دور المنظمات غير الحكومية في دعم حقوق الإنسان

أرشيفية

لا شك أن العلاقة بين الجمعيات الأهلية والمنظمات غير الحكومية وحقوق الإنسان علاقة وثيقة ومتبادلة؛ حيث إن كليهما يلعب دوراً محورياً في تحرير الإنسان من أي قهر واستغلال، سواء كان استغلالاً أو قهراً فرض استبعاده من المشاركة في بناء مجتمعه، أو تمثل في حرمانه من إشباع حاجاته الأساسية، فمن حق الإنسان، وهو حق أصيل، أن تتاح له الظروف الملائمة لإشباع حاجاته الأساسية، أو أن يتجه التحرير الإنساني إلى رفض أي شكل من أشكال التمييز، سواء كان هذا التمييز مستنداً إلى الثروة، أو إلى الخلفية العائلية، أو الإثنية، أو حتى إلى الدين والطائفة؛ فقد ولد البشر أحراراً، متساوين، ترجع أصولهم لأصل واحد؛ فكلكم لآدم وآدم من تراب، والناس متساوون كأسنان المشط، لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، وكذلك الناس شركاء في الموارد الطبيعية، فالناس شركاء في ثلاث : الماء، والكلأ، والنار . إذا، فحقوق الإنسان هي حالة طبيعية نلاحظها في حالة الطبيعة التي تقدم مواردها لكي يستمتع بها كل البشر، ومن ثم فإذا حصل البعض على أكبر قدر من الموارد على حساب البعض الآخر فإن ذلك يعد إخلالاً بحقوق الإنسان. وعلى هذا ترتبط قضايا حقوق الإنسان بالمنظمات غير الحكومية؛ وذلك لأن كليهما ( حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية ) يستندان إلى ذات العناصر التي تتصل بالحق في إشباع الحاجات الأساسية، والحق في المشاركة، كل ذلك على أساس من المساواة، وهي الوظائف أو المهام التي يسعى المجتمع المدني أو الأهلي للتأكيد عليها. علاوة على هذا، تبرز أهمية المنظمات غير الحكومية فيما يتصل بمسألة حقوق الإنسان، من خلال مفهوم جديد ظهر ـ أيضاً ـ خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وهو مفهوم التنمية المستدامة، الذي يعني في جانب منه اعتماد البشر على أنفسهم في تطوير قدراتهم، وتنمية واقعهم الاجتماعي بما يشبع حاجاتهم الأساسية. وبالتالي، فمن المؤكد أن المنظمات غير الحكومية، ومنها منظمات حقوق الإنسان، التي بدأت تنتشر في الآونة الأخيرة في الدول العربية، تلعب دوراً أساسيا ومهماً في نشر ثقافة حقوق الإنسان، والدفاع عن قضايا حريته وكرامته، هذا بالإضافة إلى دور المنظمات غير الحكومية في زيادة الوعي بحقوق الإنسان وانتشار المعرفة بمبادئها. والقضية الأساسية في هذا السياق هي أن معرفة الإنسان لحقوقه خطوة أساسية في سبيل الحصول عليها، كما أن من فوائد تعليم حقوق الإنسان أنه سوف يساهم في إبعاد الناس عن الاهتمامات الشخصية الذاتية إلى اهتمامات إنسانية أكثر موضوعية، كما أن تعليم حقوق الإنسان يساعد على التطوير التنموي والسلام في العالم؛ فالعامل الذي تمتهن حقوقه، كإنسان يتجرد من جوهر الإنسانية، لا يمكن أن يعمل، وإذا عمل فإنه يعمل في خوف، والخائف لا ينتج، ولكنه إذا شعر بكرامته فإنه يمكن أن يعمل مهما قل المقابل؛ ذلك لأنه ينال معنوياً أضعاف ما خسر مادياً.
وبالتالي، فإذا وقف الإنسان العربي على مضمون حقوقه، فإنه سوف يبحث عن هذه الحقوق بغية الحصول عليها، وتأكيدها، وتبنيها. أما إذا ضاعت هذه الحقوق فإنه لا يبقى للإنسان من كيانه سوى الوجود المادي الضال، أما الوجود المعنوي القادر على الخلق والإبداع الحضاري فإنه يختفي تحت تأثير الضياع النفسي بمجرد الإحساس بهذا الضياع.
وفي ضوء ذلك يصبح النظر لحقوق الإنسان كموضوع أساسي للمنظمات غير الحكومية، وبخاصة منظمات حقوق الإنسان، مرتبطاً بالأهداف التالية:
1- نشر الوعي العام بهذه الحقوق، وذلك عن طريق عقد المؤتمرات والندوات وورش العمل.
2- الإسهام من خلال منظمات حقوق الإنسان في العالم العربي بنشر ثقافة حقوق الإنسان العربي واحترامها، وخلق جيل يؤمن بهذه الحقوق ويدافع عنها.
3- التعاون بين منظمات حقوق الإنسان العربية والهيئات الأجنبية والدولية المعنية بحقوق الإنسان.
4- تقديم معرفة عن حقوق الإنسان في أبعادها القومية والعالمية؛ للمساعدة في وضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان، أو التخفيف من حدتها على الأقل.
5- العمل من أجل تطوير شخصية الإنسان العربي تطويراً كاملاً، ومساعدة الأفراد والجماعات على أن يعوا حقوقهم وحقوق الآخرين.
