أرشيفية
تتنوع المجالات والقطاعات التي تستطيع المنظومة التطوعية الاحترافية الواعية أن تؤدي دورها الخيري والإنساني من خلالها، ولكن ثمة قطاعات ومجالات محددة قد يستطيع العمل التطوعي أن يخدم بها الاقتصاد للدول في كافة الظروف. ولكي نعرف حقيقة واقع ومستقبل تلك المنظومة للعمل التطوعي في دعم الاقتصاد الإقليمي في دول المنطقة العربية والخليجية في ظل الأوقات العادية وغير العادية من خلال تلك القطاعات والمجالات الأكثر إفادة وإيجابية في الحصول على النتيجة، فإنه يجب التعرف أولاً على طبيعة الاقتصاد في هذه المنطقة. ولكي لا ننساق خلف الحديث بصورة غير مجدية ونخرج عن صلب الموضوع؛ فإننا – وبصورة بسيطة لا تَخْفى على كل مهتم عندما نمعن النظر – سنلاحظ ـ وبدون الحاجة إلى الكثير من الخبرة – أن الاقتصاد العربي اقتصاد ريعي، يعتمد في أغلب الأحوال على الثروات الطبيعية التي لا دخل للإنسان في وجودها، كالبترول والمعادن، وعلى الخدمات التي قدمها الاقتصاد الحديث في هذه البلدان اعتماداً على طبيعة المواقع الجغرافية المتميزة لبلدان المنطقة، وأهميتها في الخريطة الدولية كحلقة وصل بين شمال العالم وجنوبه. وبرغم أن هذا يعتبر نقطة من نقاط القوة في أغلب الأحايين، إلا أنه قد يكون من نقاط الضعف في أحايين كثيرة كأوقات الأزمات العالمية والكوارث الطبيعية. ولكن بنظرة أمل وتفاؤل فإن ذلك يعزز من فرص نجاح القوة البشرية الكبيرة بطاقتها وإمكانياتها المهدرة والمؤهلة أخلاقياً ودينياً إذا تم استثمارها واستغلالها بشكل مثمر ومحترف، عن طريق إشراكها في العمل التطوعي من أجل دعم الاقتصاد في مواطن الإنتاج تارة، وفي الجوانب الخدمية التي لا تستغني عنها الدول ولا مؤسساتها وأفرادها تارة أخرى. ولذلك يمكننا أن نحدد القطاعات والمجالات التي يستطيع العمل التطوعي أن يدعم بها الاقتصاد صراحة، وبطرق مباشرة في كل الأوقات، لا سيما أوقات الأزمات الاقتصادية والسياسية والكوارث، عن طريق اجتهادات شخصية تعززها الحاجة الكبيرة لمثل هذه اليد الرحيمة والقلوب المخلصة الصادقة في مجتمعاتنا التي تطمح للنهوض الكبير لتعود لموقعها الطبيعي في الريادة الإنسانية بكافة قطاعاتها، في ظل ظروف قد تؤدي لانهيارات متعددة قد تُوْدي بهذه المجتمعات إذا لم تكن هناك مثل هذه الوقفات التطوعية الخيرية الصادقة لتعيد تصويب المسار، فتصعد من بعد شبح الهاوية بهذه المنطقة ودولها وأفرادها.
والمجالات المقترحة التي يستطيع العمل التطوعي أن يتدخل فيها ستكون كالتالي:
أولاً: في الجانب الخدمي:
الجوانب الخدمية هي المهمة الأولى والكبرى التي تقدمها كل الحكومات والأنظمة في العالم منذ قديم الأزل من أجل مجتمعاتها، ومن أجل مواطنيها، ومن أجل الاستقرار الاجتماعي والأخلاقي، فبرامج الموازنات الحكومية، التي تعلنها دول العالم كافة مطلع كل عام، تتمثل دائماً في صورة مبالغ عملاقة تبث لقطاعات وهيئات ومؤسسات معينة، سواء كانت حكومية أو خاصة، من أجل أن تقوم نيابة عن الدولة بدعم وتقديم خدمات يستفيد منها المواطنون بطريق مباشر أو غير مباشر، لكي يستطيعوا ممارسة حياتهم وتأدية أدوارهم الإنسانية. ومن هذه القطاعات المدعومة في كافة المجتمعات القطاع الصحي، وقطاع التعليم، والقطاع البيئي، وقطاع الإسكان، وقطاعات التموين، وقطاعات النقل والمواصلات، وهذه القطاعات في أوقات الأزمات كافة، لا سيما أوقات الأزمات الاقتصادية، تتأثر بصورة كبيرة جداً فيعوقها النقص أو العجز التمويلي في تأدية خدماتها.
