أحدا من هؤلاء المجرمين أو ممن يتشدقون بحقوق الإنسان لم يتذكر أبدا شيئا اسمه حقوق الإنسان.. ولا أولئك الذين أضيروا ولم يكن لهم من سند بعد الله تعالى إلا العمل الخيري وأصحابه.. كان طوق النجاة للكثيرين من أهل الأرض ممن غلبت عليهم شقوتهم، أو قسوة حكوماتهم وأولياء أمورهم، أو جار عليهم جائر، أو طاف عليهم طائف من ربك وهم يلعبون.
والأغرب والأعجب أن العمل الخيري لم يجد القوة الكافية لتحميه وتصد عنه الهجمات العاتية من الداخل والخارج، سواء بالحق أو بالباطل.. وحدثت حالة من الاستسلام لبطش القوى الكبرى، وتبعتها حالة من الصمت المريب تجاه ما يحدث حتى بعد هدوء العواصف والأنواء السياسية.. وبدا العمل الخيري كشجرة وحيدة تواجه العواصف في صحراء العبث السياسي والخضوع والإذلال المزري.. رغم علو ويقين الكثيرين العملُ الخيري الإسلامي كان هو كفَّ الرحمة التي تمتد على كل أرض، وتجوب كلَّ قطر، تمسح دموع اليتامى، وتبدد أحزان الثكالى، وتقتلع مآسي الأرامل، وترعى الأطفال، وتُعلم الجهلة، وتنقذ الغرقى في أتون الشرك والوثنية أو براثن الخرافة والبدعة.. وكانت المؤسسات الخيرية الإسلامية واسطة خير، ومستشاراً ناصحاً لرجال المالِ والأعمال؛ إذ تتكفل بإيصال نفقاتهم إلى المحتاجين، وتُسهم في تحقيق الخيرية نيابة عنهم.
على مدى السنوات العشر الماضية أو ما يزيد، ومنذ ظهور أُلعوبة محاربة الإرهاب، وكلنا يعلم ما عرف بسياسة تجفيف منابع الخير، وحالة الاستسلام والاستجابة لها.. وكلها ـ كما نعلم ـ كانت تستهدف المنظمات والهيئات الخيرية الإسلامية على وجه التحديد.. وكان من نتيجتها أن غُلِّقت أبواب، وهدّمت مؤسسات، وشرّدت أسر، وانتُهكت حرمات، وانكشفت سوءات.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الفصل الجديد في الهجوم على العمل الخيري  والإساءة إليه وتشويهه تجري وقائعها الآن على أرضِ المحروسةِ، والمصاحبة لتداعيات جريمة التمويل الأجنبي، والتي تكشف عن أوراق التوت التي يتستر بها دعاة الديموقراطية وحقوق الإنسان، الذين يتخذون منها ستارا لأغراض وأهداف خبيثة للّعب بمقدرات الشعوب، وإشاعة الفوضى  في أركان المجتمعات.
بعد سقوط أوراق التوت، وانكشاف أمر الجناة والعابثين بأمن البلاد والعباد، كان لا بد من البحث عن طريقة أو وسيلة فعالة لتخفيف وطأة الكارثة عليهم بعد أن ضُبطوا متلبسين.. وتوريط جهات أخرى، وانتهاز الفرصة لإعلان الحرب على مؤسسات العمل الخيري الحقيقية، وتلطيخها وتشويهها؛ حتى لا تقوم بدورها الحقيقي على الأرض في إنقاذ البشر، وتأمين ما يمكن لهم من ضرورات الحياة، ومسح دمعةٍ هنا أو هناك، أو سد عجزِ وتقصيرِ خططٍ وحكومات.. بعيدا عن أية أغراض سياسية أو أهداف أو خطط خبيثة، كالتي يسعى الآخرون إليها، حتى وإن أعلنوا ورفعوا  شعارات برّاقة ورنّانة.
إنه تخطيط شيطاني، وتفكير جهنمي، أن يحاول البعض إدارة دفّة المواجهة بطريقة خبيثة في هذه الأجواء ـ خاصة في مصر ـ إلى الجمعيات الخيرية الإسلامية التي تعمل في النور والعلن، وفي إطار الأخوّة الإسلامية، والتعاون على البر الذي هو أمر أهلي وواجب ديني، شرعه الله تعالى للترابط والتكافل، وتحقيق الخيرية بين أبناء الأمة في كل مكان.
ولعل في هذا إجابة على ما يطرحه البعض عن الأسباب الحقيقية وراء استهداف العمل الخيري الإسلامي على وجه التحديد، سواء من قبل الحكومات الغربية أو المنظمات الغربية التبشيرية التنصيرية، وحتى بعض المنظمات المُنْضَوية تحت لواء الأمم المتحدة.
ومن أسفٍ أن تَجِدَ دَعَوَاتُ الحربِ السياسيةِ على بعض المنظماتِ الخيريةِ الإسلاميةِ  في مصرَ مَنْ يساندُها في الداخل، ممن يدعمون الأصوات الغربية الاستعمارية، دون وعي أو إدراك، ويوجهون سهامهم الطائشة لجمعيات لها دورها التاريخي الذي لا يمكن إنكاره في جوانب عديدة  في مجال محاربة الفقر، ورعاية الأيتام، ودعم محاربة الأمية، إلى جانب الرعاية الصحية والاجتماعية المختلفة في أماكن عديدة، وكان  يفترض أن تكون أَوْلى بالرعاية، ولم يحدث ذلك لسبب من الأسباب.
إن هؤلاء المحاربين للخير الحقيقي يغفلون أو يتناسون حقيقة مهمة وهي أن بقاء العمل الخيري الإسلامي مستمر، ويكتسب حصانة إلهية خاصة تؤهله للصمود والتصدي لكل محاولات الحاقدين والرافضين للخير غير المشروط.. الخير حسبة لله ولوجهه الكريم فقط؛ إذ إنه جزء من الدين، ولن يستطيع أحد أن يقتلع المبدأ ما دام الإسلام قائماً. وعلى الهيئات الإسلامية التذكير بهذا الأصل، وتذكّره في عملها وفي دفاعها عن نفسها وعن برامجها، مع إدراكها في الوقت نفسه أنها أدوات لتنفيذ المبدأ، وهي ليست في مأمن من التعسف والتصفية.
وقد ذهب بعض الخبراء والمحللين المهتمين بالشأن الخيري إلى أن أحد أهم أسباب استهداف المؤسسات الخيرية الإسلامية يرجع إلى أنها استطاعت أن تنافس المنظمات والجمعيات الدولية، وأن تعوق بعض مخططاتها؛ إذ إن مصالح الهيئات الإسلامية مع الهيئات الدولية قد تختلف أحياناً، وقد تفترق؛ فهي تلتقي مع الهيئات الدينية (النصرانية على وجه الخصوص) في الدفاع عن القيم الأخلاقية والأسرية، وتلتقي مع (المؤسسات الأممية) في نصرة المظلومين وإغاثة المنكوبين، وتفترق رؤاها مع الفريقين في مجال التربية والدعوة.
آن الأوان أن ننتبه إلى ألاعيب السياسة، ونقف ضد جناياتها على العمل الخيري الإسلامي بالمرصاد، (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون).
المصدر: موقع مداد