الدور الخيري في علاج الفقراء يتجلى أوروبيا ويُظلم عربيا..لماذا؟

أرشيفية

حكاية بالغة التأثير،  ذات حبكة سردية واقعية مؤلمة، قصها على مسامعي أحد أساتذة أمراض الكلى  عن لسان زميل له التقاه في أحد المؤتمرات الطبية بالسويد، حيث قال ـ والكلام على لسان زميله ـ أنه قبل عشر سنوات  كان زميله يترأس وحدة الغسيل الكلوي بأحد المشافي العمومية في وطنه، ووقتها جاءته مريضة مسنة من دولة عربية مجاورة مع ابنتها المتزوجة من أحد مواطني دولته  وحفيدها، كانت المريضة المسنة في حالة صحية متردية، وكانت في حاجة فورية لإجراء  غسيل كلوي، ولكن الطبيب كان قد اصطدم بقوانين وسياسات العلاج في بلاده، حيث إنه لا يجوز للأجانب أيا كانت  جنسيتهم  وهويتهم الحصول على العلاج والإسعاف في بلده، ولكنه قرر إجراء عملية الغسيل الكلوي لهذه المرأة المسنة  على مسؤوليته الشخصية، رافضاً إعادة إجرائها في المستقبل، تحت وطأة أي مسمى:( إنساني، ديني، أو مصاهرة وجوار)؛ لأن الأمر يصطدم بسياسات العلاج في المشافي العمومية، أو حتى  الخاصة التي كانت ـ غالباً ـ تتحفظ  على علاج الأجانب. ومن المؤلم أن هذه السياسات كان للطبيب نفسه علاقة مباشرة باتخاذها وتحديدها، مطالباً المرأة بالعودة إلى وطنها؛ لأن حالتها أصبحت مزمنة، وحاجتها لإجراء عملية الغسيل الكلوي صارت حتمية اعتيادية لا غنى لها عن إجرائها باستمرار حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، مؤكداً أنه لا يمكنه التحايل على القوانين والسياسات الجامدة أيّا كان الأمر؛ لأن المرأة في هذا الوقت كانت مطالبة بأن تتخلى عن استقرارها في وطنها الجديد، الذي لم تحصل ذات يوم على أوراق تثبت انتسابها إليه على مدار ثلاثين عاماً، وكانت مطالبة ـ أيضاً ـ أن تتخلي عن الحياة وسط أحفادها وابنتها الوحيدة لتعود إلى وطن هجرته منذ عقود بعيدة؛ لتتلقى العلاج دون رفيق ودون صحبة. ولكن الطبيب عندما هاجر إلى السويد، واستقر في عمله في أحد مشافي الكلى هناك، كان شاهداً ـ أيضاً ـ على حالة مشابهة، ولكنها سارت في اتجاه معاكس لما كان يتخيله ويتوقعه، لتصير قصته السابقة التي عاصرها في وطنه مصدر تأنيب وشعور بالذنب وألم مستمر؛ ففي السويد يخترق الفقراء الروس الحدود بطرق غير شرعية   للعمل على التقاط  فطر (عش الغراب) بأنواعه المختلفة، والعودة به  وبيعه في روسيا، وتحت وطأة الجوع  تناولت إحدى الشابات الروسيات نوعاً ساماً من أنواع الفطر، الأمر الذي أوداها إلى الدخول في حالة إعياء شديدة وغيبوبة تامة، انتقلت على إثرها للمستشفى، وفي المستشفى بدت الحالة سيئة، وكان الفطر السام قد تمكن من الشابة وأصاب الفشل إحدى كليتيها، والكلى كانت تحتاج إلى الغسيل الفوري، وفي الصباح التالي بعد أن تعافت الشابة اصطحبت إدارة المستشفى المترجم الروسي ليكون همزة الوصل بينها وبين الشابة؛ لكي يتم الاستفسار منها والاطمئنان على مستقبلها الصحي،  سيما وأن حالتها صارت بلا شك مزمنة، وستحتاج إلى إجراء الغسيل الكلوي على الدوام، ولكن الشابة أكدت أنها ستعاني كثيراً في  وطنها) روسيا)؛ حيث إن أقرب مستشفى يبعد عن مسكنها 380 كيلو مترا ـ كما قالت ـ، كما أنها ستنتظر دورها كغيرها من مرضى الكلى لإجراء عملية الغسيل، وأنها قد تفقد حياتها مقابل ذلك. انزعجت إدارة المستشفى لهذا الكلام،  الذي أثار نوازع الرحمة والإنسانية في القلوب التي ننعتها بالقسوة، وقرر مدير المستشفى محادثة الجهات المختصة في أمرها؛ لتحصل الشابة الروسية في طي ثلاثة أيام على الجنسية وجواز السفر السويدي، بل ويوضع اسمها على القائمة الأوروبية من محتاجي عمليات زراعة الكلي، وفي ظرف 45 يوما يواتيها الحظ، وتزرع لها الكلية الجديدة، لتمارس حياتها أفضل وأروع مما كانت تريد وتحلم. وهذا ما أبقى على الألم  الحاد في أعماق الطبيب العربي المسلم، وجعله إلى الآن ـ والكلام على لسان زميله ـ يعيش في حالة تأنيب ضمير مستمر، وشعور بالذنب لا يغادره، رغم أن حياته العملية في السويد تبدلت من سياسات عامة وقوانين إلى إنسانيات وأخلاق ومباديء.
 
