المواطن العربي باتت أحلامه كبيرة بعد انطلاق ربيعه- أرشيفية
يعتبر العمل التطوعى ركنا أساسياً من أركان المجتمع المدنى الذى يتم فيه فك الارتباط بين الدولة وبين الفضاء المجتمعى لصالح الجهد الأهلى غير المعتمد على الربحية وهذا ما ذهبت إليه الموسوعة العربية حينما عرفت التنظيم فى المجتمع المدنى على أنه : "مجموعات تنظيمية مستقلة ذاتياً والتي تملأ المجال بين الأسرة والدولة في غير ربحية تسعى إلى تحقيق مصالح ومنافع المجتمع ككل، أو بعض فئاته المهمشة، أو لتحقيق مصالح أفرادها ملتزمة بقيم ومعايير الاحترام والتراضي، والإدارة السلمية للاختلافات والتسامح وقبول الرأي الآخر".
ومن هنا فإن العمل التطوعى المنبثق من المجتمع المدنى كان يخضع إذا عمل فى إطار من الشفافية والديمقراطية فإنه يسعى لمعاونة الدولة فى خدمة الفئات المهمشة والفقيرة والتى تحتاج إلى مزيد من الدعم والرعاية ويعجز الجهاز الإدارى الحكومى عن القيام بمهامه فى رعايتهم والقيام على شؤونهم.
ولكن العمل التطوعى تعرض لكثير من الانتكاسات قبل الربيع الحالى والذى أدى إلى غلق المزيد من المؤسسات الخيرية بسبب العديد من الأسباب منها ما يتعلق بطبيعة بعض هذه المؤسسات ومنها ما يتعلق بالدولة السلطوية ذاتها وهو ما يدفعنا إلى محاولة بسط هذه الأسباب تأسيساً لعلاقة متينة بين الطرفين تضمن وصول الرعاية إلى مستحقيها وعدم تضرر المجتمع كله نتيجه تعطله عن ممارسة حقه فى رعاية أبنائه ومن هذه الأسباب:
· أولاً: غياب الشفافية: فقد جنحت بعض مؤسسات العمل التطوعى فى الماضى إلى إخفاء مصادر تمويلها فضلاً عن مصادر إنفاقها كما دخلت فى مسارات غير مستقيمة من حيث توفر بيانات موثوقة لديها يمكن السلطات المحلية من مراجعتها خاصة فى ظل التوترات الأمنية التى اجتاحت المنطقة بأسرها والتى تشابكت فى معظمها بين دول عدة من حيث التمويل والتدريب ودخلت "بعض" مؤسسات العمل التطوعى كوسيط من أجل تمرير هذه الصفقات من خلال التمويل المالى وحسب ما قالته خلود العميان (فوربس الشرق الأوسط 5/9/2011) فإن:
" 54 جمعية خيرية على قائمة (الجمعيات الخيرية الأكثر شفافية في العالم العربي)، هي التي سمحت بالكشف عن بياناتها المالية لآخر 3 سنوات، ولم تستغرقْ وقتا في إرسال تقاريرها السنوية، وكأنها مستعدة لأي مساءلة، هذا الرقم يعبر عن جزئية بسيطة لا تقدر مقارنة مع الآلاف من الجمعيات الخيرية التي تنتشر في كل مكان من عالمنا العربي، لماذا امتنعت بعض الجمعيات الخيرية من تزويدنا بتقاريرها المالية؟ والسؤال الأهم والأخطر، لماذا رفضت بعض الدول والحكومات أيضا تزويدنا بقائمة الجمعيات الخيرية المرخص لها بالعمل في المجال الخيري؛ مثل دولة قطر ومصر. إن بعض الجمعيات الخيرية المرخصة والتي امتنعت عن الكشف عن بياناتها، وسلكت منحى الغموض وضعف الشفافية فور الاستفسار عن قوائمها المالية حرمت نفسها من دخول القائمة، ووضعت نفسها في دائرة الأجواء الضبابية التي أصبحت محيطة ببعض الجمعيات الخيرية في الدول العربية، بسبب عدم وضوح غايات بعضها، وأحيانا تغلغل السياسة في مالها وأعمالها، وارتباط بعضها بشبهات عمليات غسل الأموال، وتمويل الإرهاب. "
هذا العدد الضئيل الذى يتمتع بالموثوقية الأكثر شفافية يجعلنا ندق ناقوس الخطر لننبه الجمعيات الخيرية إلى التأثير السىء الحاصل على مصداقية عملها فى ظل عدم وجود الشفافية المطلوبة خاصة فى هذه الأجواء الملتهبة.
· ثانياً: غياب ثقافة العمل التطوعى: فقد تربت كثير من الشعوب العربية على الاعتماد الكامل على الدولة فى كل شىء ونشأ ما يمكن أن نطلق عليه "النظام الأبوى" فالدولة هى المسؤولة عن التعليم والصحة والتشغيل والرعايات المختلفة فى ظل حرص بعض الأنظمة السابقة على أن يبقى المواطن متعلقاً بأستارها ولا يفارقها ضماناً لولائه وعد خروجه عن طاعتها لذا كان دائماً ما ينظر بشىء من الريبة إلى مؤسسات العمل التطوعى وكان ينظر إليه على أنها خصم من رصيد الدولة وسلطتها وليس تدعيماً لها.
فعلى سبيل المثال كان يوجد فى مصر حتى عام 2004 ما يقرب من 25 ألف جمعية، وهيئة مدنية منها 18ألف جمعية، وما يقرب من 14حزبا سياسياً، و24 نقابة مهنية، و22 نقابة عمالية إضافة إلى منظمات حقوق الإنسان والدفاع عن الحريات..ولكن هذا العدد الكبير لم يستطع فعل شىء ذى قيمة فى مجال العمل الأهلى وخدمة المجتمع المدنى ،لقد جمّد النظام السابق أغلبها ، وحدّ من قدراتها لأنه اعتبرها خصما من رصيده فى ظل التغول الشديد للدولة فى مواجهة العمل الأهلى وقطاعات المجتمع المدنى .
· ثالثاً: الصراعات السياسية: فى ظل الصراعات السياسية التى احتدمت فى السنوات الماضية فى كثير من الدول التى شملها الربيع العربى كان دائماً ما ينظر إلى المؤسسات الخيرية على أنه جزء أصيل للحركات السياسية فى ظل رغبتها فى السيطرة على الشارع والمواطن العادى الذى لابد وأن ينجذب إلى من يقدم له الخدمات والرعاية بجميع أنواعها لذا تابعنا إغلاق كثير من المؤسسات الخيرية على خلفية الصراعات السياسية دون النظر إلى القطاعات التى سيتضرر من وراء هذا الغلق ودون أن تقدم الدولة الرعاية البديلة التى تعوض الفئات المشمولة بالرعاية غياب المؤسسات الاجتماعية والخيرية.
ومن هنا فإن ثورات الربيع العربى تعتبر بداية فصل جديد من العمل التطوعى الخيرى والذى لابد وأن يراعي النقاط السلبية السابقة من حيث توافر الشفافية وعدم الانغماس فى الصراعات السياسية وتقلباتها الحادة ولكن مع مراعاة العديد من النقاط حتى يمكن تأسيس عمل خيرى جاد ومنها:
1. الاهتمام بتمكين "المواطن" من خلال العمل الأهلى التطوعى والذى يجب أن يؤسس لآليات تمكن المواطن من التعاون مع الجهاز الإدارى المحلى فى إدارة مرافق الدولة من خلال التقييم الدائم والمشترك بين المواطن والجهاز الإدارى من أجل الارتقاء بالخدمة المقدمة ومن أجل شعور المواطن بملكيته الحقيقية لكل هذه المرافق.
2. الدول العربية تعانى من إنهاك واضح فى مجال الخدمات التعليمية والصحية والرعاية الاجتماعية، خاصة وأن الدولة المركزية عجزت عن الوفاء بكل هذه الالتزامات مع زيادة السكان لذا يجب أن يركز العمل التطوعى والخيرى على اقتحام هذه المجالات بكل جرأة وشجاعة وعدم الاقتصار على المجالات التقليدية للعمل الخيرى بل لابد من جذب الأموال الخيرية إلى هذه المجالات التى يعتبر إسهام العمل التخيرى فيها ضئيلاً على حساب العمل الربحى.
3. العمل على تفعيل منظومة العمل العربى الخيرى المشترك وألا يقتصر على الحدود القطرية الضيقة فى ظل التفاوت بين الدول العربية فى الدخل القومى وعدد السكان إذ من غير المعقول أن تبث الكنائس التنصيرية قوافلها الخيرية الموجهة إلى مناطق عدة فى الوطن العربى ولا نكاد نجد جهدا موازياً عربياً، فالعمل الخيرى على المستوى الإفريقى له نشاطه الملحوظ ونريد أن ينساح كذلك فى أرجاء الوطن العربى خاصة بعد زوال كثير من العوائق التى وضعتها الأنظمة السابقة أمام مسار العمل العربى المشترك فى مجالات كثيرة وما يهمنا هنا هو المجال الخيرى التطوعى.
لعلى لا أبالغ إذ أقول: إن المواطن العربى باتت أحلامه كبيرة بعد الأحداث الأخيرة والتى ردت إليه كثيراً من اعتباره الإنسانى والقيمى ويبقى أن تتضافر الجهود لإنقاذه من الفقر والعوز فإنهما أشد ما يهلكان الإنسان ويعطلان طاقاته الإبداعية.
المصدر: موقع مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70041
