العمل الأهلي ومكافحة الجرائم الأخلاقية

تعبيرية

قديما أطلق العرب مثالهم الأشهر "تموت الحرة ولا تأكل بثدييها"، فلم يكن العربي قديما يتصور أن تتاجر المرأة بجسدها من أجل الطعام والشراب؛ فليس هذا من فعل الحرائر اللاتي  يخترن الموت جوعاً على أن تبيع شرفها وتلوث عرضها، وتحكم على نفسها بالموت حتى وإن بقت على قيد الحياة.
والملاحظ أن هذا النوع من الجرائم يدخل في دائرة المسكوت عنه؛ فلا تُعلم ـ حتى الآن ـ معلومات تفصيلية عن أعداد النساء اللاتي انخرطن في مثل هذا النوع من الجرائم، كما أن كثيرا من الحكومات لم تقم بدورها المطلوب منها في توفير الرعاية اللاحقة لهن؛ من أجل ضمان عدم العودة مرة أخرى، بل إن ضغوطاً هائلة تمارس عليهن من صغار الضباط للعودة إلى ممارسة البغاء ثانية من أجل توفير مصدر معلومات يضمن ترقية سريعة لمثل هذا الضابط؟!!
هذه المأساة الإنسانية ما زالت المجتمعات الإسلامية والعربية تتعامل معها تعاملاً أمنيا في المقام الأول، ولم نلحظ دورا فعليا للمجتمع الأهلي لمكافحة هذا النوع من الجرائم الذي يدين المجتمع بأسره وليس المتلبس فقط، خاصة وأن هناك شريحة جديدة بدأت تعرف طريقها صوب هذا النوع من الجرائم الأخلاقية، وهي شريحة أطفال الشوارع؛ فقد أشار تقرير للخارجية الأمريكية إلى أن هناك مليون طفل مصري يعملون بالدعارة والتسول، وأضاف تقرير منظمة الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز، الصادر في مارس 2008، أن أكثر من 42% من المصريين المصابين بالإيدز اعترفوا بتورطهم في تجارة الجنس.
كما أصدرت الحكومة المصرية نتائج مسح أجرته في عام 2009 تفيد بأن نصف بنات الشوارع في مصر يمارسن الجنس، وأن نسبة 45 بالمائة منهن يتعرضن للاغتصاب، وكشف تقرير آخر لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن 79% من حالات الاتجار بالبشر تتم للاستغلال الجنسي، وأن 60% من مجموع الإدانات تخص الإناث، و20% من ضحايا الاتجار أطفال، بالإضافة إلى ظهور صيحة جديدة في عالم الدعارة، وهي خدمة "الدليفري"، وذلك لتوصيل بائعات الهوى لمنازل الزبائن راغبي المتعة، مقابل أجر يبلغ 300 جنيها مصريا (حوالى 50 دولارا)، أيضا انتشر ما يعرف بظاهرة الدعارة التلفزيونية، والمعروفة باسم "أفلام البورنو"؛ والتي تصور في الشقق المفروشة، وتباع بأسعار باهظة، وأبطالها في الغالب من الناس العاديين.
كما أن سوريا سجلت في الأعوام الماضية استغلالاً جنسياً سيئاً للأطفال دون التمكن من النفاذ إلى الأرقام الحقيقية والفعلية لحجم المأساة؛ نظرا لحالة التعتيم التي تفرضها الأسر على مثل هذا النوع من الجرائم.
كما أن الفهم الخاطىء لصناعة السياحة أدى إلى تحولها إلى مصدر من مصادر البغاء في البلاد العربية، سواء عن طريق استجلاب الفتيات الأجنبيات للعمل بالدعارة في البلدان العربية، تحت مسميات وظيفية أخرى، أو عن طريق توفير الفتيات لممارسة الدعارة مع الوافدين للتجول والسياحة.
فنحن هنا أمام مأساة إنسانية وأخلاقية يندى لها الجبين، لم تعد تقتصر على حالة انحراف أحادية الجانب، بل هي جريمة منظمة تتخطى الحدود الإقليمية لكل بلد عن طريق شبكات إقليمية ودولية للاتجار بالمرأة والطفل، في مسألة إنسانية ظننا أنها ولّت بانتهاء عصر العبيد وإلغاء الرق.
ومن هنا فإن المجتمع الأهلي لا ينبغي أن يتوقف أمام مرحلة الإدانة وفقط، اعتمادا على الحل الأمني وفقط، الذي أثبتت الأيام والتجارب أنه لم يكن ناجعاً بقدر ما كان حلاً وقتياً.
لذا؛ فإنه ينبغي البدء بتفعيل دور المجتمع الأهلي عبر العديد من الخطوات، منها:
 
