غياب الإبداع الأدبي والفني عن خدمة قضايا العمل الخيري

أرشيفية

في فترة زمنية متقاربة جدا أتاحت لي محاسن الصدف الاطلاع  على أكثر من نموذج وعمل فني وأدبي يصب في خدمة العمل الإنساني والخيري، وهو ما أعاد إلى الذاكرة حجم التقصير الكبير في هذا المجال، سواء من قبل المؤسسات الطوعية ذات النفع العام في عالمنا العربي والإسلامي أو من قبل شريحة المشتغلين بقضايا الإبداع على مختلف مواهبهم.
عندما أتيح لبعض الأفكار والفلسفات الإنسانية  ـ بغض النظر عن موقفنا منها ـ أن تُطرح من خلال أدوات وقنوات فنية وأدبية، مثل المسرح والرواية والصورة، صارت أكثر شيوعا وانتشارا وتأثيرا، ولعل من الأمثلة المهمة في هذا الصدد هي "الوجودية" التي ذاع صيتها في أوربا والعالم في فترة من فترات التاريخ الإنساني، لاعتبارات لعلّ من أهمها أن صاحبها أديب أصلا، ألا وهو "جان بول سارتر". وعندما سألتُ أحد شعراء الأطفال البارزين في الساحة العربية ذات مرة عن سبب تركيزه في أن تخرج جل قصائده على شكل أناشيد برر ذلك بأن الأنشودة تضيف إلى النص اللحن الجميل والصوت العذب، فتصبح أوسع انتشارا، ويكون عدد من يحفظها من الأطفال أكثر بكثير.
ومن نافلة القول أن مسرحية أو مشهدا تمثيليا تلفزيونيا قد يكون أقدر على غرس القيم  أو حشد التأييد لفكرة أو مشروع أكثر من ألف خطبة ومحاضرة، وربّ صورة معبرة أبلغ من ألف عبارة ومقال.
ما ينبغي أن يكون أكثر أهمية لدى المؤسسات الخيرية والإنسانية في عالمنا العربي والإسلامي من تسويق مشروعاتها الخيرية كبناء مدرسة أو مستشفى أو مسجد ـ في رأيي ـ هو غرس قيم العمل الخيري لدى الأطفال والناشئة منذ نعومة الأظفار؛ لأن من شبّ على شيء شاب عليه، أو إشاعة ثقافة العمل الخيري ببعدها الحضاري المستمد من ثقافتنا الإسلامية لدى الشباب الذين هم "دينامو" أي عمل تطوعي، وصولا إلى تجذير الخيرية لدى هذه الشرائح، ومن هنا فإن تفعيل دور الفن والأدب والإبداع مهم للغاية، حيث لا يزال التقصير في الاهتمام بالعمل القيمي الخيري كبيرا، واستثمار الأدوات الإبداعية في هذا المجال محدودا.
وعودا على بدء؛ فإن ما اطلعت عليه أو تابعته مؤخرا هو عبارة عن ثلاث مبادرات وأنشطة لا بأس من التنويه بها وإبراز القيمة المضافة فيها:
§ معرض الجود بدولة قطر: وهو معرض للخط العربي والفن الإسلامي، أقيم في صالة أنيقة وجميلة، وعرضت فيه 30 لوحة من اللوحات، التي هي عبارة عن آيات قرآنية تحث على الجود والبذل والإنفاق، كل آية منها أخذت من جزء من الأجزاء الثلاثين للقرآن، خطتها يد فنان مبدع، هو الخطاط الأول عالميا صباح الأربيلي. ولا يخفى أن العمل مبادرة غير مسبوقة، وتمّ تقديمها بأسلوب رائد وجودة عالية، عبر قالب فني مبتكر، ألا وهو الخط العربي.
§ كتاب (الإسلام وحقوق الإنسان): مؤلَّف "يجمع بين متعة الفكر والعين معا"، من إصدار مركز "فنار" التابع لوزارة الأوقاف القطرية، وهو ذو طبيعة مختلفة في شكله ومضمونه، تم إخراجه وطباعته بعناية فائقة ومستوى فاخر، من حيث غلافه المجلد، والنوعية المتميزة للورق الداخلي، إضافة لمقاس وتصميم وإخراج الصفحات الداخلية. والطريقة التي اعتمدها الكتاب على مستوى المضمون هو إيراد آية من آيات القرآن الكريم، أو حديث من الأحاديث النبوية الشريفة التي تعنى بحقوق الإنسان، وإيراد ما يناسبها من ميثاق هيئة الأمم المتحدة 1945، أو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، سواء على مستوى الديباجات أو المواد، وترجمة الآية أو الحديث والمادة الحقوقية للإنجليزية، وهو ما يكشف عن الوجه المشرق لديننا الحنيف في اهتمامه بحقوق الإنسان، وتناولها في إطار شامل متكامل.
وقد  تضمن الكتاب خمسين لوحة فنية، كل منها عبارة عن خط عربي  مشكّل بصورة فنية جذابة، وبعدة ألوان،  للآيات والأحاديث التي تم اختيارها، لتكون فرصة لمتعة العين التي تعشق الجمال والفنون الراقية.
مشاركة الشعر والقوافي في تدشين أعمال الخير: وقد راقتني فكرة إشراك الشعراء المتميزين في مثل هذه المناسبات، والإشارة هنا إلى رائعة  المتألق الدكتور عبد الرحمن العشماوي الشعرية بعنوان: البذل، والتي ألقاها يوم 13/ 5/ 1432 هـ  في حفل تدشين صندوق الاستدامة المالية الخيري الذي أنشأته مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية لإقراض الجمعيات الخيرية قروضا ميسرة لإنشاء مشروعات وقفية يعود ريعها لعمل الخير.
لا ينكر أن بعض المؤسسات الخيرية قد اهتمت أو دعمت أعمالا في المجال الفني لخدمة العمل الإنساني وغرس قيمه ونشر ثقافته في أوساط الناشئة والشباب بخاصة والمجتمع عموما، لكنه  بقدر ضئيل لا يكاد يذكر، ومن ذلك إصدار بعض الأناشيد والفيديو كليبات، والفلاشات التلفزيونية، لكن ما الذي يمنع أن يمتد ذلك ويتسع لإقامة أمسيات شعرية، وتنظيم عروض مسرحية، وإنتاج أفلام كرتونية، ومسابقات لأصحاب المواهب الفنية الواعدة، وإقامة معارض للرسوم والكاريكاتير، وتشجيع كتابة القصص وغيرها بحيث تصبّ في هذا الهدف.
لا تزال الثغرة لملء هذا الفراغ كبيرة، وعلى مؤسساتنا الخيرية أن تتفهم القيمة الكبيرة لهذه الأدوار أولا، وأن تشرع أبواب المنافسة الخيّرة للمبدعين تاليا، من أجل إنتاج أعمال فنية مبتكرة وجذابة تضاهي ما هو مطروح في السوق، وتضمن التأثير في متلقيها.