درس من الأثرياء الأمريكان !

بيل جيتس ووارين بافيت

لم يعد الإعجاب بالأثرياء الأمريكان ـ مقارنة بالأثرياء العرب ـ مقتصرا على ما يقدمونه من هبات عملاقة (ميجا جيفت) منذ سنوات، تبلغ مليارات أو عشرات المليارات من الدولارات، وتصرف داخل الولايات المتحدة وعبر العالم، كما أنه لم يعد مقتصرا على مؤسسات خيرية يتبناها بعضهم، مثل: "بيل غيتس " – مؤسس مايكروسوفت ـ وزوجته ميليندا منذ عام  1994 فحسب، بل تعداه إلى ما هو أهم من ذلك بكثير.. إنه مشروع استراتيجي يقوم على دعوة الأثرياء الخيرين لأقرانهم  بالتبرع السخي للعمل الخيري، وتشجيعهم على التخلي عن جزء مهم من ثرواتهم لصالحه، في حياتهم أو بعد مماتهم، في إطار مؤسسي احترافي، يهتم بعطاء يحقق أفضل النتائج. 
وهنا نشير تحديدا إلى مشروع " التعهد بالعطاء"، الذي أطلقه "بيل غيتس" مع ثالث ملياردير في العالم "وارين بافيت" رسميا في شهر يونيو الماضي؛ لإقناع مئات المليارديرات في الولايات المتحدة بالتنازل عن أغلب ثرواتهم، وأن يشرحوا ذلك في رسالة.. ويبدو أن ثمرات المشروع بدأت تؤتي أكلها سريعا ـ حسب مجلة "فوربس" ـ حيث تعهد 38 مليارديرا أمريكيا بالتنازل عن نصف ثرواتهم للأعمال الخيرية، ليرتفع عدد الأثرياء المنخرطين فيه إلى 40 في أقل من عام ونصف العام، حيث إن تقديرات " فوربس" تشير إلى أنه قد يدرّ 600 مليار إذا أنجز كليا.
وبقدر هذا الإعجاب، كان هناك شعور بالحزن والأسى لغياب مثل هذه المشروعات النوعية عن عالم الأثرياء في ديار العرب والمسلمين، رغم أنهم أحق به وأهله؛ لأن البذل والإنفاق في سبيل الله، وعمل الخير، ومساعدة المحتاجين، وإغاثة الملهوفين، جزء من ديننا الحنيف يقربنا إلى الله زلفى، كما أن تراثنا الإسلامي يحفل بنماذج مشرقة للمحسنين، وبآليات متطورة لاستثمار الأموال في عمل الخير، وفي مقدمة ذلك "الوقف"، الذي يعد مدرسة في التنمية وديمومة العطاء، اتكاء على ما يعرف لدينا بـ"الصدقة الجارية". 
لكن ما شفى النفس وسرّى عنها بعض الشيء أن مثل هذه المشاريع الأمريكية بدأت تلقى صدى لدينا، وإن كانت في مراحلها المبكرة وبشكل فردي، والإشارة هنا إلى رجل الأعمال السعودي مرعي بن محفوظ، الذي دعا رجال الأعمال في بلاده للتبرع بثلث ثروتهم  اقتداء بما فعله "غيتس"، وأعلن في ذات الوقت عن تبرعه بثلث ثروته لمؤسسة "كندة الخيرية".
والمطلوب أن لا يبقى الأمر مجرد إطلاق بلاغ أو نداء خيري،  دون بلورة عملية له، تحوّل الفكرة إلى مشروع، وتستقطب الجهود وثروات الأثرياء إليه، وتوظفها لصالح الأعمال الإنسانية.
ولأن الحكمة ضآلة المؤمن؛ فإن دراسة مشروع "غيتس ـ بافيت" باستفاضة، والإفادة منه أمر مطلوب من الأثرياء الأفراد والمؤسسات التجارية والتمويلية العربية والإسلامية، ومن المنظمات الخيرية والجهات التنموية.. ويمكن الإشارة بصورة سريعة ومختصرة إلى جوانب مهمة في هذا المشروع، وهي:
–      إذا كان عماد العمل الخيري هو المال الذي يستقى من المحسنين والأغنياء خصوصا، والجمهور عموما، ويحتاج إلى حملات تسويق وإعلام وعلاقات عامة  لاستقطابه منهم، فإن هذا المشروع يختصر كثيرا من الوقت والجهد على القطاع الثالث، ويوفر له مصدر دخل هام جدا،  بمجرد اقتناع الأثرياء بتخصيص جزء من ثرواتهم لهذا الجانب.
–      عدم الاكتفاء بإقناع الأثرياء للتنازل عن ثرواتهم وتحويلها للعمل الخيري فحسب، بل تحويل نفر منهم للدعوة إلى الفكرة، وتبلغيها، ونشرها.
–      دعوة الأثرياء لنظرائهم للدخول في نادي المتنازلين عن ممتلكاتهم قد تكون أبلغ من غيرها من الدعوات، خصوصا إذا كان الداعية من المؤمنين بالفكرة المطبقين لها فعلا؛ لأنه يمثل قدوة حسنة للمدعو، بعيدا عن المعاذير التي قد تطرح أو تثار.  
–      تحويل رجال الأعمال والأثرياء من مستهدفين من قبل الجمعيات الخيرية لتمويل مشروعاتها الخيرية والاجتماعية إلى متبنين لهذه المشروعات ـ حتى وإن كانت في أطر أخرى ـ، وتحقيق الخيرية فيهم.
–      ينتظر أن تدار الأعمال الخيرية بصفة أكثر احترافية في إطار مشروع "جيتس ـ بافيت"؛ لأنه يعتمد على "المشاركة بدرجة كبيرة في الأعمال الخيرية"، و"العطاء الموجه لتحقيق النتائج"، أي "يستثمر"  الأثرياء تبرعاتهم، ويستخدمون استراتجيات رأس المال الاستثماري، والأدوات والأساليب البحثية لإدارة أداء "محافظهم"، ويشاركون في تبادل الأفكار والخبرات.
–      التخطيط لتعميم المشروع الخيري، خارج نطاق الولايات المتحدة، والاتجاه به نحو العالمية، مع تركيز "جيتس" وزميله على أن الجهد حتى يكون ناجحا ينبغي أن يقوده قادة محليون.
لا أحد ينكر أن كثيرا من رجال المال والأعمال والتجار في بلادنا العربية والإسلامية يقومون بواجبهم في دعم العمل الخيري والإنساني، بل إن بعضهم لديه مؤسسات خيرية تتبع له، يمول مشروعاتها، ويشرف على أنشطتها، ويتعهدها بالعناية والرعاية .. لكن النموذج الذي نتحدث عنه مختلف ومتقدم، وفيه كثير مما يستحق التأمل والدراسة والتدبر، سواء تمت محاكاته أو تم ابتكار نماذج جديدة مختلفة عنه.
المهم أن لا يحصر المال نفسه في دائرة الجشع والأنانية، أو يصبح  تعظيم  الثروة لدى أصحابه  هدفا بحد ذاته، حتى ولو شقوا به أو ظلموا أنفسهم ومن حولهم بسببه. 
المصدر: مداد