أولاً:إصلاح المنظومة القانونية
فالمجتمع الأهلي شريك أساسي في صياغة القوانين التي تعبر عن حاجة المجتمع إلى رادع تجاه خطر معين.. والواقع أن القوانين المعمول بها في هذا الشأن في معظم الدول العربية (إذا ما استثنينا المملكة العربية السعودية التي تطبق أحكام الإسلام وحدوده) لم تعد كافية في مواجهة هذا التغول الانحطاطي المنظم، فجريمة الزنا التي تتم برضا الطرفين، بعد تجاوز السن القانونية، لا تعد جريمة، كما أن جرائم الدعارة دائما ما تصنف على كونها "جنحة" وليست "جناية"؛ مما يؤدي إلى إيقاع عقوبات مخففة في نهاية المطاف، بل إن شبكات الدعارة لجأت إلى حيلة للإفلات القانوني حال الضبط، وهى تحرير عقود زواج  للفتيات؛ إذ إن القانون الوضعي يجعل تحريك دعوى الزنا في حق المتزوجة حقاً أصيلاً للزوج وفقط، وهو الذي يملك منع إقامتها، وهذا عوار واضح؛ إذ إن هذه الجرائم نظر إليها الشارع الحكيم على أنها من حقوق الله وحقوق المجتمع، التي لا يملك أي طرف وقف الدعوى فيها؛ نظراً للمفاسد العظيمة التي تترتب على انتشارها مجتمعيا وأسرياً.
لذا؛ يجب أن يضغط المجتمع الأهلي بجمعياته ومؤسساته من أجل إصلاح هذا الخلل الكبير، من أجل تأسيس منظومة عقابية رادعة.. ومهما بحثنا فلن نجد أصدق من الله حديثاً ـ سبحانه وتعالى ـ.
 
ثانياً: مكافحة التحلل الأسري
فقد أشارت معظم الإحصائيات الخاصة بالانحراف الجنسي إلى أن للتفكك والتحلل الأسري دورا في التوجه للانحراف؛ إذ تبقى الأسرة هي "المحضن" الطبيعي للفتاة، ويلعب التفكك دورا في انهيارها على المستوى النفسي، وبالتالي ومحاولة البحث عن "محضن" جديد، والذي لن يكون ـ في الغالب ـ سوى الضياع والوقوع في براثن (القوادين) وشبكات الدعارة..
كما أن التحلل الأسري لم يعد مقتصرا ـ فقط ـ على حالات الطلاق بين الزوجين، بل إن نمط الحياة وتحدياتها الاقتصادية فرض على الزوجين الخروج للعمل، مع ما يترتب على ذلك من غياب الدفء الأسري الذي كان يجمع شمل العائلة فيما مضى، ويعمل على حماية الأبناء من الوقوع في براثن الجرائم، خاصة الأخلاقية منها.
لذا؛ فإنه من الواجب التوسع في إنشاء الجمعيات التي تعمل على رأب الصدع داخل الأسر التي تشرف على الانهيار، وليس الانتظار حتى يقع الانهيار، ومن ثم البحث عن طرق ووسائل للتدخل.
 
ثالثاً: الاهتمام بالرعاية اللاحقة
فكثيرا من النساء اللاتي ابتلين بهذا الصنف من الجرائم ما خرجن من بيوتهم إلا بسبب الجوع والفقر، وهو ما ينبغي أن يتوجه إليه العمل الخيري، من خلال العمل على إعادة دمجهن في المجتمع، عن طريق توفير مهنة شريفة يقتتن منها، وتوفير الدور اللائقة لإقامتهن، والعمل على إعادة تأهيلهن نفسيا وتربوياً وأخلاقياً، وهنا يأتي دور الداعيات والمربيات.. ومن الواجب هنا أن نذكِّر بالتجربة الرائدة التي قام بها رجب طيب أردوغان ـ رئيس الوزراء التركي ـ أثناء فترة توليه رئاسة بلدية أسطنبول، حيث تمكن من تحجيم تجارة البغاء، وصياغة برنامج نفسي وتأهيلي لصالح الفتيات اللاتي انجرفن إلى هذا المستنقع.
كل هذا لن يكون إلا بتطور نظرتنا إلى العمل الخيري ومنافذه، وأنه ليس مقصورا على توزيع الصدقات وفقط، بقدر ما هو ضارب في كل مجالات الخير، ومحاولة إصلاح الفساد الذي ضرب مناحي حياتنا، ويحتاج منا إلى كل إبداع وابتكار، وأن نشرك المجتمع كفاعل أساسي وأصيل في مقاومة مثل هذا النوع من الجرائم، بدلا من الاعتماد على الحل الأمني فقط؛ لأننا جميعا شركاء في المسؤولية.
المصدر: موقع مداد