أرشيفية
رغم ضآلة وشح الدراسات والمقالات التي تناولت "المسؤولية الاجتماعية للشركات"، المدونة باللغة العربية (CSR Corporate Social Responsibility)، فإن الملاحظ أنها في الأغلب ناقشت أمورا هامشية، أو تناولت مسائل فرعية بعيدا عن الجوانب العميقة التي يجب أن تثار، سواء على المستوى النظري لمصطلح وافد إلينا من بيئة غربية، أو ما يتعلق بتنزيله بصورة فاعلة على المستوى التطبيقي.
وقبل أن نخوض في النقاط المهمة التي يجب أن تناقش في الإطارين العربي والإسلامي فيما يخص المسؤولية العامة للشركات، من المهم أن نشير إلى بعض تعريفاتها، والظروف التي أدت إلى بروز هذا المصطلح في العالم الغربي. فقد عرف مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة المسؤولية الاجتماعية على أنها: "الالتزام المستمر من قبل شركات الأعمال بالتصرف أخلاقيا، والمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية، والعمل على تحسين نوعية الظروف المعيشية للقوى العاملة وعائلاتهم، والمجتمع المحلي والمجتمع ككل".
لقد ارتبط هذا المصطلح، الذي شاع في التسعينات من القرن الماضي، بالعولمة التي وسّعت من التفاوتات بين البلدان النامية والبلدان المتقدمة النمو، وبين الأغنياء والفقراء داخل البلدان ذاتها. فإلى جانب الفرص الكبيرة جدا والأرباح الهائلة للشركات، كانت هناك طلبات متزايدة، من داخل قطاع الأعمال التجارية وخارجه، تدعو الشركات إلى أن تعمل في إطار مجموعة من القواعد الاجتماعية المعترف بها عالميا، وتذكرها بمسؤولياتها الأخلاقية؛ حتى لا يكون تحقيق الربح عائدا عن تشغيل الأطفال والإخلال بالمساواة في الأجور وظروف وشروط العمل. وقد اكتسب الدور الاجتماعي للشركات والقطاع الخاص أهمية متزايدة بعد تخلي الحكومات عن كثير من أدوارها الاقتصادية والخدماتية.
وارتبط الأمر بمبادرات أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة في عام 2000، تلزم الشركات بتنفيذ المبادئ العالمية التسعة المستقاة من مصادر الأمم المتحدة في مجالات حقوق الإنسان ومعايير العمل والممارسات في مجال البيئة. وقد وقعت ـ حاليا ـ على الميثاق أكثر من 1300 شركة، أغلبها من كبرى الشركات الكبرى العابرة للقارات.
بل إن ثمة من يرجع جذور المسؤولية الاجتماعية إلى القرن الثامن عشر وظهور الآلة التي أدت إلى تسريح العمال واستغلالهم من قبل النظام الرأسمالي، ومحاولات بعض أصحاب المصانع والأعمال تحسين ظروف العمال وأوضاعهم ما أدى إلى تحسين الإنتاجية.
لقد كانت المسؤولية الاجتماعية الوحيدة التي تقع على عاتق المسؤولين التنفيذيين في الشركات التجارية لدى كثير من الكتاب الاقتصاديين حتى النصف الثاني من القرن الماضي هي "زيادة ما تحققه شركاتهم من دخل إلى أقصى حد ممكن، وما يتكون من ثروة لدى حملة الأسهم "، كما ورد في كتاب " الرأسمالية والحرية" للاقتصادي الأميركي الشهير ميلتون فريدمان.
ويتضح بناء على ما سبق أن باعث القيام بالمسؤولية الاجتماعية في ظل الفلسفة المادية للحياة، هو معالجة فشل الرأسمالية في تحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان استمرار الشركات في مجال عملها على المدى الطويل، كما أنها تساعد في تعزيز مصداقية المنشأة والثقة في أعمالها، وتستقطب الكفاءات إليها.
أما في المنظور الشرعي الإسلامي، فباعث هذا الدور هو التكليف الشرعي الرباني الذي يقوم به الإنسان طلبا لثواب الله ورجاء بركته، ومناطه الأخلاقيات الإسلامية التي تأخذ بزمام كل فضيلة، فتجعلها مطلوبة؛ فبعضها على سبيل الاستحباب، وبعضها على سبيل التأكد أو الوجوب، على حسب المصالح المترتبة عليها في الدنيا والآخرة.
ولذا؛ فإنه لا يمكن حصر الأعمال الداخلة في نطاق المسؤولية الاجتماعية في الإسلام، وإن أمكن فرزها في مجالات؛ إذ كل المصالح التي حث عليها الشرع (إيجابا أو استحبابا) داخلة في نطاق هذه الشركات وقُدْرَاتها وأحوالها، وهي تقوم على ثلاثة أُسُس تظهر فيها فلسفة التشريع الإسلامي لهذا الدور، وهذه الأسس هي: الإيمان، والقسط، والتكامُل. (من دراسة للدكتور هاني الجبير عن المسؤولية الاجتماعية للشركات في المفهوم الإسلامي).
ومن النماذج التطبيقية لهذه المسؤولية دور التجار في نشر الدعوة والتعليم حتى في خارج بلدانهم، و"الوقف" الذي عرف بكثرته، وتنوع مصادره، وتعدد أهدافه ووجهاته، وشكل مرفقا حيويا مستداما للمجتمع للقيام بالوظائف العامة والأمن والرعاية الاجتماعية للفئات المحتاجة، إضافة إلى "الزكاة" التي تعد فريضة، و"الصدقات" التي يقبل عليها المسلمون زيادة عما افترضه الله ابتغاء الأجر، بما فيها الصدقة الجارية التي حث عليها الإسلام في حياة الناس وبعد مماتهم.
إن الأسئلة الجوهرية والمهمة ليست تلك التي يتم تداولها في الكتابات الصحفية والأدبيات العربية الآن، ومنها: بطء تطبيق هذه المسؤولية خليجيا وعربيا من قبل شركات القطاع الخاص، فضلا عن عدم دخولها المستوى الاستراتيجي في أنشطتها واهتماماتها المهنية، أو الخلط بينها وبين العمل الخيري والتطوعي، وغموض المصطلح لدى المتحدثين عنه أو الساعين لتطبيقه… ما هو مهم ـ في رأينا ـ هو فهم الخلفية الفكرية التي انبثق من رحمها هذا المصطلح، والظروف التي استدعته في الفكر الغربي، ومدى ملاءمته لبيئتنا، دون أن يعني هذا الأمر رفضا مطلقا لهذه المسؤولية؛ لأن الحكمة ضآلة المؤمن، مثلما لا يعني تسليما مطلقا بها .. إن المطلوب هو نقاش متعمق لمدى حاجتنا لهذه الأدوات الغربية في ظل أدوات نمتلكها أساسا، دون حرص منا على تفعيل الأخيرة في واقعنا، وعدم الانبهار بالمسميات الجديدة والقوالب الجذابة لهذه المصطلحات، والأضواء التي تسلط عليها، ودراسة إمكانية تطوير نموذج خاص بنا يستفيد من المسؤولية الاجتماعية للشركات الذي يتبناه الغرب بآلياته الحديثة، ويستوعب في نفس الوقت تراثنا الإسلامي وما تتمتع به منطقتنا والشركات العربية والإسلامية الخاصة من قيم نابعة من هويتنا وأخلاقنا وعقيدتنا، أو قيم عربية أصلية جبلت عليها كالكرم، وإغاثة الملهوف، وحب الخير، وما تمتلكه من نماذج قابلة للتطبيق في هذا المجال.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70100
