مشكلة اللاجئين السوريين..الأبعاد الإنسانية والسياسية

لاجئون سوريون يتلقون مساعدات إغاثية- أرشيفية

برغم مأساوية وضع اللاجئين السوريين ومعاناتهم المتفاقمة داخل سوريا وخارجها؛ بفعل الصراع المحتدم الذي تشهده البلاد منذ أكثر من ثمانية عشر شهرًا، فإن هذا الوضع الإنساني لم يلقَ الاهتمام الواجب من المجتمع الدولي، سواء على الصعيد الإعلامي أو الصعيد الإغاثي؛ فمسلسل القتل اليومي لا يتوقف في مختلف المدن السورية، وعدد الضحايا يتزايد يومًا بعد آخر؛ حتى بلغ أكثر من 20 ألف قتيل غير الجرحى والمصابين، وموجات النـزوح داخليًا وخارجيًا مستمرة بمعدلات متزايدة؛ نتيجة العنف والقمع اللذين يتعرض لهما المعارضون للنظام السوري، إلى أن وصل إلى حد قيام الجيش النظامي بقصف أحياء المدن والبلدات بالطائرات والدبابات؛ وأدت إطالة أمد الأزمة السورية من دون وجود حل قريب لها في الأفق، إلى تحول هذه الأزمة المحلية ذات البدايات السلمية، إلى انتفاضة مسلحة تفيض بتداعياتها خارج الحدود.
ولنتذكر أن لسوريا حدودًا مشتركة طويلة، مع ثلاث دول عربية: (الأردن والعراق ولبنان)، إضافة إلى تركيا و"إسرائيل".
وكلما تدهور الوضع الأمني داخل سوريا، تأزمت الأمور وازدادت المخاطر والأعباء في دول الجوار، التي يهرب إليها اللاجئون؛ بحثًا عن مكان آمن. وقد اتضح ذلك جليًا في الفترة الأخيرة التي تصاعدت فيها حدة المواجهات؛ حيث ترتب على ذلك تزايد أعداد النازحين والمهجرين داخل سوريا وخارجها بوتيرة متسارعة، وتفاقمت أوضاعهم الإنسانية؛ فعلى سبيل المثال، أشارت وزارة الخارجية الأمريكية في بيان لها مؤخرًا إلى فرار أكثر من 100 ألف لاجئ سوري إلى الدول المجاورة خلال شهر أغسطس الماضي وحده، بينما قدر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، عدد النازحين داخل سوريا بنحو 1.2 مليون سوري، على حين شهدت دول الجوار إجمالاً، تدفق نحو ربع مليون لاجئ سوري حتى الآن؛ وهو ما حمّل هذه الدول أعباء إنسانية واجتماعية واقتصادية وأمنية طارئة، تفوق قدراتها على الاستيعاب والتحمل؛ الأمر الذي دعا بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، إلى توجيه نداء للتضامن الدولي لمساعدة اللاجئين السوريين.
وقال: "إن البلدان المجاورة التي فتحت حدودها لاستقبال لاجئين سوريين بسخاء، في حاجة ماسة إلى مساعدة"، وأضاف: أن "الوضع الإنساني خطير ويتدهور، سواء في سوريا أو في البلدان المجاورة التي تتأثر بالأزمة"، وأوضح أن "الحاجات الأشد إلحاحًا، هي المياه والمرافق الصحية والملاجئ وأشياء ضرورية؛ مثل: الأغطية ومستلزمات النظافة، وكذلك المساعدات الطبية العاجلة".
ففي داخل سوريا؛ أدى استمرار احتدام الصراع المسلح بين النظام وفصائل المعارضة، إلى قطع الإمدادات الغذائية ووسائل الرعاية الاجتماعية والصحية عن المدنيين، وأشارت مصادر أممية إلى وجود نحو 2.5 من ملايين الأشخاص في سوريا، يعانون تبعات الصراع الحالي، وهم في أمس الحاجة إلى المساعدات العاجلة بكل أنواعها.
