أرشيفية
"لا شك أن روح التعاون في المبادرات الطيبة لعمل الخير تنتابها كثير من المنافسات المحمودة، فهو بالطبع أمر إلهي، تتبلور روعته في أية: (فاستبقوا الخيرات).
وفي الواقع ترجع أهمية التطوع ليس لكونه عملاً يسد ثغرة في نشاط الدولة والهيئات الاجتماعية فقط، بل أهميته الكبرى تكون في تنمية الإحساس لدى المتطوع ومن تُقدّم إليه الخدمة ـ المواطن ـ بالانتماء والولاء للمجتمع، وتقوية الترابط الاجتماعي بين فئات المجتمع المختلفة، والذي اهتز بعوامل التغير الاجتماعي والحضاري.
إضافة إلى إن التطوع يكون لوناً من ألوان المشاركة الإيجابية، ليس في تقديم الخدمة فقط، ولكن في توجيه ورسم السياسة التي تقوم عليها جهود هذه الأفراد المشاركة في مؤسسات العمل الخيري، ومتابعة تنفيذ برامجها، وتقويمها بما يعود على المجتمع ككل بالنفع العام. وكلما كثر عدد المتطوعين دلّ ذلك على وعي المواطنين، وحسن تجاوبهم مع جمعيات ومؤسسات المجتمع.
وقد عَرف المجتمع العربي التطوع، بل هو أصيل فيه من منطلقات دينية وإنسانية واجتماعية وثقافية.. ولكنه ما زال فرديَّ الأداء، عفويَّ التوجه، إغاثيَّ الهدف.. وهذه الصفات ربما تكون من المعوقات المعتبرة في سبيل الوصول للعمل التطوعي الخيري المنظم، الذي من أبرز قسماته: المنهجية العلمية، والاستدامة، والشمولية، والشفافية، والثقة، والاستقرار، والانتشار، والإنماء الشامل للفرد والجماعة والمجتمع.
هذا التوصيف للعمل الاجتماعي في المجتمع العربي، وعدم تجسيده بالقوالب الحديثة في الإدارة المتخصصة للعمل التطوعي؛ يجعله محدود الأثر، وعرضه لزوابع الرغبات الشخصية، وحتى – أحياناً – انحرافاتها التي لا تخفى على فطنة المراقب لمسار العمل التطوعي في بلادنا.. من أجل ذلك يُنظر إلى العمل التطوعي المؤسسي بأنه خير ضمانة لاستقامة العمل الخيري، ونُبْلِ مقاصده، وسلامة توجهه.. بل وحتى من أجل نموه وتطوره واستدامته.
ولكننا، ورغم كل هذا، لا نستطيع أن ننكر الدور الرهيب الذي تقوم به العناصر الفردية في نمو العمل الخيري، وما تحمله على عاتقها من مسؤوليات مالية وعينية وجهد ووقت من راحتها وعملها وحياتها ككل، وكلما كان الفرد – أو الجماعة أو الفئة – أكثر قدرة على القيام بأداء فرض الكفاية على سبيل التطوع، وتقاعس عن ذلك، كان نصيبه من الإثم أكبر من غير القادر أو الأقل قدرة منه.
الدوافع الخاصة بالتطوع تتعدد، فمنها ما هو شعوري، ومنها ما هو لا شعوري، وهذه الدوافع تتشابك، وينتج عنها في النهاية هذا الالتزام الذي يدفع المتطوّع إلى العمل، فقد يكون الدافع الرغبة في الشعور بالراحة النفسية، والرغبة في اكتساب الأصدقاء أو الجماعة المرجعية التي ينتمي إليها، وقد يدفع الشخص للتطوع مجرد حب الظهور، أو وجود وقت فراغ لديه، أو يتطوع الشخص مدفوعا بفلسفة عامة ومرغوبة.
