كيفية توجيه طاقات مرتادي المقاهي للعمل الخيري

أرشيفية

عن أبي سعيد الخدْري ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "إياكم والجلوس في الطرقات". فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بُدّ، نتحدث فيها! فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: ما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: "غض البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
ويأتي حديثنا اليوم مؤيداً ومستثمراً لذلك الحديث النبوي الرائع، والكلمات التي لا يُوازَى مكيالُها ذهباً، ونحاول قدر استطاعتنا أن نستفيد ونفيد غيرنا من إخواننا المسلمين بكل بدائل "الجلوس في الطرقات"، منفذين أوامر رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم -، محتسبين كل ما نفعله لوجه الرزاق الكريم ـ عز وجل ـ، فرسولنا الكريم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ حينما نهى المسلمين عن الجلوس في الطرقات لم يحدد طرقات بعينها، أو كيفية الجلوس وشكله، ولم يُبْدِ أسباباً لنهيه عن الجلوس بها، ولكن كان لزاماً علينا وكفاية بأن نتبع ذلك الأمر النبوي؛ لاقتناعنا بكراهة هذا السلوك غير النافع و غير الحضاري في عصرنا هذا، ولكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وضع شروطاً لمن اضطرَّ للجلوس بها، وهي كل ما جاء على لسانه الطاهر من حقّ الطريق.
وإذا كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد نهى عن فعل هذا، فلماذا بعض الناس ـ بل وأكثرهم ـ يصرُّون عليه، إلا من رحم ربي؟! فنجد ظاهرة انتشار المقاهي بمعظم الدول العربية وقد تفشَّت بشكل غريب بين الشباب، والأغرب انتشارها بين النساء أيضاً، فكنا دائماً نعهد تلك المقاهي لجلوس كبار السن من الرجال فقط، الذين وصلوا لسن معين، وتقاعدوا عن العمل، وأصبح الوقت والوَحدة مملين في حياتهم، ولكن الآن نجد جميع الأعمار وفئات المجتمع العربي بمختلف شرائحه وطبقاته، وبغض النظر عما تحمله أحاديث مرتاديها والجالسين بها من ذم ونميمة، وعدم غض للبصر. وأثبتت بعض الدراسات الحديثة، التي أجريت مؤخرا، ونشرت إحصائياتها في إحدى المجلات الخليجية، حول ازدياد أعداد الأشخاص الذين يرتادون المقاهي يومياً، أنه في مدينة واحدة في إحدى الدول العربية يوجد أعداد كثيرة من المقاهي ذات المستويات المتفاوتة في الأسعار، وأن عدد مرتاديها يومياً يوازي متوسط أعداد مرتادي محطات مترو الأنفاق في إحدى المدن الأوروبية، أي ما يعادل نحو ثلث سكان هذه المدينة، وأن 85% منهم من الشباب، 40% منهم من النساء والفتيات. وللأسف، أن معظمهم من الجنسين يدخنون الشيشة، وهو بالطبع يُعَدّ أمرا مقلقا للغاية على مستقبل الدول العربية والأمة الإسلامية، بل ويعد شبحا مرعبا يعمل على إهدار طاقات شباب الأمة الإسلامية.
أوَلَيسَ الجلوس بالمقاهي على اتساعها، وخارج حدود ذلك المقهى بين الممرات الجانبية والشوارع العمومية، يعد "جلوساً بالطرقات"؟ وغالباً ليس لمن يجلسون هكذا بدٌّ من ذلك الجلوس، أي ليس له أي داعٍ من عمل أو غيره من الأمور الضرورية والمفيدة؟ وهو الأمر المنهي عنه بنص حديث رسولنا الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ. أوَلَيسَ هذا الجلوس ما هو إلا مضيعة لوقت وصحة ومال الإنسان؟! ناهيك عن أسوأ مشهد مشين يمكن أن تراه جلياً فيمن يجلسون في تلك المقاهي، وخاصةً حين ترى النساء يقمن بفعله، (وهو أمر كان لي عنه مقال سابق يَدينه)، ألا وهو التدخين، وبالتحديد تدخين اللعينة التي تسمى "بالشيشة"، هذه العادة الخبيثة، والتي حرمها كبار علماء الدين.
ففي النهاية.. نجد أن أمر "الجلوس في الطرقات" برمته هو أمر غير جائز شرعاً، ويدخل في دائرة الحرام.
كل هذا وأكثر ـ وما خفي كان أعظم ـ، يبدو كفيلاً لأن يجعلنا جميعاً نتَّحد لننادي بصوت عالٍ مطالبين بالحد من هذه الظاهرة السيئة، حتى يصل صوت كل من ينادي بذلك إلى الجهات المعنية والمسؤولة؛ لتقنين تشغيل مثل هذه الأماكن.. ثم يأتي دور كل من اعتاد على ارتيادها ليبدأ بنفسه، ويقف وقفة مع ذاته أمام الله ـ تعالى ـ ليقلع عن تضييع ذلك الوقت الثمين والمال المهدرين على "الجلوس في الطرقات"، ويبدأ ليفكر كيف يستثمر وقته وماله هذا في عمل الخير بدلاً من ضياعه فيما لا يفيد.