وعلى المستوى الإقليمي، بدأت تركيا ودول الجوار العربية، تعاني صعوبة إدارة عملية استقبال اللاجئين السوريين؛ نتيجة تزايد أعدادهم وصعوبة إيوائهم؛ ففي الأردن، بدأت السلطات الحكومية تواجه صعوبات في التعامل إزاء المتغيرات المتسارعة على الحدود المشتركة مع سوريا، وهي التي تزيد على 350 كلم؛ نتيجة الارتفاع المتزايد في أعداد اللاجئين السوريين الذين وصل عددهم؛ وفقًا لتقدير رئيس الوزراء الأردني، إلى نحو 200 ألف لاجئ، في وقت يتراجع فيه حجم المساعدات المالية المقدمة من المانحين. ويقدر الأردن، أنه في حاجة إلى 700 مليون دولار؛ لتلبية الاحتياجات الضرورية لهؤلاء اللاجئين، وهي التي أصبحت تفوق قدراته.
ويعاني أغلب اللاجئين السوريين في الأردن، أوضاعًا حياتية صعبة؛ لوجود معظمهم في مناطق صحراوية قاسية مناخيًا، والافتقار إلى كثير من الخدمات الضرورية والأساسية، بالرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها المملكة؛ لتحسين أوضاع هؤلاء اللاجئين، بدعم ومساعدة من دول خليجية ومنظمات دولية.
أما لبنان، فلم تسلم ساحته المفتوحة للصراعات الإقليمية، من تداعيات الأزمة السورية؛ نتيجة تورط قوى سياسية لبنانية في هذه الأزمة؛ بسبب تفاعلها وما يحدث في المحيط المباشر لها، والارتباط العضوي والاجتماعي بين شعبي البلدين، ووجود قوى سياسية تتعاطف والنظام السوري وأخرى معارضة له؛ ما أدى إلى حدوث مواجهات مسلحة بين هذه القوى في مناطق لبنانية عدة، ولاسيما في طرابلس، فضلاً عن تعرض بعض المناطق اللبنانية الأخرى للقصف من داخل الحدود السورية؛ نجم عنه سقوط قتلى وجرحى، في إطار محاولة النظام السوري القيام بتصدير أزمته إلى لبنان؛ لتخفيف الضغوط عنه وتوجيه الاهتمامات الدولية نحو لبنان. وفي ظل هذه الأجواء، يستضيف لبنان حوالي 40 ألف لاجئ سوري، وهو رقم كبير، مقارنة إلى قدراته وموارده المحدودة، وتقوم الجمعيات الأهلية هناك بمعظم عمليات الإغاثة.
ويستوعب العراق- وهو الذي تمتد حدوده مع سوريا إلى قرابة 600 كم، ويعاني حالة عدم استقرار داخلي- حوالي 21 ألف لاجئ سوري، معظمهم في محافظتي دهوك (شمالاً) والأنبار (غربًا)، بحسب تصريح وزير الخارجية العراقي.
وفي تركيا -وهي التي تدعم المعارضة السورية، وقد رفعت مستوى دعمها اللوجيستي للجيش السوري الحر، ويفصلها عن سوريا مناطق حدودية طولها أكثر من 800 كلم- لم تتوقف موجات اللاجئين عن عبورها؛ فبلغ عددهم الإجمالي أكثر من 80 ألف لاجئ، وتستعد تركيا لإقامة مزيد من المخيمات؛ لتصبح قدرتها الاستيعابية الإجمالية 120 ألفًا، في وقت يتزايد فيه قلق السكان الأتراك في هذه المناطق، من تزايد وجود اللاجئين فيها.