وفي الجوانب الموازية، فإن هذا العجز والنقص التمويلي قد يؤدي إلى انهيار طويل المدى في البنى التنظيمية والإدارية التي تدعم رؤية التطوير العلمية المدروسة من أجل المستقبل، وذلك في حالة الاستجابة للضغوط والإملاءات الخارجية من قبل الكوادر المؤهلة بشكل علمي مكثف من الخبراء والعلماء والباحثين وغيرهم، ممن لديهم القدرة على استحداث برامج علمية ممنهجة من أجل تطوير عمل هذه القطاعات الخدمية التي لا يمكن أن تستغني عنها الدول ولا الجماهير في التنظيمات الإنسانية المعاصرة، وذلك يتمثل في الرضوخ والانقياد لأجندات خارجية تملى عليهم تحت شروط تمويلية قد تضر بهذه الدول على المدى القريب أو البعيد. و لا أدل على ذلك من الضغوط والإغراءات التي قدمت من القوى الغربية، متمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية، لأهم علماء الطب والفيزياء، وبعض أبرز العلوم في المجتمع المصري، في أوج أزماته السياسية والاقتصادية العام المنصرم 2011، للانتقال مع امتيازات ربما لا تتاح لأندادهم حول العالم؛ من أجل تقديم علومهم وأبحاثهم وكافة جهودهم وإمكاناتهم حصراً لهذه الدول، والانتقال للعيش النهائي مع كافة الامتيازات والصلاحيات في مجتمعات هذه الدول والانصهار فيها، والنتيجة المنطقية والعادلة هي براءة هؤلاء العلماء الذين يطمحون في مواصلة إنجازاتهم العلمية من أجل الإنسان في أي مكان في الأرض، ما دامت الإمكانيات في مكان بعينه غير متاحة في وقت ما، ولا يستطيع أي فرد مهما كان أن يزايد عليهم في محبتهم لأبحاثهم وعلومهم ولما يقدموه. ومن هنا، فإن منظومات وتنظيمات العمل التطوعي إذا وجدت الآليات التي تستطيع بها اختراق هذه القطاعات الحكومية، وتفرض الشراكة التي تستطيع بها تأدية رسالة خيرية وإنسانية مفادها المحافظة على الكيانات والمؤسسات والقطاعات الخدمية الحكومية ودعم علمائها وباحثيها، كلما كان ذلك ممكناً، فإنها ستكون قد حققت ثُلّة من النتائج المحمودة.
والعمل التطوعي إحدى أهم الأدوات والطرق والوسائل الخيرية المعاصرة التي حضت عليها الشريعة الإسلامية وروح الحضارة والتطلع للمستقبل الأفضل مع الحاضر المثالي، فيستطيع العمل التطوعي بمؤسساته ومنظوماته وجمعياته أن يقدم خدمات لا متناهية، ويدعم الخزانة العامة للحكومات، وبالتالي المنظومة الاقتصادية بموازاة أو بشراكة القطاعات الرسمية، فيقلل بكافة الطرق الضغوط على هذه القطاعات الخدمية الرسمية، ومن ثمَ يقلل الدعم الممنوح لها إذا استمرت واستقرت الإحصاءات التطوعية في تلك القطاعات، ليدخل ذلك الدعم الممنوح للقطاعات الخدمية في قطاعات أخرى كقطاعات الإنتاج الصناعي والزراعي، التي تصب نتائجها في عصب الاقتصاد، وتعكس استقراراً كبيراً ومستمراً لهذه الدول ومجتمعاتها في كل الأوقات.
