الفاعلية وأثرها في العمل التطوعي

الناظر المتأمل للقرآن الكريم يجد أن الإسلام حرص على بناء الشخصية المسلمة المتفاعلة مع كل ما حولها ومن حولها،

أرشيفية

ولم يفرض عليها عزلة اختيارية أو إقامة جبرية بعيدا عن حركة الحياة ومتطلباتها، وانفصالا عن متطلبات الإنسان الفطرية التي جبله الله عليها.

     لهذا أنكر القرآن الكريم على أهل الكتاب لما ابتدعوا في دين الله ما لم يأذن به الله، وألزموا أنفسهم رهبانية ما كتبها الله عليهم: " ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ". وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ يَقُولُ: ( لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ، وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ .
      من أجل هذا حفز الإسلام المسلم على المشاركة الإيجابية في المجتمع، وأن يكون ذا فاعلية عالية تمكنه من تحقيق أهدافه بمزيد من الصبر والمثابرة، فالفاعلية تعني بلوغ أعلى درجات الإنجاز، وتحقيق أفضل النتائج. ويوصف القادة بالفاعلية عندما تكون المخرجات أكثر وأجود من المدخلات. واتبع الإسلام وسائل عدة من أجل بث روح الفاعلية في نفوس المسلمين، منها:
1.     إيضاح الغاية الكبرى من خلق الإنسان: يقول الله تعالى: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين". فالإنسان موجود لغاية عبادة الخالق، والعبادة – كما يقول ابن تيمية – رحمه الله –:" اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة". وهذا التفسير من شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ يوسع دائرة العبادة، ولا يجعلها محصورة في أداء الفرائض وفقط، كما يظن كثير من المسلمين، بل إنه يمتد ليشمل كل فعل محمود، وكل قول سديد، وهذا ما يدفع المسلم إلى مزيد من الفاعلية؛ لعلمه أنه في عبادة موصولة لله تعالى، ويستعذب ما يلاقيه من تعب العمل التطوعي ومشقته؛ لأنه – حينئذ – يعمل من أجل تحقيق الغاية الكبرى التي من أجلها خلق، فهو يسعى بمراد الله لتحقيق مراد الله.
2.     التنبيه على أن الحياة الدنيا ليست نهاية المطاف: بل هى مرحلة من مراحل ثلاث سينزل بها العبد، وهي: الحياة الدنيا، والحياة البرزخية، والحياة الأخروية. والأولى ليست إلا مسافة زمنية يقطعها العبد في سيره إلى ربه ومولاه، شبهها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمن يستظل بظل شجرة ثم يتركها، فعن عبد الله بن مسعود –  رضي الله تعالى عنه – قال: نام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على حصير، فقام وقد أثَّر في جَنْبه، فقلنا: يا رسول الله! لو اتخذنا لك وِطاء. فقال: " ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها". رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما، وقال الترمذي:" هذا حديث حسن صحيح". ومن هنا فقد لفت الإسلام نظر المسلم إلى العمل لما بعد الممات: " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ". وما من عمل أحب إلى الله تعالى يتزود به المرء من خدمة الناس، والسعي في قضاء حوائجهم، والسهر على شؤونهم، ومداواة مرضاهم، وإطعام جائعهم، وستر عاريهم، وإيواء شريدهم؛ فقد أخرج الطبراني في الكبير وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:" أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله ـ عز وجل ـ سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أوتقضي عنه ديناً، أوتطرد عنه جوعاً. ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً. ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظاً، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل". والحديث حسنه الألباني – رحمه الله -. و هذا التوجيه النبوى الرائع يدعو الإنسان لأن يخرج من محيطه الضيق إلى التفاعل مع الحياة، ويرشد الإنسان إلى ضرورة العمل التطوعي الذي جعله من أحب الأعمال إلى الله.
3.     تعظيم مفهوم الإيجابية لدى المسلم: وهي الأثر المباشر للفاعلية، فالمرء المتفاعل مع من حوله يسهم في الاهتمام بشؤونهم، وليس أدل من حرص الإنسان على بث الإيجابية في وجدان ووعي المسلم من حديث أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها". فنحن أمام مشهد النهاية، ولن تجد هذه الفسيلة طريقها إلى النمو والترعرع، ولكنها الإيجابية التي يربي عليها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أصحابه والأمة من بعده، فإذا كنا مطالبين بالإيجابية في ذلك المشهد المهول، الذي تشيب له الولدان، فما بالنا والحياة فيها متسع لكل عمل صالح يقربنا من المجتمع وهمومه وآلامه، والله تعالى يقول: " والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ". يقول الشيخ صالح الفوزان: " أقسم اللهُ بالعصرِ، الذي هو الوقتُ الذي يعيشُ فيه الإنسانُ في هذه الحياةِ، وللهِ تعالى أنْ يُقسِمَ بما شاء مِن مخلوقاتِه، أما المخلوقُ؛ فلا يجوزُ له أن يُقسِمَ إلا باللهِ تعالى؛ لأن ذلك شِركٌ. واللهُ تعالى لا يُقسمُ بشيءٍ إلا وفيه سِرٌّ عظيمٌ، وحكمةٌ بالغةٌ؛ مِن أجلِ أن يُلفِتَ الأنظارَ إليه؛ إمَّا للاعتبارِ أو للاستفادةِ منه. وهو هنا أقسمَ بالعصرِ، الذي هو الزمانُ، بما فيه مِنَ العِبرِ، مِن تَقلُّبِ الليلِ والنهارِ، وبما فيه مِنَ الحوادثِ والعِبَرِ والمتغيِّراتِ والمتضادَّاتِ، وما فيه مِنَ الفائدةِ العظيمةِ للإنسانِ إذا أحسَنَ استغلالَه فيما يَنفَعُهُ ويُفيدُه. أقسم بذلك على أنَّ كلَّ إنسانٍ في خسارةٍ وهلاكٍ في الدنيا والآخرةِ، إلا مَنِ استغلَّ هذا الوقتَ بأربعةِ أشياء: الإيمانِ، والعملِ الصالحِ، والتواصي بالحقِّ، والتواصي بالصبرِ". والعمل الصالح مجال مفتوح أمام الخلائق لمزيد من الإبداع والخير في مضارب البر والإحسان.
4.     دفع الإسلام المسلم لمزيد من الفاعلية عبر التركيز على ديمومة ثواب العمل الصالح حتى بعد الممات: فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". رواه مسلم. والصدقة الجارية هنا حث للمسلم على التفاعل مع الفقراء والمحتاجين، عملا لما بعد الموت، يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله تعالى ـ: " يعني ينقطع عمله الذي يجري عليه بعد الموت إلا من هذه الثلاث: (صدقة جارية(  قد وقف لها هو، وقف مسجد يصلى فيه، أو عمارة تؤجر ويتصدق بأجرتها، أو أرضٍ زراعية يتصدق بما يحصل منها، أو ما أشبه ذلك. فهذه صدقة جارية يجري عليه أجرها بعد وفاته، ما دامت تنتفع بها الناس". فهذا الثواب المتصل الدائم يدفع المسلم إلى مزيد من الفاعلية في المجتمع.
     ومن هنا، فإن تعظيم روح الفاعلية في المجتمع تدفعه إلى المشاركة الإيجابية في الأعمال التطوعية التي تخرج الإنسان من حيز ذاته الضيق إلى رحابة الاهتمام بـ " الآخر "، وهذا هو جوهر التطوع الأصيل.
المصدر: موقع مداد