    ولكن هل الإنسانيات في الطب والعلاج تحتاج لكي يتم تأصيلها في بلادنا إلى مثل هذه المواقف المؤلمة للقلوب والضمائر.
 
   بلا شك: لا، ولكنها تحتاج أن تبقى فوق قائمة الأولويات والواجبات الأساسية التي لا بد أن يُقدم من أجلها العلاج. الإنسان أولاً وأخيراً وقبل كل شيء، أيّأ كانت جنسيته ولونه وطبقته الاجتماعية.
 
     ولكن يتبدى سؤال ملح: هل هناك تقصير من قبل الجمعيات الخيرية في إكساب الأطباء والعاملين في حقول الطب والعلاج  ثقافة إنسانية خيرية مفادها العمل من أجل الإنسان ..؟
     والحقيقة التي لا يمكن إغفالها: بالفعل إن الجمعيات الخيرية في أوطاننا، وفي هذا المنطلق، تعتبر متأخرة  إلى حد ما  لأسباب كثيرة، نذكر بعض نقاطها لعلنا نصل إلى حل ناجع:
 أولاً: لأنها تعتمد وببساطة على الثقافات والنوازع الفطرية، ومباديء العروبة والقيم الإسلامية الراسخة، التي ينشأ ويتربى عليها الإنسان في أوطاننا، يعلم هذا ويستوعبه الأطباء والعاملون في حقول الطب والعلاج، دون النظر إلى ما قد يصيب أو يعتري النفس الإنسانية من عوامل خارجية تؤثر على نقائها وطبيعيتها؛ فيكون من الصعب عليها أن تتأثر بسهولة بمثل هذه المواقف التي يتجلى فيها الضعف والحاجة الإنسانية الملحة جراء المرض، وبالتالي يحدث التواكل. وهنا، فإن الأثر الأكثر ألماً يقع على الإنسان المريض، خاصة  إذا كانت السياسات العلاجية التي ينتهجها الأطباء والمشافي ظلامية. ولهذا؛ فمن الواجب أن نتحدث على عملية تسويق جديدة وكبيرة للقيم الإنسانية، التي من الضروري أن تجنب مجتمعاتنا مثل هذه الظواهر السلبية والبغيضة  في ذات الوقت،  عن طريق التذكير الدائم بهذه القيم في المدارس والمعاهد والجامعات، وإقامة اللقاءات مع الأطباء ومديري المشافي والعيادات العامة والخاصة، وغيرهم؛ لتوعيتهم بأهمية وسمو ما يقدمونه من أجل الإنسانية.
 