ومن القطاعات الخدمية التي يستطيع العمل التطوعي أن يؤدي فيها دوراً كبيراً – مثالاً وليس حصراً – ما يلي:
1- القطاع الصحي:
والقطاع الصحي من أكثر وأوسع القطاعات التي يستطيع العمل التطوعي أن يقدم فيها أدواراً غير محدودة تدعم الاقتصاد، وتوفر عليه الكثير من الدعم والنفقات التي تقتطع من أجل المواطنين من خلاله، ليعاد تدويرها لتدعم مواطن الإنتاج المختلفة، فتستطيع المنظومة التطوعية بكوادرها المؤهلة علمياً في القطاع الصحي والطبي في كافة الدول أن تدعو لتنظيم قوافل طبية تقدم خدماتها مجاناً على مدار الوقت، وأن تدعو في الإطار نفسه المستشفيات الخاصة أن تقدم خدماتها مجاناً لقطاعات معينة من الجماهير من غير القادرين، الذين يمثلون أكبر الضغوط على المؤسسات الطبية الرسمية؛ فيخففون من ذلك العبء الكبيرة وتلك المسؤولية المرهقة الواقعة عليها.
ومن الدواعي المطمئنة في هذا الإطار أن الكثير من الجمعيات الخيرية التي تنشأ في بلدان منطقتنا تكون ضمن أولوياتها الخيرية والإنسانية إنشاء مجمعات طبية تقدم خدماتها الطبية الراقية والمتميزة لكافة الجماهير، "فالله طيب لا يقبل إلا طيباً"، وهذا ما يبشر بأن الموازنات العامة للحكومات قد تخفض دعمها للقطاع الصحي في مقابل قطاعات أخرى إذا استطاعت القوى التطوعية أن تقوم بهذا الدور الرائد باستمرار بما يدعم الاقتصاد، خاصة أن هذه القوى الخيرية يمثلها دائماً فرق من خيرة العلماء والأطباء، وهم قادرون على أن يقدموا ذلك الدور التطوعي والإنساني بصورة مستمرة تصنع الثقة في هذه المنظومة الخيرية الإنسانية الموازية في المستقبل.
2- القطاع البيئي:
والقطاع البيئي في الكثير من الدول رغم أنه من القطاعات التي باستطاعتها أن تدعم نفسها بنفسها إذا تم استخدام تقنيات حديثة، خاصة في مسألة تدوير القمامة وإعادة تصنيعها، إلا أنه يعتبر من القطاعات المرهقة اقتصادياً؛ نظراً لاعتماد الكثير من الدول في المنطقة على شركات أجنبية تتقاضى أجرها بالعملات الصعبة لتأدية هذه الخدمة العامة، وتحقق هذه الشركات أرباحاً مضاعفة؛ لأنها تعمل على إعادة التدوير هذه لمصلحتها الاعتبارية. ولكن إذا تم الاعتماد على المتطوعين في هذا المجال؛ فإنه سيكون عملاً عظيماً ومهماً؛ إذ سيتم توفير كل هذه المبالغ الطائلة من العملات الصعبة، وسيعاد استخدامها في قطاعات خدمية أكثر أهمية، بما يساهم في عمليات دعم الاقتصاد، إذا أوجدت المنظومة التطوعية في هذا الجانب أسباب واستراتيجية العمل المناسبة لتعمل من أجل خدمة وتنظيف المجتمع، ودعمه عن طريق إعادة تدوير المخلفات، فهذه صدقة من أكبر الصدقات؛ لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "وإماطة الأذى عن الطريق صدقة". فما بالكم بإماطة الصدقة، ودعم الاقتصاد القادر على النهوض والارتقاء بالمجتمع معاً!
