أرشيفية
الأعمال الخيرية ليست وليدة عصرنا هذا، ولم نَستَنُّها كسُنّة حسنة فحسب، بل نحن نقتدي في القيام بها برسولنا الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ، حتى وإن اشتق معناها من معنى الأعمال الصالحة.
فجميع الأعمال الصالحة ـ بلا استثناء ـ هي نواة الدين الإسلامي، ظهرت بقدومه، وبدأت أغلبها ببدايته، بل ومع مولد رسول الله محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
وبالفعل، لقد ارتبط فعلُ الخير بالسلوك الإنساني، واعتُبر أحد مقاييس عظمة ونجاح الحضارات، وكان للإسلامِ في التأصيل للعملِ الخيري الكثير من الإسهامات، خاصةً أنَّ تحقيق الخير من خلال درء المفسدةِ وجلب المصلحة هي غاية الإسلام ومقصده في تنظيمِ شؤون الحياة، ولقد أصَّل الإسلامُ لعمل الخير كمسؤولية تقعُ على الأفرادِ والمؤسسات، وجاءت الدلالاتُ من الآياتِ القرآنية والسنة النبوية لتؤصِّلَ لذلك منذ أن نزل الوحي على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -، وشرفت البشرية بتحمل محمد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم- مسؤولية الدعوة، واختيار المولى ـ عز وجل ـ لارتباط هذه الكرامة به ـ صلى الله عليه وسلم ـ منذ مولده، حيث هيّأه لذلك من قبل مولده.
ولقد أتى الإسلام بمفهوم العمل الصالح على أنه العمل الخيري الواجب، حيث ينبع مفهوم "الخير" من أصولِ الرؤية الإسلامية للعالم، وتشكل النـزعة الخيرية ركنًا من أركانِ بناء الوعي الإسلامي للذات الإنسانية، وتوفر أساسًا من أسسِ تكوين الذات الفردية والجماعية في الخبرةِ الحضارية الإسلامية، فالخير مقصدٌ عام وثابت للشريعة، وله ـ أيضاً ـ مقاصدُ أخرى.
وتتضمن الأصولُ الإسلامية (القرآن والسنة) نظريةً متكاملة للخيرِ، وتطبيقاته، وأبعاده النفسية والاجتماعية والاقتصادية، الفردية والجماعية.
ولنا أن نتذكر كم من أبواب الخير قد فتحت مع مقدم نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ للدنيا، وأوّلها نصرة الكعبة المشرفة، ومعجزة الله في حماية بيته، وقتل الطير الأبابيل لرموز الشر وأعوانهم، ونصرة أصحاب الخير.
وكم من خير حلّ بأسرة مرضعته السيدة حليمة السعدية في فترة رضاعته، وكيف تغير حال أسرتها من الفقر إلى الغنى، مروراً بصباه وشبابه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وكم من الأذى دفَعَه عمّن حوله، والأمانات التي كانت ترد لأصحابها مؤمّنة عن طريق الصادق الأمين. وحتى لو لم نسرد هذه المعاملات والأخلاق الخيرية ـ بطبيعتها ـ، إلا أننا على دراية كبيرة بها وبصاحب الأخلاق الخيرية لفظاً وعملاً.
وقد أكد الله – تعالى – هذه الخيرية في جميع معاملاتنا في عدة آيات كريمة من القرآن الكريم، ومن هذه الآيات ـ على سبيل المثال ـ:
· (وتعاونوا على البر والتقوى).
· (ومن تطوع خيراً فهو خير له)
· (وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل).
· (وفي أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم).
ومنذ أن بدأ دعوته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يحثنا على الأعمال الخيرية والعمل الصالح، الذي فيه خير الدنيا والآخرة، وأورد ذلك بأحاديث صحيحة نحفظ معظمها إلى الآن، وهي ليست فقط بالكلمات التي لا يعمل بها أصحابها، بل هي من ركائز المعاملات الإسلامية وقتها، والتي تصلح لكل العصور والبشر على اختلاف ألوانهم وطبائعهم .. ومنها نماذج كثيرة لإنفاق رسولنا الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير عابيء بأي نوع من أنواع الفقر، أذكر منها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ:
§ فروى ابن جرير عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أن رجلا أتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسأله فأعطاه. ثم أتاه آخر فسأله فوعده. فقام عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ: يا رسول الله، سُئلتَ فأعطيتَ، ثم سُئلتَ فأعطيتَ، ثم سُئلتَ فوعدتَ، ثم سُئلتَ فوعدتَ. فكأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كرهها؛ فقام عبد الله بن حذافة السهمي ـ رضي الله عنه ـ فقال: أنفق يا رسول الله، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا. فقال: "بذلك أُمرتُ".
§ وروى البزَّار بإسناد حسن، والطبراني عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: دخل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على بلال ـ رضي الله عنه ـ وعنده صُبَر (كومات) من تمر، فقال: "ما هذا يا بلال؟" قال: أعدُّ ذلك (أي أدَّخره) لأضيافك. قال: "أما تخشى أن يكون له دخان في نار جهنم؟ أنفق يا بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا".