وقد دفع تدفق اللاجئين السوريين المستمر، السلطات التركية إلى مطالبة مجلس الأمن بالتحرك؛ لتخفيف العبء عنها وحماية المدنيين السوريين، عبر إقامة مناطق عازلة داخل الأراضي السورية، تكون خاضعة لإشراف الأمم المتحدة؛ لحماية النازحين الفارين من أعمال العنف المتواصل داخل سوريا. وقد تردد أن الاقتراح التركي، يتضمن إقامة منطقة حظر جوي، تمتد من الحدود التركية حتى مشارف مدينة حلب. وبرغم أن إقامة "منطقة عازلة" لن توقف القتال، فإنها ستوفر ملاذًا آمنًا وموطئ قدم يمتد 75 ميلاً جنوب الحدود السورية التركية، ويمكن قوات المعارضة أن تستخدمها في تنظيم صفوفها والتقدم تدريجيًا داخل المناطق السورية الأخرى، وهو الأمر الذي يخشاه النظام السوري الذي رفض هذا الاقتراح بشدة.
وبطبيعة الحال، فإن إقامة منطقة حظر جوي شامل، أمر أكثر صعوبة؛ وهذا يعني منع أي تحليق جوي فوق الأراضي السورية؛ ومن ثم فقدان سوريا جانبًا كبيرًا من سيادتها على مجالها الجوي؛ ويعني -كذلك- احتمال الدخول في مواجهة مسلحة شاملة ضد النظام السوري، وهو أمر يصعب -في تقدير وزير الدفاع الفرنسي- القيام به، إلا إذا توافر تحالف دولي قادر على فرض هذا الأمر، وهذا غير متوافر حتى الآن؛ بسبب الخلاف بين الدول الأعضاء في مجلس الأمن، ووجود الفيتو الروسي الصيني في كواليس المشهد، فضلاً عن عدم ميل واشنطن في هذه المرحلة إلى تبني هذه الفكرة؛ بسبب انشغالها بالانتخابات الرئاسية. ولا ترغب تركيا أن تخوض المغامرة وحدها، وأن تتحمل منفردة، تبعات الإقدام على إقامة "منطقة عازلة"، تفتح باب المواجهات الساخنة والواسعة مع النظام السوري.
ونتيجة لما تمثله موجات اللجوء الجماعي؛ على هذا النحو المتصاعد، من أعباء ثقيلة على اقتصاد الدول المستقبلة للاجئين السوريين ومرافقها، وأوضاعها الاجتماعية، وتهديد أمنها الداخلي، فإن المجتمع الدولي مطالب بتقديم دعمه المادي وتأييده المعنوي العاجلين لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمات الإغاثة الإنسانية المعنية؛ كي يتسنى لها القيام بعملها الإنساني الإنقاذي، والتنسيق وحكومات الدول المستضيفة للاجئين، وتقديم كل أوجه الدعم والمساعدة التي تحتاج إليها لمواجهة هذه الأزمة الإنسانية المعقدة والمتصاعدة.
ويمكن هنا، الإشارة إلى الجهد الكبير والمنظم الذي تقوم به دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ للتخفيف من وطأة هذه الأزمة الإنسانية؛ ومن الأمثلة المهمة هنا؛ على سبيل المثال لا الحصر، المستشفى الإماراتي – الأردني الميداني، الذي أنشأته هيئة الهلال الأحمر الإماراتي؛ لتقديم الرعاية الطبية اللازمة إلى اللاجئين السوريين وعلاج جرحاهم، وتوفير الاحتياجات اليومية المعيشية لهم، بتوزيع الطرود الغذائية والدوائية بطريقة دورية، والجسر الجوي الإغاثي الذي دشنته المملكة العربية السعودية؛ لمواجهة تزايد أعداد اللاجئين السوريين النازحين إلى الأراضي التركية.
إن مشكلة اللاجئين السوريين التي تزداد تعقيدًا وتفاقمًا يومًا بعد يوم، تفرض على المجتمع الدولي التحرك بشكل مؤثر وجاد؛ للتعامل وإياها ومنع تفاقمها، ولاسيما أن إيجاد حل للأزمة السورية مازال متعثرًا برغم المبادرات المتكررة؛ بسبب عدم وجود توافق في المصالح بين مختلف القوى الدولية، فضلاً عن أن النظام السوري قرر البقاء في السلطة بأي ثمن.
المصدر: موقع الحملة العالمية لمقاومة العدوان