ولكن الأصوب والأقرب للحقيقة والواقعية هو أن هناك آثاراً مترتبة على التنافس على العمل الخيري بين الأفراد:ـ
1- على المستوى النفسي:ـ
فالمتطوع يقدِّم جزءاً من جهده ووقته، وأحياناً من ماله، في مقابل تقدم الآخرين. واستفادة هؤلاء الآخرين تشكل بالنسبة إليه مصدر راحة نفسية. فيما على العكس، فالعمل غير التطوعي (الروتيني أو الوظيفي) يحصل فيه الرضا النفسي لدى الشخص القائم به بمقدار ما يحصل هو نفسه على المنفعة الناتجة عن هذا العمل، وإضافة إلى الرضا النفسي هناك "الرضا عن الذات"، حيث يرفع العمل التطوعي مستوى الدافعية للعمل، ويزيد من حماسة المتطوع كلما رأى الآثار الإيجابية والتطور الملحوظ لدى من يتطوع للعمل من أجلهم. وفي جانب آخر، فإن العمل التطوعي يخفف من النظرة العدائية أو التشاؤمية لدى المتطوع نفسه تجاه الآخرين والحياة، ويمده بإحساس وشعور قوي بالأمل والتفاؤل، وكذلك فإن التطوع يهذب الشخصيَّة، ويرفع عنها عقلية الشُّحّ، ويحوّلها إلى عقلية الوفرة، مصداقاً للآية الكريمة: "ومن يوقَ شحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون". ففي العمل الوظيفي يتحدد العمل بقدر ما يحصِّل العامل من مال ومنفعة ذاتية مادية، بينما في العمل التطوعي لا حدود للعطاء، حتى وإن كان العطاء غير مادي.
2- على المستوى الاجتماعي:
فإن العمل التطوعي يزيد من قدرة الإنسان على التفاعل والتواصل مع الآخرين، كما يَحدُّ من النزوع إلى الفردية، وينمي الحسّ الاجتماعي لدى الفرد المتطوع، ويساهم في جعل المجتمع أكثر اطمئناناً وأكثر ثقة بأبنائه، كما يخفف من الشعور باليأس والإحباط، ويحد من النزعة المادية لدى أفراده، ويجعل القيمة الأساسية في التواصل والإنتاج والرضا الذاتي متصلة برضا اللَّه – سبحانه وتعالى -.
"وفي ذلك فليتنافس المتنافسون"
ولكل ما سبق، فلنا أن نقر بأن التنافس في عمل الخير له أثارٌ ملموسة وإيجابية على جميع الأقطار العربية والإسلامية، وأبلغ دليل هو ذلك التنافس الذي ظهر جليّاً في عهد صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم، ورضي عن صحابته أجمعين ـ في كل ألوان الخير على المستوى الشخصي والعام، ولقد تفطّنوا إلى هذه المعاني العظيمة؛ فكانوا مسارعين في الخير دائماً؛ فحازوا الدرجات العلى والرفعة.
التنافس المذموم
ولكن، وعلى النقيض أيضاً، نجد نوعاً آخر من التنافس، وهو "التنافس المذموم"، فمن ذلك تنافس الناس على أمور الدنيا، فيقول ـ صلى الله عليه وسلم -:" فو الله، ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها؛ وتلهيكم كما ألْهَتْهُم" [رواه البخاري].
ومن ذلك التنافس في الدنيا:
1- بغض ومعاداة كل من يسبقه في أمور الدنيا.
2- المخاصمة المستمرة على الدنيا وما فيها من متاع زائل.
3- الحديث الدائم عن الدنيا وزخارفها وسبل اقتناصها.
أو كأن تسول نفس أحد ممن يساهم في الأعمال الخيرية أن يمس أموال الله الخاصة بالفقراء بأي حجة مهما كانت، أو عوز شخصي، ويحرم منه الفقراء، فللأسف كثير من يضعفون أمام المال بحجة أنهم قائمون عليها، وللأسف ـ أيضاً ـ أحياناً تجدهم يتنافسون عليها ذلك التنافس المذموم ـ إلا من رحم ربي.
وهكذا نجد دوماً الآثار الإيجابية، وأحياناً السلبية، على من يشارك في الأعمال الخيرية، ولكننا دائماً نتمنى ونأمل الإيجابية في كل شيء، وخاصةً في المشاركات المباركة لكل ما يرضي الله ـ عز وجل ـ، فكما قال ـ سبحانه ـ: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم). وهذه المغفرة لا تأتي إلا بالعمل الصالح، وفعل الخيرات ما استطعنا؛ "فالحسنات يذهبن السيئات"، وكثرة المحاولات للتعاون في كل خير، فلقد قال ربنا ـ سبحانه ـ: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".
المصدر: موقع مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70008