3- قطاع المواصلات والنقل:
فهذا القطاع في الإطار الرسمي يعتبر من أكثر القطاعات المدعومة، وهو قطاع حيوي ولا غنى عنه في المجتمعات الحديثة، ولكن بنظرة واقعية فهو من أكثر القطاعات التي يستطيع العمل التطوعي أن يلعب فيها دوراً متميزاً، ففي مجتمعاتنا عدد غير يسير من المواطنين الذين يمتلكون السيارات الخاصة، والتي يستطيعون أن يساهموا من خلالها بدعم هذه القطاعات، وتوفير مبالغ باهظة على الموازنات الحكومية كلما كانت هناك آلية واحترافية في الوصول إلى هذا الهدف العملاق. وهنا يمكن استحضار تجربة أول مشروعات الدكتور: عبدالرحمن بن حمد السميط، وهو أحد رواد العمل الخيري والدعوي في منطقة الخليج العربي، حيث كانت أول مشروعاته الخيرية بالتعاون مع أصدقاء له في هذا الجانب، فقد اشتروا سيارة، وأخذوا يتناوبون العمل عليها من أجل نقل العمال والكادحين من الفقراء لمساكنهم ولمقار أعمالهم. ومثل هذه الأعمال تبدو في ظاهرها بسيطة، ولكن قيمتها الاقتصادية والخيرية والإنسانية ستكون أكثر إذا كانت هناك الثقافة التي تدعو لنشرها وتعميمها في كافة الأوقات، لا سيما أوقات الأزمات؛ مما سيخفض مبالغ الدعم الحكومي الموجهة إليها لتدخل في جوانب أخرى أكثر أهمية في تنشيط الاقتصاد الراكد.
ثانياً: في قطاعات الإنتاج المختلفة:
1- أوقات الأزمات:
والقطاعات الإنتاجية من أكثر القطاعات التي تتأثر في أوقات الأزمات المختلفة، وتتراجع عن مهمتها لتلك الأسباب القهرية. والسؤال المهم الآن هو عن كيفية دعم هذه المنظومة الهامة عن طريق العمل التطوعي لتبقى عنواناً لمجتمعات فاعلة راغبة في النهضة والنمو..؟؟
والإجابة لا تحتاج الكثير من الجهد، فقطاعات الإنتاج – حتى وهي في وقت أزمتها – لا يمكنها الاستغناء عن الأعداد اللازمة لإدارة وتسيير العمل، فيستطيع العاملون في قطاعات الإنتاج الحكومية زيادة ساعات العمل، وزيادة الإنتاج، وتقديم عوائد هذه الجهود ونسبة من أرباح المنتجات للخزانة العامة. ويمكن الاستشهاد على ذلك بدور العاملين في مؤسسات وقطاعات الإنتاج والإنتاج الحربي في مصر في الفترة ما بين عام 1967 إلى عام 1973، وذلك بزيادة عدد ساعات العمل عن الحد الطبيعي لمدة 5 ساعات يومياً بدون أجر؛ لدعم الاقتصاد وعمليات الإنتاج والنمو، وهذا ما يمكن حسابه للمجتمعات المسلمة المتماسكة والموحدة إذا كانت هناك الرغبة الصادقة للخروج من أزماتها كافة، ويمكن للقطاعات الخاصة العمل بنفس الطريقة فيقدم العاملون مقابل جهودهم للخزانة العامة أو للغرض الخيري الذين يريدون تحقيقه، ومن حقهم أن يشترطوا بأن تقدم المؤسسات الإنتاجية التي ينتسبون إليها نسبا من الأرباح من أجل تلك الأغراض.
2- الأوقات العادية:
وفي الأوقات العادية فإن المجالات التي قد يساهم فيها العمل التطوعي تعتبر غير محدودة، وواسعة، ويستطيع أن يندمج فيها الجميع كل حسب إمكانياته وتخصصه، وهي أساليب دائمة ومهمة لدعم الاقتصاد والنهوض بالمجتمع في كافة الظروف والأحوال، ومنها إشراك المتطوعين في عمليات الاستصلاح وزراعة الأراضي على نطاق واسع، العمل التطوعي في مجالات التقنية والتعليم والتكنولوجيا، مجالات الصناعة، وكلها مجالات حديثة، ويعول عليها من أجل المستقبل، وسيكون مهماً أن تتواجد منظومات العمل التطوعي الاحترافية في هذه المجالات، ولكن ثمة إجراءات وآليات لتنظيم هذه المهمة يجب الأخذ بها.
والله من وراء القصد؛؛
المصدر: موقع مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70012