6- الاهتمام بخلق الوعي الاجتماعي والثقافي لدى الإنسان العربي بشأن العلاقة الوثيقة والمتبادلة بين حقوق الإنسان من جهة والتنمية المستدامة من جهة أخرى؛ وذلك لأن مجتمعنا يتوقع منا أن نساعد الجيل الجديد في معرفة كيف يسلكون إزاء حقوقهم وحقوق الآخرين، ولاسيما وأن تعليم حقوق الإنسان يجعل الإنسان يعرف حقوقه، وفي نفس الوقت يغرس فيه احترام حقوق الآخرين. يضاف إلى ذلك أن التطور الكامل لشخصية كل فرد هو هدف منظمات حقوق الإنسان والمؤسسات التربوية، ولا يمكن تحقيقه ما لم تتوفر الحرية، وما لم تُحترم جميع الحقوق الثمينة للإنسان احتراماً كاملاً على مستوى الدولة الواحدة وفي العلاقات الدولية.
ولأهمية حقوق الإنسان، والحاجة القصوى إلى احترامها؛ اتجهت الأنظار إلى الدعوة للدفاع عنها، ودعمها، ونشرها. ولقد عقدت لهذا الغرض المؤتمرات، والندوات المحلية والإقليمية والدولية، وخاصة منذ المؤتمر الذي دعت إليه منظمة اليونسكو، والمنعقد في (فينيا في سبتمبر عام 1978م)، وما أصدره من توصيات في مجال نشر ثقافة حقوق الإنسان وتعليمها وتدريسها، وهذا يتطلب ضرورة ربط معرفة حقوق الإنسان بالقيم الأصيلة لمجتمعاتنا؛ فليس الهدف من معرفة حقوق الإنسان هو تدريس مقرر جامعي يستذكره الدارسون ليؤدوا فيه الامتحان، وإنما الهدف هو تربية الشباب على احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وترسيخ الإيمان بها.
وهنا يجب التركيز في مجتمعاتنا العربية على فكرة الحاجات الأساسية، وهي تمثل الحد الأدنى الذي يضعه المجتمع لاحتياجات البشر المادية والمعنوية، والتي تشمل: الغذاء، والملبس، والمأوى، والعمل، والخدمات الضرورية في النقل والصحة والتعليم، كما تشمل مساهمة الناس عن طريق المؤسسات والمنظمات غير الحكومية في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم ومصير مجتمعاتهم؛  لأن مبادئ حقوق الإنسان تتخطى كافة الحدود والجهات السياسية، وتنادي ضمير كل إنسان ومواطن في العالم، بصرف النظر عن اعتبارات الدين أو الأصل أو العقيدة السياسية.
وهذه المبادئ تؤكد ـ بلا استثناء ـ على وحدة الجنس البشري، وتدحض التشتت والتفرقة بفعل الروح القومية التي سادت منذ القرن الثامن عشر، وأدت إلى تطور النظام العالمي. ولسنا نغالي في أهمية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في ديسمبر عام 1948م، والذي يعتبر حجر الأساس في أنشطة الأمم المتحدة للنهوض بحقوق الإنسان ورعايتها، وبخاصة الحقوق المدنية والسياسية، والتي تشمل المواد (من 3 ــ 21 )، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي تشمل (المواد من 22 ــ 27 )، لكن رغم الأنشطة المتعددة للأمم المتحدة بغية النهوض بحقوق الإنسان ورعايتها لا يزال العالم يعاني صوراً مأساوية كثيرة من إهدار هذه الحقوق، بل إنكارها، مثل مفهوم السيادة الذي يشكل عقبة كؤودا تحول دون مراعاة حقوق الإنسان، فما زالت هناك أراضٍ محتلة في فلسطين، وتعاني من الاضطهاد الصهيوني، كما أن حقوق الأفراد لم تبلغ القدر الواجب لها عند ترتيب القيم القومية والآمال الوطنية. ومع ذلك فقد تطورت حقوق الإنسان في الآونة الأخيرة من مجرد العناية بالحقوق الفردية والمدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتشمل الحقوق التي تهتم بنوعية الحياة ذاتها، خاصة فيما يتعلق بالبيئة والتنمية البشرية المستدامة.
وعلى هذا يجب أن تلعب المنظمات غير الحكومية دوراً أساسياً فيما يتعلق بقضية حقوق الإنسان، وهو الدور الذي له جوانب عديدة، نذكر أهمها:
1- دور المنظمات غير الحكومية في نشر ثقافة حقوق الإنسان، سواء كانت الحقوق السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية أو المتعلقة بأهمية قيادة نوعية لحياة كريمة.
2- تمكين البشر من أجل الحصول على حقوقهم، وذلك انطلاقاً من أن للبشر مجموعة من الحاجات الأساسية، وأن إشباع هذه الحاجات بالمستوى الإنساني الملائم يعد حقاً من حقوقهم الأساسية.
3- الدفاع عن حقوق البشر، حيث تعد منظمات حقوق الإنسان أحدث التنظيمات التي ظهرت على ساحة المنظمات غير الحكومية التي تعمل على حماية حقوق الإنسان في مواجهة الدولة أو أحد سلطاتها، مثل الدور الذي يلعبه المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، وكثير من منظمات حقوق الإنسان القومية والإقليمية والعالمية، كما تعمل المنظمات الدولية لحقوق الإنسان في الدفاع عن مواطني دولة معينة في مواجهة السلطات القومية لهذه الدولة.
كما تعمل تنظيمات حقوق الإنسان على حماية حقوق الإنسان في مواجهة التنظيمات الإرثية، كحماية الطفل من سوء معاملته من قبل أسرته أو دائرته القرابية، وحماية المرأة من عنف الزوج أو أي شكل من أشكال العنف الذي يقع عليها.
المصدر: مداد