أرشيفية
في الأصل عند الجميع أن التطوع عمل يبتغي به الإنسان وجه الله تعالى وخدمة الناس. خدمة الناس في أي مجال، وفي كل مجال، وفي أي وقت، سواء عبر بذل الجهد، أو التبرع والتضحية بالمال، أو تخصيص وقت للإشراف على عمل ما يتم بصورة تطوعية.
ومع تطور الحياة، وتوسع مجالاتها في الرياضة والسياسة والعمل الاجتماعي بجانب العمل الدعوي والخيري طبعا، دخلت دنيا التطوع مفاهيم ورؤى ومناصب ومنافسات جديدة، أو قل بمعنى أدق صور جديدة لكل ما سبق، وبدلا من أن يبذل الإنسان المتطوع من ماله وجهده بعد تصديه للتطوع ليخدم المحتاجين أو ليخدم مجتمعه ودينه، صار يبذل ماله وجهده ووقته ليصل للمنصب التطوعي، لا لشيء إلا لتحقيق المغانم والمكاسب والشهرة والصيت على حساب العمل التطوعي.
ولست مبالغا حين أقول إنهم ينفقون أموالهم بقدر ما ليستردوها من بعد أضعافا مضاعفة وهم على رأس عملهم المزعوم أنه تطوعي، واسترداد المال ـ أو قل إن شئت "سرقته" ـ صار هدفا للعشرات ممن لا يخشون الله ولا يراعون في عباد الله إلا ولا ذمة، والغريب أنهم من الأغنياء وليسوا من الفقراء؛ كي يبرروا لأنفسهم هذا المسلك غير الشريف، المرفوض شرعا وقانونا، لكنهم لا يعدمون الحيلة في ذلك، ويخلقون لأنفسهم ولسلوكهم داخل مؤسساتهم التطوعية مسميات أو عناوين براقة، أو بواقعيةٍ غطاء أيا كان قانونيا أو شكليا أو إنسانيا يكفل لهم أن ينالوا مرادهم تحته أو في ظله، دون أن يشعر أحد بحقيقة ما يفعلون، أو أن يفهم حقا ما ينوون..
أما لو فهم أحد فلن يفقدوا الطريقة لإسكاته في كثير من المجتمعات التي تعاني غيابا لمفاهيم الحلال والحرام، أو غيابا للضمير الإنساني، فمن يستغل قيادته لجمعية لذوي الاحتياجات الخاصة أو للمعاقين أو لمكفوفي البصر، واستيراد أجهزة لهم لعقد صفقات تجارية، "هو لص" بمعنى الكلمة..
وللأسف، صار التطوع والعمل التطوعي عند بعض القائمين عليه- وليس الكل، وفي بعض الدول العربية -وليس كلها بالطبع- صار مغنما وطريقا رائجا لتحقيق الأرباح والمكاسب، وصارت مسالة تأسيس جمعية ذات طابع اجتماعي وإنساني لدى البعض مشروعا لتحقيق مكاسب مادية واسعة، والوصول إلى مناصب أكبر تدر دخلا حدِّث عنه ولا حرج، ما دام الشخص لا يأكل وحده بل يأكل ويدع من حوله يشاركونه الغنيمة، ولو بنسب متفاوتة..
وأبسط تلك الصور مسألة التبرعات التي تأتي لكثير من الجمعيات الأهلية، عينية أو مادية، فالفقير لن يمانع في أن يوقع على استلام 1000 جنيه او ريال ـ مثلا ـ وهو في الحقيقة يستلم 500 فقط، فالصورة تصل له على أنه محظوظ بوضع اسمه في قائمة المستحقين؛ لذا فهناك مصاريف لا بد من توفيرها للجمعية أو لبنود أخرى..
وهناك من ينال نصيبه من منح الجمعيات لا لشيء إلا لأنه اطَّلَع قَدَرَاً على سر من أسرارها يمكنه أن يكشفه للناس أو للمسؤولين؛ لذا وجب إسكاته… وهناك من زور توقيعات أو ترشيحات ليصل فلان لقيادة الجمعية الفلانية أو حتى المؤسسة الرياضية، فيستحق هذا أن يأخذ له نصيبا من "الكعكعة"، وصار العمل في كثير من الأحيان وكأننا في مشروع تجاري له أرباحه المنتظرة التي لا يمكن الاستغناء عنها، ويبذل من أجلها الغالي والنفيس..
وما هو أبشع أنَّ من يدخل الآن مثل هذه المجالات وهو يهدف بحق وبصدق لخدمة الناس وإعمال مباديء العمل التطوعي يصعب عليه – إلا في حالات نادرة – الدخول للمجال أو الوصول للمكان الذي يمكنه أن يخدم من خلاله، لقد اختفى ـ أو كاد ـ نموذج الرجل الذي يتبرع من ماله لدفع مصاريف علاج رجل مريض، أو مصاريف طلاب غير قادرين في المدارس، أو المساعدة على تزويج فتاة مسلمة لوجه الله، وظهر نموذج من يفعل ذلك -في بعض البلدان العربية العديدة- قبيل انتخابات سياسية، أو رياضية، أو اجتماعية، من أجل السمعة الطيبة، وكسب الأصوات فيما هو قادم..
والصورة أمام الجميع شرقا وغربا واضحة لا تحتاج لتوصيف، وإلا فيم تفسرون إنفاق الملايين على حملات الدعاية لدخول برلمانٍ الأساس فيه خدمة الناس وقضاء مصالحهم، أو مئات الآلاف، بل ربما الملايين، على الدعاية وشراء الأصوات لرئاسة نادٍ رياضيٍّ هدفه الأول خدمة الأعضاء؟ وبماذا تفسرون التربيطات وتزوير التوقيعات لكسب رئاسة أو عضوية جمعية خدمية خصصت أو أنشئت لخدمة فئة من الناس أو كثير من الناس؟.
لذا؛ فإن من يحبون التطوع حقا، ويعملون عملا ما؛ إعمالا للمباديء السامية والخلق الرفيع وخدمة الناس، صاروا يقابلون في كثير من الأوقات بالشك في نواياهم. والناس معذورة؛ لأن السوابق كثيرة أفقدتهم الثقة فيمن يتصدون لمثل هذه النوعية من الأعمال، وقد غاب عن الكثيرين، بل – للأسف – عن غالبية المتصدين للمناصب التطوعية أن هناك إلها يحاسبهم، وأن هناك كما أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم:"يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون".
المصدر: مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70089