استثمر وقتك ومالك لعمل الخير:
1-  أخي.. إن كنت شاباً ممن يجلسون على المقاهي، وحُجَّتك أنك لم تجد عملاً إلى الآن، فأقول لك: أنت لا تأتي بدخل يساعد أسرتك أو أباك على المعيشة، وإلى الآن لست بالشخص المنتج، فعلى الأقل يكفي ما ينفق عليك من نفقات ضرورية، ووفر لمن يتكفل بك في هذه المرحلة النفقات التي تهدر على هذه الجلسات غير المفيدة بالمرة، وقتَهَا تكون قد عملت "خيراً".
2-  حاول عزيزي الشاب أن تقوم باغتنام أوقاتك الفارغة في الدعوة لدين الله تعالى عبر الإنترنت، وحفظ القرآن الكريم، والتوسع في القراءة والدراسة في علوم الدين والدنيا، ومساعدة الغير، حاول أن تكون عضواً فعالا في إحدى المؤسسات الخيرية بدون مقابل أو بأجر رمزي، فهي بالتأكيد بحاجة لطاقة الشباب لتوسيع دائرة أنشطتها، كما تستطيع أن تساعد مجموعة من الطلبة الفقراء بدروس تقوية في مناهجهم الدراسية في مختلف المراحل التعليمية لهم، وهذا يمكن أن يكون بالاشتراك مع مجموعة من أصدقائك في نفس ظروفك، وكل منكم يشارك بتخصصه الدراسي في التعليم الجامعي الذي كان يلتحق به.. أعتقد أن كل هذه المشاركات منك في مجتمعك هي أفضل بكثير من مجالس الطرقات والمقاهي، التي لم و لن تجدي مهما طالت أو قصرت مدتها مع أصدقاء ربما هم أصدقاء السوء والصحبة غير الصالحة.
3-   أما إذا كنت شاباً ممن رزقهم الله تعالى بعمل، فاحمَد الله عليه، ولا تبذر المال الذي تشقى بسببه على الجلوس في هذه المقاهي التي تهدر صحتك في السهر عليها، فجسدك يحتاج للراحة حتى تستطيع أن تؤدي واجبك على أكمل وجه في عملك المكلف به، ومن توفير النفقات عليها تستطيع مساعدة أسرة محتاجة شهرياً من راتبك.
4-  أما إذا كنت من الرجال كبار السن، المتقاعدين أو الذين لا يقدرون على العمل، ويشعرون بالملل والوحدة، فإليك كلمة متواضعة أبي الفاضل: يمكنك أن تصاحب كلمات الله من قرآن وتسابيح وذكر، وبعدها يمكنك أن تستضيف بعض أطفال العائلة والجيران، وتقوم بتحفيظهم القرآن الكريم، وتفسيره لهم، وأن تقص عليهم قصصه الرائعة، ويا حبذا لو اصطحبت هؤلاء الأطفال في زيارات متعددة ودورية لدور الأيتام؛ لتربيتهم على روح التعاون، ورقة القلب، وقتها تكون شاركت في تربية جيل جديد على المشاركة في الأعمال الخيرية.
5-   أما أختي الكريمة، التي كرمها الله ـ تعالى ـ بالإسلام، وفي كتابه الكريم والسنة النبوية الشريفة، فلا تشوهي هذا التكريم وتطرحيه أرضاً بذلك المنظر المسىء لك ولدينك، بالجلوس بتلك المقاهي وممارسة عادة التدخين السيئة، ويمكنك أن تَقَرِّي في بيتك، وأن تقومي بعمل الخير من قلب بيتك، فإن كانت لك ذمة مالية خاصة تستطيعين التبرع منها، فأمامك العديد من المستشفيات ودور الأيتام لتحويلات مالية من رصيدك إلى حسابها، والمشاركات الخيرية العديدة من خلال بيتك أيضاً، كأن تخصصي وقتا مفيدا لتعليم بعض الفتيات بعض الأعمال اليدوية المنتجة بأجور رمزية، على أن يكون العائد منها ـ بعد بيعها ـ  مخصصا للإنفاق على الأسر الفقيرة، أو التبرع بها لأي من الجهات المحتاجة للمعونة، أو أن تنزلي إلى ساحات المجتمع الخيري بخطوات فعالة للمشاركة فيه.
6-   جميل أن نحول نشاط أكبر المقاهي في منطقة معينة إلى نادٍ اجتماعي، يشارك الأفكار به كل أبناء هذه المنطقة للنهوض بمنطقتهم ثقافياً ودينياً وتربوياً، ونظافة وتجميل، وحل الخلافات والنزاعات الشخصية فيما بينهم، على أن تُوْضَع شروط ملائمة لذلك المكان، أولها منع كل أنواع التدخين به، مع عمل صندوق خيري فيه لمساعدة المحتاجين أو المتعسرين مادياً من أبناء هذه المنطقة.
ليتنا إخواني نلتزم بكل الآداب التي حثنا عليها رسولنا الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كل مناحي حياتنا؛ لأننا نقتدي بأعظم رجل عرفته البشرية، الذي كان "خلقه القرآن"، وقتها ـ وبالتأكيد ـ سنكون أعظم أمة بين الأمم والمجتمعات…
      وكما قال أمير الشعراء (أحمد شوقي):
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت       فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا