متطوعون شباب- أرشيفية
الشباب هم رجال المستقبل، الذين يتطلع إليهم كل مجتمع، وهم الطاقة المتجددة في أي مجتمع، وهم يمثلون الجانب الحيوي ـ بكل تأكيد ـ في جميع المجتمعات.. الشباب ـ ذكورا أو إناثا ـ هم من يراهن بهم المجتمع على تماسكه و قوته.
لذلك؛ ترى أن كثيرا من الجهود المجتمعية تبذل لهؤلاء الشباب حتى يتمكنوا من الوصول إلى مرحلة الرجولة و الاستقرار. هذه الطاقة المتجددة كيف يمكن لنا استثمارها فيما يخدم المجتمع؟ وما هي الوسائل المناسبة التي يمكن لنا من خلالها الحفاظ على هذه الطاقة من الانحراف أو الانجراف مع التيارات الخاطئة والهدامة؟ وماذا يستطيع الشباب تقديمه للمجتمع؟ أسئلة عديدة تطرح على طاولة النقاش في كل مرة يتم تناول موضوع هذه الطاقة الحيوية المتجددة في المجتمع. وللأسف، يغفل أكثر المسؤولين عن القوة الكامنة التي يمتلكها الشباب في هذا المجتمع أو ذاك، لذلك تلاحظ الاتهام تلو الاتهام يوجه لهؤلاء الشباب بأنهم غير صالحين للعطاء، ولا يمكنهم تحمل أي مسؤولية، وأنهم يعيشون في رفاهية مفرطة لا تمكنهم من تولي أي أمر ما في أي مجتمع، لذلك هم لا يصلحون لأن يكونوا رجال المستقبل، ولا يعول عليهم في كثير من الأمور..إلخ، من الاتهامات التي يتهم بها شبابنا للأسف.
أقول، مع احترامي لمن يحمل فكر هذا الاتهام للشباب أنه لا يدرك معنى الشباب في المجتمعات، وأنه لا يقدر هذه الثروة المجتمعية التي يجب الحفاظ عليها ورعايتها حتى تكون شجرة مثمرة يستفيد منها الجميع، و لعل من يطرح هذه الاتهامات ـ من وجهة نظري ـ لا يخرج عن أمرين: إما أنه يخشى من الشباب أن يزيحه عن ما يمتلكه من وجاهة و مكانة اجتماعية في مجتمعه، أو أنه لا توجد له أي صلة بهؤلاء الشباب، فهو لا يعرف حقيقتهم، و مع ذلك تراه يوجه لهم الاتهام تلو الآخر! الشباب طاقة يجب أن تستغل فيما يخدم المجتمع، وأفضل وجه من وجوه خدمة المجتمع هو أن ينخرط الشباب ضمن منظومة العمل التطوعي؛ لما لهذه المنظومة من آثار غاية في الأهمية، تسهم ـ و بشكل كبير ـ في بناء شخصياتهم و صقل مواهبهم، و الاستفادة من عطائهم و فكرهم النقي. و السؤال هنا: كيف يتطوع الشباب؟ هذه الطاقة المتجددة تحتاج أولاً إلى المعرفة بالجهات التطوعية التي يمكن لهم الانضمام إلى صفوفها. هل هذا فقط؟ لا، بل على هذه الجهات أن تقوم بتخصيص برامج و لقاءات دورية تعرف بالمجالات التي تحتاج إلى عمل الشباب فيها، وعليها العمل دائماً على بناء صف ثان من الشباب لتولي قيادتها مستقبلاً، و ثانياً، يجب على هذه الجهات التطوعية وضع برامج تدريبية للعمل التطوعي تستهدف الشباب، وثالثاً تخصيص لجنة تتولى مسؤولية استقطاب الشباب المتطوع بالدرجة الأولى، وهذه من أهم الأدوات التي يمكن استخدامها في ضم الشباب للعمل التطوعي.
يعيش كثير من شبابنا في مجتمعاتهم لا يعرفون الجهات التطوعية، ولا يتوقعون أن هذه الجهات تحتاج إليهم، حيث إن كثيرا من هذه الجهات ـ وللأسف ـ تستغفل دور الشباب، ويروج في المجتمعات أنه لا يصح أن يتولى الشباب قيادة هذه الجهات التطوعية؛ لذلك ترى الشباب ينظرون إلى هذه الجهات أنها خط أحمر، لا يجوز لهم تجاوزه، وعليهم الانتظار حتى يصلوا إلى سن الشيخوخة ـ كغيرهم ـ لتولي مهام إدارة الجهات التطوعية. وهذا هو الخطأ الكبير ـ من وجهة نظري ـ، و هو ما سبب وجود الفجوة الكبيرة بين الجهات التطوعية و الشباب. و عليه، فإن على القائمين على هذه الجهات إعادة النظر في استقطاب الشباب للعمل التطوعي، و تفعيل دورهم في الجهات التطوعية بما يحقق مصلحة المجتمع من جهة، و يحفظ لنا الشباب من جهة أخرى.
بعد أن يعرف الشباب الجهات التطوعية التي يمكن لهم أن يشاركوا بها، و يعملوا متطوعين فيها، وبعد أن قامت هذه الجهات بإعداد البرامج المناسبة للاستقطاب و التدريب و كسر الحاجز النفسي بين القائمين على هذه المؤسسات، من كبار سن و مخضرمين في بعض الأحيان، و الشباب الصاعد ذوي الطاقة المتجددة، من خلال إيعاز المهام التي تتناسب و كفاءة الشباب و إمكاناتهم الكبيرة، و التي تعزز ثقتهم في نفوسهم و في المجتمع؛ نستطيع ـ بعد هذا كله ـ أن نبدأ المرحلة أو الخطوة الثانية من عملية (كيف يتطوع الشباب)؟
حيث إن تلك المرحلة أو الخطوة هي بمثابة تأسيس البنية التحتية ليستطيع هذا الشاب أو ذاك ـ ذكرا أو أنثى ـ اختراق ما كان يظنه ممنوعا الاقتراب منه، أو منطقة محرمة خاصة بفئة معينة ممن تجاوز مرحلة عمرية معينة واقترب من سن الشيخوخة!
كسْر هذا الحاجز بحد ذاته بداية جميلة للانطلاق نحو الانضمام لركب العمل التطوعي، وإن كنا لا نعول كثيراً على أن بعض القائمين على المؤسسات الطوعية يمكن أن يثقوا كثيرا في الشباب؛ و ذلك بسب قصر النظر لدى بعضهم، و الخوف على المصالح و الوجاهة لدى البعض الآخر، لكن التعويل الأكثر والرهان الأكبر هو على الشباب أنفسهم أن يثبتوا أولاً أنهم قادرون على تحمل المسؤولية، لاسيما مسؤولية العمل التطوعي لا التقليدي، أي العمل التطوعي القادر على إحداث التغيير الإيجابي على مستوى المجتمع بشكل خاص، تغيير في الفكر و المفاهيم و السلوكيات الخاطئة، و تعزيز القيم و العادات الرائدة.. نعم، فالشباب عندما يريد أن يتطوع عليه أن يكون تطوعه شاباً لا كهلاً، متواكباً مع عطاء الشباب و قوته و زهوته، عليه أن يكون هذا التطوع بقوة الشباب تماماً، بل بانتعاشه وحيويته، و بهذا النوع من التطوع نستطيع أن نحدث التغيير الإيجابي المنشود في مجتمعنا.
كيف يتطوع الشباب؟
هذا هو السؤال الذي يدور في ذهن القارئ الآن، لاسيما لو فرضنا أنه تم تهيئة كافة الظروف التي تسمح للشباب بدخول المؤسسة التطوعية ـ كما أوضحنا سالفاً ـ، وأصبحت الكرة في يد الشباب، تُرى كيف يتطوع الشباب؟.
قبل الإجابة على هذا التساؤل، نذكر أنه في بداية حديثنا في هذا الموضوع ركزنا على أن الشباب هم الطاقة المتجددة، و أمل المستقبل في كل مجتمع، و هذا يكاد لا يختلف عليه اثنان ـ حسب ما اعتقده ـ. و عند الكلام عن الكيف، يعني أننا نتحدث عن آلية معينة يمكن الاعتماد عليها، بعد تهيئة الظروف كافة، لتحقيق ما نصبو إليه، وهو هنا تطوع الشباب. هذه الآلية تعتمد في الأساس – بعد التهيئة الأولية التي ذكرناها – على مفهوم الشراكة بين مكونات المجتمع، وهي: (الأسرة، والمؤسسة الاجتماعية، والمجتمع نفسه)؛ حيث إن على الأسرة القيام بدفع أبنائها للمشاركة في العمل التطوعي، وتعزيز مبدأ أهمية خدمة (الغير) في نفوس الأبناء منذ الصغر، وبعدها يأتي دور المؤسسة الاجتماعية، والتي عليها العبء الأثقل في تبني هؤلاء، و تدريبهم، و تهيئة المناخ والأرضية المناسبة لهم ـ كما ذكرنا ــ. و أما دور المجتمع، لاسيما شريحة الآباء والأمهات، فعليهم إعطاء الفرصة للشباب، وعدم التسرع في الحكم على أدائهم وعطائهم، بل الواجب على الجميع تعزيز ثقة الشباب في قدراتهم وطاقاتهم و إمكاناتهم.
وبهذا نستطيع أن نخلق جيلا من الشباب المتطوع، القادر على العطاء، وبغير ذلك سنجد أن كل ما يمتلكه شبابنا من طاقات وإمكانات ستوجه في غير محلها، ليكون الخاسر الوحيد نحن.
نداء أخير: لنبدأ العمل على إعطاء الشباب فرصة القيادة التطوعية؛ لنحظى بعمل تطوعي غير عادي، يواكب النهضة والتطور العصري الذي نعيشه.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70060