 ثانيا: عدم قدرة الجمعيات، نظراً لنقص الدعم والإمكانيات، على العمل على فرض سياسات تعمل على الدوام في صالح المرضى وذلك بتقديم الرعايا العلاجية  المناسبة لفئات معينة من البشر كالفقراء والأجانب، وعدم قدرتها  إلا على استحياء، وبدعم وتعاون خارجي من منظمات أو مؤسسات عالمية، على الانطلاق نحو البسطاء خارج النطاقات الإقليمية للمساهمة والعمل على القضاء على أنواع الأمراض التي باتت قريبة من اختراق الحدود، لذا فإنها تكتفي بتلقي التبرعات وصور الدعم الذي ما زال محدوداً، وبثها في صور سائلة ومباشرة، دون النظر إلى بعيد، وضرورات الارتقاء والتطوير من أجل المرضى، الذين هم جزء لا يتجزأ من المجتمع، والجسد الواحد المتكامل الذي "إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". 
 ثالثاً : رغم انتشار وكثافة الجمعيات الخيرية التي تعمل من أجل المرضى، لم يظهر على الساحة العلاجية إحداها، بأن احتكرت صناعة نوع معين من أنواع الأدوية لصالح المرضى والمستشفيات الخيرية، والعمل على تقديم العلاج عن طريق دعم صناعته؛ لتجنبهم آلام المرض وسعر العلاج في نفس الوقت. وهذا الفعل يبدو واضحاً في الدول الأكثر تقدماً؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية احتكرت  جمعيات أصدقاء القلب هناك نوعاً من أنواع العلاج، وطورت استخدامه،  وقللت تكلفته من أجل المرضى، لتصير الحبات التي يتناولها المريض لواصق علاجية توضع بأمان على ذراع المريض، ويمتد أثرها الفعال لمدة 24 ساعة، وتقل تكلفتها بنسبة 75% ؛ وذلك لأن العلماء في هذه الجمعيات الخيرية وغيرها  يعرفون تمام المعرفة أن الحكومات عندما تتدخل في صناعة الدواء لصالح مشافيها فإنها تقلل من فاعلية الدواء من أجل صناعة كميات وأعداد أكبر، وهذا ما يطيل من آلام المرضى، ويقلل كثيراً من عمليات الشفاء السريع.
رابعاً: ندرة رعاية الجمعيات والمؤسسات الخيرية للحملات العلاجية المكثفة للانطلاق تجاه الأماكن البعيدة والنائية؛ لتشخيص الأمراض، وتقديم العلاج للفقراء والبسطاء في هذه الأماكن.
 خامساً: صعوبة تدخل الجمعيات الخيرية لصالح المرضى لدى شركات الأدوية لخفض أسعار العلاج، خاصة في الأمراض الجديدة والنادرة والمزمنة، وبالتالي  يكون مثل هؤلاء المرضى فريسة سهلة تحت وطأة الألم، لتلتهمهم شركات الأدوية الطامحة للحصول على الربح والأموال، ولو كانت على حساب المعاناة والألم.
سادسا: عدم وجود مندوبين ومبعوثين من قبل تلك الجمعيات  والمؤسسات التي تعمل في إطار العمل الأهلي في المؤسسات العلاجية الكبرى؛ لتمارس دوراً رقابياً يجب أن يُفعل لكي تصل حقوق العلاج والرعايا للمحتاجين والفقراء، فحق العلاج يعتبر من أهم حقوق الإنسان التي لا بد أن يحصل عليها متى كان في حاجة إليه، في أي وقت وفي أي مكان، يقول الله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم). ومن القاسي جداً أن يكرم الله الإنسان من فوق سبع سموات  ويجرده أقرانه من هذه التكريمات والحقوق، تبعاً لتصنيفات وتقسيمات غير عادلة ـ كاللون، والجنس، والطبقة، أو الهوية.
سابعاً: عدم قدرة الجمعيات والمؤسسات الخيرية على إنشاء الصروح والمستشفيات المتخصصة ودعم الأجهزة، وكذلك إعداد وتجهيز الأطباء والكوادر الطبية المتميزة.
  
ولهذه الأسباب، ولأسباب أخرى؛ فإن الظواهر العلاجية المظلمة ستبقى آلاماً تنخر في أجساد المرضى حتى تجد من يستطيع العمل  والقضاء عليها في إطارات إنسانية وخيرية كانت، أو في إطار قوانين وقرارات ملزمة، أيهما أقرب.
والله من وراء القصد
المصدر: مداد