أرشيفية
ظاهرة انتشار الجمعيات الخيرية في العالم الإسلامي بشارة حسنة، تعطي انطباعا بأن الوعي بالمسؤولية تجاه المجتمع أصبح ينتشر، وأن روح المواطنة أصبحت تدب بين الأفراد، وأن الجهود بدأت تنصهر من أجل إشاعة عمل الخير الذي يسعى إليه كل إنسان سويّ صاحب ضمير حي وقلب سليم؛ لما يترتب عليه من إغاثة الملهوفين، ومساعدة المعوزين، وإرشاد التائهين، ودفع الأذى عن المتضررين، ورسم الابتسامة على وجوه الأطفال المحرومين من العطف والحنان.
ولكون العمل الخيري يجلب لصاحبه المثوبة الجزيلة والمحبة من الخالق ـ جل جلاله ـ (إن الله يحب المحسنين)؛ فلا غرابة إذا مما نشاهد اليوم من ازدياد للمنظمات الأهلية في البلدان الإسلامية، التي تسعى إلى تكريس العمل الخيري، سواء تعلق الأمر بتوجهه الرعائي أو التنموي، ومن أهمها جمعيات تدريب وتأهيل، ومنح قروض، وإقامة مشروعات صغيرة، وجمعيات ذات توجه نحو محاربة الأمية والنهوض بالتعليم، وأخرى تسعى إلى تأهيل المرأة وإلى التوعية والدفاع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والمدنية.
ويظهر جليا الدور الكبير الذي تلعبه هذه المنظمات في المساهمة في التنمية البشرية، ومساعدة الحكومات الوطنية على إنجاز برامجها التنموية، وخاصة في مجال مكافحة الفقر، المعضلة التي تؤرق القادة السياسيين والمخططين الاقتصاديين.
إلا أن هذه المنظمات الأهلية لا تزال تعترض سبيلها عوائق جمة، منها ما يعود إليها هي نفسها: كغياب الشفافية في هذا العمل؛ لعدم وجود إحصاءات ودراسات، وما ينتج عنها من أخطاء فادحة تؤثر على العمل الخيري، و تشوش على أداء الجمعية. وكذلك عدم اختيار أشخاص مؤهلين إداريا وعلميا و نفسيا لإدارة الجمعيات الخيرية.
ومنها ما يعود إلى الحكومات، كعدم وجود تشريعات واضحة المعالم تنظم العمل الخيري، وغياب التنسيق الحكومي مع الجمعيات الخيرية، و عدم توفير التغطية الإعلامية اللازمة للعمل الخيري، التي تشجع الناس على فعل الخير، وتهيئ له المناخ المناسب.
وهناك عائق كبير وتحد جسيم أمام هذه المنظمات يتمثل في كونها كلما يتسع مجال عملها وتنتشر ويعم نفعها تبدأ مضايقتها بغلق الأرصدة، وتكال لها التهم التي لا أساس لها، وهذه المضايقات الصادرة من الغرب أساسا إنما هي محاولات دنيئة للوقوف أمام العمل الخيري الإسلامي، وعرقلة أداء الجمعيات الخيرية الإسلامية، من أجل إرباكها وإضعافها، وهو أمر لن يكون ـ إن شاء الله ـ؛ ذلك أن عزيمة الرشد التي يتحلى بها القائمون على الجمعيات الخيرية الإسلامية تنبع من أيمانهم القوي بفعل الخير الذي يكرسه الإسلام، دين الرحمة والتسامح، دين المحبة والمودة والتعاطف والحنان والبذل.
وبما أن العمل الخيري عمل إنساني يعود بالفائدة على الفرد والمجتمع من خلال إيصال الخير للفقراء و المحتاجين و المرضى على اختلاف أمراضهم، ومعالجاتهم، وتقديم المفيد لتطور المجتمع؛ فعلى المجتمع الإسلامي توفير الجو المناسب لتشجيع هذه المنظمات، وعلى حكومات البلدان الإسلامية اضطلاعها بمسؤولياتها تجاه شعوبها بإعطاء عناية أكبر لهذه المنظمات، والدفاع عنها، وتذليل الصعاب أمام العمل الخيري الذي تقوم به المنظمات التي تتدخل ابتغاء مرضاة الله ـ جل جلاله ـ، ووفقا لسنة رسوله سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، مع أخذ الحيطة من الجمعيات الخيرية -التبشيرية- التي تبتغي من وراء عملها الاحتيال على المجتمع المسلم، وتقوده إلى الهلاك في الدنيا و الآخرة.
ورغم ملاحظة ازدياد النتائج الإيجابية الملموسة للجمعيات الخيرية الإسلامية، فلا يزال دورها قاصرا عن بلوغ الأهداف المرجوة لأسباب منها:
1- عدم التنسيق بين المنظمات الخيرية الإسلامية.
2- عدم رسم خريطة موحدة للمحتاجين من أجل تدخل هادف ومتكامل وسليم.
وأخيرا، و لكي تتغلب المنظمات الخيرية الإسلامية على الصعاب التي تقف أمامها، يجب الأخذ بعين الاعتبار الأمور التالية:
1- حث الحكومات على وضع إطار تشريعي واضح المعالم، يضمن للمنظمات الخيرية الإسلامية العمل بأريحية.
2- حملة إعلامية قوية ومكثفة.
3- العمل على الاستدامة المالية من خلال تعدد مصادر التمويل.
4- تطوير قدرات المنظمات الأهلية الصغيرة.
5- الرفع المستمر من قدرات العاملين في المنظمات الخيرية.
6- رسم خريطة للمحتاجين تمكن الجمعيات حسب توجهاتها من استهداف المتضررين، وتضفي التكامل على جهودها.
ونعتقد أن الأخذ بهذه الأمور من بين أمور أخرى من شأنه أن يدفع المنظمات الخيرية الإسلامية إلى الأمام في مكافحة الفقر، والتغلب على التحديات، والرفع من مستوى العمل الخيري.. ويبقى توفير الحكومات الحماية لهذه المنظمات الضمانة الضرورية للزيادة من فعل الخيري الجماعي، ويؤول إلى ترقية العمل الخيري الإسلامي.
المصدر: مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70078
