الصدقات بين الفقراء والمؤسسات الخيرية (المعادلة الصعبة)

أرشيفية

لا شك أن المؤسسات والجمعيات الخيرية المنتشرة في شتى أركان بلادنا العربية والخليجية أصبحت ـ بما لا يخفى على الجميع ـ تؤدي أدواراً إنسانية واستثمارية تنموية شاملة في مصلحة الفقراء  وذوي الاحتياجات بشتى مسمياتها؛  بما يعني أنها الأحق والأجدر بأن تتكاتف وتعمل وفق منظومة متكاملة لتأدية واجباتها نيابة عن داعميها، ليكون من شأنها أن تحارب وتجتث مشكلات عضال تواجه مجتمعاتنا المتسعة؛ لأنها تعمل في كل الأحيان وفق نظم وخطط علمية من شأنها أن تساعد في تأدية هذه الرسالة الإنسانية العظيمة على أتم وجه؛ لأنها ـ غالباً ـ لن تتوقف عند جبي الصدقات والزكاة، ولكنها ستتلقى هذه الأموال التي تتلقاها في سبيل الله والخير والإنسانية، وتعمل بما ليس فيه أدنى مجال للشك على تنميتها واستثمارها وزيادتها بشكل مناسب ليس فيه تهور، كما أنها عندما تقدم الدعم للفقراء أو المحتاجين من الفئات التي تعمل في صالحهم، وخاصة الفقراء والأيتام، فإنها سيكون بمقدورها أن تطبق وسائل علمية من شأنها المساعدة، وفي نفس الوقت، القضاء على الفقر أو المعضلة، وإيجاد الوسائل المناسبة التي توصد طرق الحاجة الدميمة  التي توقع الإنسان تحت وطأة هذه المسألة بما تخلفه في النفس من آثار قد لا يرضى عنها الكثيرون.
ويتطلب لهذا الأمر أن تكون المؤسسة أو المؤسسات المتكاتفة، التي تعمل وفق المنظومة الإنسانية والاجتماعية المتكاملة، على دراية تامة بأحوال كل حالة منفردة، ولكن الأمر يحتاج لكي نصل إلى هذه المرحلة المتقدمة من مراحل التكافل إلى داعمين أكثر وعياً بما تقدمه مثل هذه الجمعيات والمؤسسات من أدوار مهمة تجاه قضاياهم ومجتمعاتهم.
وفي هذا الإطار فإنه من المفروض أن تسوّق هذه الجمعيات والمؤسسات أدوارها لكي تيسر على الداعمين سبل تقديم المساعدات اللازمة والحيوية بما لا تجعلهم يقدمون على الأيسر من وجهة نظر السواد العظيم منهم، وهو تقديم المساعدات المباشرة في أيادي الفقراء والمحتاجين بشتى صورهم كما أسلفنا، وهم جميعاً من البسطاء الذين لا يمتلكون الكثير من الحيل، ولن يستطيعوا في كل الأحوال  العمل على تنمية الدعم والمساعدات التي تصب في أياديهم مباشرة والوصول إلى حالة الكفاف والاستغناء التي يأملون، والتي تعمل في إطارها هذه الجمعيات والمؤسسات، وبالتالي إطالة المشكلة، واستمرارية الحاجة، وإعاقة منظومة التنمية والإشباع التي تصبو إليها دولنا ومجتمعاتنا.
فمن الطبيعي أن تكون مثل هذه الجمعيات والمؤسسات قد أنشئت لتأدية هذه الرسالة بضخامتها وعمقها، والعمل بقدر المستطاع على اقتلاع أسباب المشكلة من الجذور، ولكن في الحالات، وهي الأكثر انتشاراً، فإن المشكلة هي التي تسوّق نفسها بشكل يجعل الداعم يساهم لمكافحتها، وهنا فإن الحالات الفردية التي تصيب الأفراد (خاصة من الذين باستطاعتهم تسويق مشكلاتهم) هي التي تشهد الإقبال الأكبر من الداعمين للعمل على المساعدة، ولكن أغلب هذه المساعدات أشبه بالمسكنات الوقتية التي سرعان ما تعاود المشكلات بعدها بالعودة، ربما بشكل أكثر وأكبر صعوبة؛ ومن ثم استمرار العمل وفق منظومة عكسية، وهي منظومة استمرارية الحاجة؛ لأن العمل كان بطرق عشوائية غير منظمة وغير علمية بعيداً عن مؤسسات أنشئت وتعمل بأهداف وطرق علمية. والمثال الحي في ذلك أننا كثيراً ما نشاهد المتسولين من الفقراء في الشوارع يمدون أياديهم لنقدم لهم بفطرتنا النقية ومبادئنا وضمائرنا الحية القليل أو الكثير من الأموال أو المساعدات التي قد تسد وقد لا تسد رمق يومهم، ليعاودوا الكرّة في الصباح التالي، ومن ثم تستمر الظاهرة والمعاناة. ولكننا عندما نقدم هذا الدعم البسيط في إطار علمي لمؤسسة خيرية يكون من أهدافها القضاء على مثل هذه الظاهرة، وانتشال هؤلاء الناس من وقاحة العَوز بصورة تامة، ودفعهم إلى ما قد يناسبهم من الحيل والوسائل  كدعم مشروعات صغيرة يستطيعون من خلالها تغيير الاتجاه والدخول في طريق إنساني سليم وكريم في نفس الوقت، وصهر معاناتهم وحاجتهم بالدخول إلى سوق العمل والإنتاج  بكل كرامة إنسانية، فلا شك أن المؤسسات الخيرية والإنسانية والاجتماعية عندما تصل بالإنسان إلى هذه المراحل المتقدمة من الفكر الخيري والإنساني والاجتماعي التكافلي الشامل فإنها ستكون قد عبرت بإنسان منطقتنا إلى فضاءات آمنة من الحياة المستقرة والسليمة.
ولكن يتبقى الدور الأكبر والأهم، وهو الدور الذي يقوم به الداعم، وهو أن يعمل على الاختيار الأفضل والأنسب لما يقدمه؛ ليكون ما يقدمه في المكان السليم والأفضل إنسانياً في المجمل، دون أن يسقط في هوة الدعم المباشر، متأثراً بما يعانيه أصحاب كل مشكلة على حدة. ولكن الكثيرين يفضلون اللعب على كل الأوتار، وهو ـ بلا جدال ـ أفضل، ويعبر عن فطرة إنسانية سليمة نقية، ولكن عندما يكون الهدف هو القضاء نهائياً على ظواهر ومعاناة إنسانية جماعية معقدة يتطلب القضاء عليها العمل وفق مؤسسات وجمعيات خيرية، فإنه من المحتم أن يكون اتجاه الداعم في هذا الفلك بعيداً عن الدخول في الحسابات والمعادلات الإنسانية الصعبة؛ لأن ما يقدمه سيكون أكثر إفادة وشمولية، وفي كل الأحوال سيصل إلى هدفه مباشراً.
وفق الله الجميع إلى الخير.
المصدر: مداد