التكامل بين الدولة والمجتمع سبب الحفاظ على حيويته

 

أرشيفية

ما أن يبرز الحديث عن العلاقة بين الدولة والمجتمع إلا وتشعر أن ثمة صراع قائم بين المفهومين. وأن العلاقة بينهما لا تستقيم إلا بمحاولة سيطرة كل طرف على الآخر وتطويعه لصالحه ودائما أبدا ما أن تخرج الأمور عن دائرة الوسطية إلا وتستجلب التطرف والغلو فالمجتمع الذى يعلو فوق سلطة الدولة وسلطانها ينذر بشيوع حالة من الفوضى والارتباك كما أن الدولة التى تتغول على حساب المجتمع تصيبه بنوع من الجمود وعدم القدرة على الابتكار والإبداع وقد يؤدى إلى عجز الدولة عن الوفاء بمتطلبات المجتمع واحتياجاته خاصة فى مجال العمل الخيري والتنموي.
 
وظيفة الدولة فى الإسلام
ظل الإسلام يحتفظ بقصب السبق من حيث النظر إلى طبيعة الدولة قبل أن يهتدى إليها العقل الأوروبى مع بدايات عصر النهضة فى القرن السابع عشر الميلادى وما تلاها والذى ظل لعقود طويلة يقسم المجتمع إلى طبقة العبيد وهم الأغلبية والسادة الذين تملكوا الإنسان وتحكموا فيه وصادروا حريته من خلال إقطاعيات متناثرة لم تعرف طريق الدولة القومية الموحدة إلا فى وقت متأخر أما الإسلام فقد نظر إلى الدولة ككيان اعتبارى منوط به تنفيذ العديد من المهام والتى يرى د./ حامد عبد الماجد قويسى فى كتابه ( الوظيفة العقيدية للدولة الإسلامية ) أنه تنقسم إلى وظيفتين أساسيتين:
–   الوظيفة الاستخلافية، وتدور حول تحقيق العمران والعدل، والوظيفة العقيدية وتتعلق بأبعاد ثلاثة: الالتزام بالعقيدة وحمايتها من التحريف، وتأسيس المجتمع العقيدي، ونشر الدعوة في الخارج.
–   الوظيفة العقيدية:
ومضمون "الوظيفة العقيدية" يمثل قيمة "التوحيد"، وهي القيمة العليا في بناء القيم الإسلامية، وتحتوي على جوانب ثلاثة رئيسية يؤدي بعضها إلى البعض الآخر:
الأول: حماية العقيدة، وتعني الالتزام بها، بقبول الاحتكام إلى الله ورسوله؛ فالحاكمية لله، والقانون الأساسي للدولة هو الشريعة الإلهية، بقدر ما تعني رفض هيمنة كافة العقائد الأخرى، ورفض الانحراف عنها، وتعميق الالتزام بها.
وفي هذا الإطار فإن الكافر تتم دعوته إلى الإسلام، أما الأقلية الدينية فإنها تشارك في وظائف الدولة المختلفة ما دام الكتابي يجوز الكفاءة، إلا ما اتصل بالإسلام وممارسة وظيفته العقيدية.
الثاني: بناء الكيان العقيدي، أي المجتمع الملتزم بالعقيدة، بحيث تحكم حركته ثلاث حقائق وهي: الإيمان بالله الذي يفتح الآفاق الحياتية أمام المجتمع، والإيمان بالرسالات السماوية الذي يقدم له خطة وبرنامج حياة، والإيمان بالآخرة الذي يجعل للحياة هدفها، يمكنها أن تسعى من أجله.
ويقوم هذا المجتمع على مبدأين هما: الولاء للمؤمنين، والبراء من المشركين، ويضم أصنافًا من البشر، وهم: نموذج المتقين وهم المكون الأساسي له، ونموذج الكافرين وعليهم الخضوع لسلطان الإسلام، ونموذج المنافقين الذين يعلنون الإيمان من أجل الحصول على ثقة الناس، ونموذج أهل الكتاب حيث يقبل المجتمع العقيدي التعدد الفكري ويعترف به.
الثالث: التعامل الخارجي من منطلق نشر الدعوة، فيفترض التعامل الخارجي السليم وجود رؤية ذات أسس واضحة، وهي أن الدولة الإسلامية تعتبر الإنسانية أسرة واحدة متلاحمة، وأن العقيدة الإسلامية هي رسالة عامة موجهة للكافة، والبشرية نوعان أمة (رسالة)، وأمة (دعوة).
كما يرتكز على أساسيات في التعامل، مثل: أن الاتصال هو محور التعامل الخارجي، فيتم دعوة الدول الأخرى إلى قبول الدعوة أو دفع الجزية، ثم قتالها دون غرة، أو دون إعلام، والحوار هو الأساس الصالح عند ممارسة الجهاد، بحيث تجعله الدولة الإسلامية حقيقة فكرية، وتعاليم أخلاقية، وتكون قيم السلوك مطلقة وغير مزدوجة، ويتم الاتصال مع القيادات الحاكمة لدعوتها.
هذا الدور الذى يقدمه " قويسى " لدور الدولة هو ما يمكن أن نلخصه فى مفهومين حديثين وهما الحفاظ على مقومات الأمن القومى ، والسياسة الخارجية .
ولا نلاحظ هنا تقاطعا أو تجاذبا بين دور الدولة ودور المجتمع حتى يمكننا القول أن ثمت صراعا بين الطرفين من الممكن أن ينشأ على خلفيات فكرية أو تأصيلية .
 