§ وروى أبو يعلى عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: أُهديت إلى النبي ـ صلى اله عليه وسلم ـ ثلاثة طوائر، فأطعم خادمه (التي تخدُمه) طائرا. فلما كان من الغد أتته به، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد؟ فإن الله تعالى يأتي برزق كلِّ غد".
§ وروى البزار عن عبيد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال لي أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ: يا ابن أخي، كنتُ مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ آخذا بيده، فقال لي: "يا أبا ذر، ما أحبُّ أن لي أُحُدا ذهبا وفضة أنفقه في سبيل الله، أموت يوم أموت أَدَع منه قيراطا". قلتُ: يا رسول الله، قنطارا؟ قال: "يا أبا ذر، أذهبُ إلى الأقل وتذهب إلى الأكثر، أريد الآخرة وتريد الدنيا! قيراطا!". فأعادها عليَّ ثلاث مرات.
§ وروى الأئمة الستة عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: أصاب عمر بخيبر أرضا، فأتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: أصبتُ أرضا لم أُصب مالا قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال: "إن شئتَ حبَّستَ أصلها، وتصدَّقتَ بها". فتصدَّق بها عمر ـ رضي الله عنه ـ: أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث، وتصدَّق بها في الفقراء والقربى والرقاب، وفي سبيل الله والضيف.
وفي حين يتوجب علينا السمع والطاعة لأوامر الله تعالى، ومن ثم نبيه الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ، الذي لا ينطق عن الهوى، في كل أمور ديننا ودنيانا، ومنها بالطبع كل ما يختص بالأعمال الخيرية، إلا أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد ترك لنا بعض الأمور محايدة؛ نظرا ً لتغير الأزمنة والأماكن والأشخاص، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "أنتم أعلم بشؤون دنياكم ".
وكان علينا أن نتأسى به قولاً وعملاً قدر المستطاع. فرغم كل الصعوبات والتعقيدات التي تكتنف ثقافة العمل التطوعي – على النحو الذي تشير إليه إشكاليات عديدة في عصرنا الحالي، ولعدة أسباب ليس لدينا اتساع لسردها ـ، فإن ثمة ما يشجع على التصدي لها، ويبشر بإمكانية التغلب عليها، ويبدو ذلك من جملة التغيرات الاجتماعية، والتحولات السياسية والاقتصادية، التي تجري على مستوى المجتمع العربي كله – وإن كانت بدرجات متفاوتة من منطقة إلى أخرى، منذ ما يقرب من عقدين على الأقل-، إذ إن خلاصة هذه التغيرات وتلك التحولات تصبّ باتجاه تغيير المناخ الذي تولدت فيه أزمة ثقافة العمل التطوعي من ناحية، وتسهم في تشكيل مناخ جديد أكثر انفتاحًا ومرونة من قبل الدولة في علاقتها بالمجتمع من ناحية أخرى.
فمثلاً: على المستوى الإقليمي للمجتمع العربي كله، تتجلى ضرورة تفعيل العمل الخيري على أسس نبوية سليمة في ثلاثة دواع أساسية:
أولها: أن جميع أبناء هذا المجتمع من المحيط إلى الخليج تجمعهم ثقافة واحدة هي الثقافة العربية الإسلامية، ولا تعدو ثقافة التطوع كونها نسقاً فرعياً داخل هذه الثقافة الواحدة، ومن ثم فإن تفعيلها يسهم في تفعيل وتقوية الثقافة الأم، ويُدِّعم من أواصر الأخوّة والتضامن على أساس من القيم المشتركة.
وثانيها: أن ثمة حاجة فعلية لنقل بعض ثمرات العمل التطوعي من بعض البلدان العربية التي أصبح فيها التطوع يشكل مجالاً حيوياً نشطاً (مثل بعض بلدان الخليج) إلى بلدان عربية أخرى تواجه مشكلات طاحنة، وهي أولى بالرعاية، وأحق بتلقي إسهامات الأشقاء، وكلما كانت ثقافة التطوع أكثر فاعلية على الصعيد العربي زادت إمكانية تحقيق هذا التكامل.
وثالثها: أن دعم ثقافة التطوع، وتيسير انتقال آثاره الفكرية والعملية عبر الأقطار العربية، من شأنه المساعدة في الأخذ بيد البعض منها للخروج من حالة الانغلاق على الذات، والتحرر من الاستبداد الداخلي – الذي تبرر الدولة جانباً منه بحجة توفير كافة الخدمات والمعونات-، وقد يساعد ـ أيضًا ـ في تجنيبها الوقوع تحت تأثير المنظمات الأجنبية العاملة في مجال التطوع.
وبهذا نكون حتما ًقد جمعنا فكرة تطبيق العمل الخيري منذ مولد رسولنا الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى تطبيقه حاليا ً في عصرنا الحديث، على منهجية دينية أساسها الدين الإسلامي الحنيف، فالعمل الصالح الفعلي بدأ بقدومه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ونما وازدهر في عهد الخلفاء الراشدين والصحابة ـ رضوان الله عليهم جميعاً ـ إلى أن وصل إلينا لنفعّله بأساليبنا الحديثة والمتطورة، غير مخالفين لأسسه ومبادئه النبوية الشريفة أو مخالفين لكلام المولى ـ عز وجل ـ.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70014