طبيعة المجتمع وفق الرؤية الإسلامية
 ينظر الإسلام إلى المجتمع باعتباره قوة ناهضة حيوية تستطيع أن تملأ الفراغ الذى لا تتمكن الدولة من التحرك فيه نظرا لجسامة المهام الملقاة على عاتقها وأهمها الحفاظ على الأمن القومى ورسم السياسة الخارجية ، لذا وقع الخلل فى العصر الحديث عندما أرادت الدولة أن تتحرك على كل الاتجاهات وتحتكر الأنشطة كافة سواء الرسمية منها أو التطوعية ولكنها لم تستطع بطبيعة الحال فأثر ذلك على النشاط التطوعى للأفراد مما أدى إلى حالة من الخمول المجتمعى استمرت لسنوات طويلة قبل أن تعود للاستفاقة فى العقود الأخيرة خاصة بعد ثورة الاتصالات وتقريب المسافات وإذا ما ألقينا نظرة على طبيعة المجتمعات الإسلامية قديما فإننا نلاحظ الآتى:
·        أولاً: لم يكن تقسيم المجتمع الإسلامى نابعا من طبقتى السادة والعبيد التى استولت على بناء المجتمعات الأوروبية لفترة طويلة ولكنه اعتمد التوزيع الحرفى بدرجة كبيرة فكان أصحاب كل حرفة أو مهنة يتجمعون سويا فى مكان واحد بعد اختيار أحدهم ( الأقدم فى الغالب ) ليمثلهم ويعبر عن مطالبهم بل ويعتمد المنضمين الجدد للحرفة وهو بناء أشبه بالنقابات المهنية والعمالية الموجودة الآن ، كما حظيت طبقة التجار بوضعية متميزة ( رجال الأعمال اليوم ) مكنتهم من التواجد الدائم لدى السلطة عند حدوث أى مشكلة فى المجتمع . أيضا لا يمكننا أن ننسى الدور الاجتماعى لهذه التجمعات الحرفية والمهنية فى تحقيق التكافل الاجتماعى الداخلى .
·        ثانيا: لعب العلماء دور الوسيط فى أغلب الأحوال بين المجتمعات والحكام لما تمتعوا به من مكانة متميزة مكنتهم من أداء هذا الدور والتدخل لدى الحكام لرد المظالم واستيفاء الحقوق بل والدفاع عن الأمة عند وقوع المصائب والملمات العظيمة.
·       ثالثاً: أيضا لعبت التجمعات القبلية والعشائرية دورا فى الحركة المجتمعية ففى مصر على سبيل المثال لعبت نقابة الأشراف دورا تاريخيا مهما فى التعبير عن رغبات الشعب وآماله كما حدث عقب خروج الاحتلال الفرنسى من مصر (1798- 1801) من اضطرابات واسعة النطاق بسبب ظلم الوالى التركى خورشيد باشا لعموم الشعب المصرى مما أدى إلى ثورة كبيرة قادها الشيخ / عمر مكرم نقيب الأشراف آنذاك بل وتولى اختيار الحاكم بعد ذلك
·     رابعاً: لم تكن الدولة آنذاك متدخلة فى الأنشطة الاجتماعية والخيرية بل تركت مساحات واسعة وشاسعة لحركة المجتمع فكان التعليم فى معظمه جهدا أهليا بحتاً كما لعب الجهد الخيرى التطوعى دورا لا ينكر فى بناء المستشفيات (البيمارستان) ورعاية الفقراء من خلال إعادة توزيع الزكاة والصدقات والحث على الوقف الخيرى وإدارته ورعايته بل وامتد العمل الخيرى إلى مساعدة الدولة فى إعداد الجيوش وجمع الأموال لبناء الحصون وتحصين الثغور..إلخ.
هذا التكامل بين الدولة والمجتمع أدى إلى الحفاظ على حيوية المجتمع ويقظته مما مكنه من القيام بمهمة الدولة حال تعرضها للسقوط والاهتزاز كما حدث أثناء الحملات الصليبية التى تمكنت من الاستيلاء على ممالك ودويلات إسلامية ولكنها لم تتمكن من إسقاط المجتمع الذى صمد أمام فتنة الانبهار بالغازى المعتدى مما مكنه من العودة سريعا ولعل الجهد الذى قام به العلماء المربون المنتسبون إلى مدرسة الجيلانى يحتاج إلى حديث منفرد.
والخلاصة أن العلاقة التكاملية بين الدولة كسلطة حاكمة والمجتمع كقوة حيوية يحتاج إلى مزيد من الضبط بحيث تبقى الدولة بسلطتها وهيئاتها الحاكمة والمجتمع بحيويته ونشاطه فى إطار تكاملى يدفع مسيرة الوطن بأكمله للأمام.
المصدر: موقع مداد