أرشيفية
لا أعلم يقيناً، مثلما لا يعلم الكثيرون، الكثير من المعلومات عن المنابر الدائمة أو غير التقليدية التي تحث وتحض الإنسان في أوطاننا على التفاعل الإنساني والخيري لصالح الإنسان قدر معلوماتي عن أن أعظم المنابر وأجل النداءات تلك التي هبطت من السماء في الكتب والتشريعات المقدسة، التي مازال لها الأثر الأكبر والدائم في توجيه السلوك الإنساني إيجابياً ليستوعب مواقف وأدواراً ومشاركات تجاه فئات المجتمع المحرومة أو التي وقعت تحت وطأة المعاناة، بشكل يقضي على الحرمان، ويوقف المعاناة، ويواجه المشكلات؛ بغرض التقرب إلى الله تعالى الذي نادى من فوق سبع سماوات وحض على الخير الدائم، حيث قال تعالى: (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً).
وتستوعب الدعوة الإلهية الخيرية الإنسانية الأدوار التوعوية التي يقوم بها الدعاة وأئمة المساجد، والتي تخاطب الذات الإنسانية لتستنهضها لفعل الخير الدائم الذي تحض عليه التعاليم الإسلامية السمحة، ولكن الأئمة والدعاة، في إطار العمل الدعوي الذي يهتم بتقديم وترقية ودعم العمل الخيري بما فيه العون والغوث ومساعدة الفقراء والمنكوبين تحت وطأة كارثة طبيعية أو ما شابه ذلك، يلتزمون ـ غالباً ـ بأوقات ومواسم معينة، هي ـ غالباً ـ مواسم للخيرات والتقرب إلى الله بفعل الطاعات، كشهر رمضان المبارك والأعياد ومواسم الحصاد المعلومة في كل قطر باختلاف الأقطار والبلدان والمواعيد المتقاربة إلى حد ما.
كما أن الخطاب الديني يتكثف في أوقات الكوارث والنكبات الطبيعية، كالزلازل والسيول والفيضانات؛ لتحفيز الناس على المشاركة وتقديم الغوث والدعم السريع والتطوع والتواجد في قلب الحدث؛ لكي لا تتفاقم التأثيرات السلبية للكارثة وتطال الكثير من البشر أو البنى التحتية.
وسيزعجنا أن ندعي أن هناك تقصيراً في الخطاب الديني والدور الدعوي ذي الأثر الأكبر والأعظم والأهم في استنفار عناية العامة لتقديم الخير؛ إذ إن ذلك الذي لا يمكن أن ندعيه على الإطلاق، كما أنه لن يحدث في أمة منهجها هو التقوى والصلاح والخير العام والدائم كما أمر الله ـ سبحانه وتعالى من فوق سبع سموات ـ، ولكن الأمر الدعوي الخيري لا بد أن يدخل في طياته أن الداعي إلى الخير أبداً لا يمل؛ لذا يجب أن يكون هناك استنفار دائم من قبل الدعاة والجهات الدعوية الرسمية لتوجيه العامة التوجيه اللازم والدائم بما يجعلهم يقدمون طوال الوقت على دعم الخير بأشكاله وصوره المختلفة، ولأنه سيكون من المزعج حدوث الكارثة أو الوقوع تحت وطأة العوز والحاجة لكي يعتلي الأئمة والدعاة المنابر ليستجيب الناس بشكل جزئي أو بشكل نموذجي، ولكن الحقيقة المزعجة أن الألم سيكون أكبر.
ولهذا؛ فإن من حتميات التطوير أن يكون الدور الدعوي الخيري دوراً يعمل بطريقة ازدواجية حاضرة، حيث يمضي في طريقه الدائم نحو العمل على مساعدة الفقراء والمحتاجين، والقضاء على الفقر، وإحداث الكفاف، وبطريقة استشرافية لاستدراك المستقبل عن طريق العمل على درء أو العمل من أجل إزالة ما قد يتعرض له الإنسان من مشكلات وكبوات، وما قد تتعرض له الأوطان ـ لا قدر الله ـ من كوارث طبيعية عن طريق التدريب الدعوي لدعم الهيئات التي تعمل في مثل هذا الإطار.
ولكن المزعج حقيقة أنه رغم الأيادي البيضاء الكثيرة، ورغم الدور الدعوي الكبير الذي لا يتوقف، فإننا نرى أن الترويج والتسويق ما يزال يحتاج إلى جهود مضاعفة لإحداث القفزة السلوكية الإيجابية التي تتناسب وتتماشى مع وضع وحاجة الإنسان في أوطاننا العربية والخليجية، وما يزال الغموض يعتري الكثير من مصطلحات العمل الخيري في شكله الحديث، كالمؤسسات والجمعيات الخيرية ومواقع الإنترنت الخيرية، فما يزال الكثير من العامة لا يعلمون أن مثل هذه المؤسسات والجمعيات الخيرية تعمل في قوالب اجتماعية أهلية بعيداً عن السياسات الحكومية، بعيداً عن القرارات والقوانين الرسمية الجامدة سوى تلك التي أنشئت بموجبها، وأن إدارتها موكولة لأفراد هم ـ غالباً ـ مساهمون في إنشائها بشكل أو بآخر، ولكن احتكار اقتران شخصيات عامة وكبيرة قريبة من الأنظمة السياسية وبروزها على الساحة الخيرية بنفوذها وشخصياتها الاقتصادية يوقع الكثير من العامة في لبس، ويجعل التفاعل والدعم دون المطلوب؛ حيث يظن الكثيرون أن مثل هذه المؤسسات والجمعيات الخيرية تحت رعاية رسمية، ولن تحتاج للكثير من الدعم الأهلي من قبل أفراد المجتمع، كما يظن آخرون أن مثل إنشاء هذه المؤسسات من قبل مثل هذه الشخصيات ذات الثقل والحجم العام ما هي إلا واجهة اجتماعية ليس إلا، دون أن يدركوا أن مثل هذه المؤسسات والجمعيات تحتاج إلى الكثير من الدعم والتعاون والتفاعل والتنمية لكي تساهم في إحداث أكبر النتائج الإيجابية التي تعمل في صالح الإنسان والمجتمع، رغم أنه لا يمكننا إغفال دور هذه المؤسسات في دعم وترويج العمل الخيري والإنساني، كما أن الكثير من هذه المؤسسات والجمعيات تلتزم بقوالب متحفظة، وتحجم عن الترويج عن نفسها بالشكل المناسب؛ فتبقى مواردها حملا ثقيلاً في بعض الأحيان على كاهل مؤسسيها؛ مما قد يهدد طريقها في الوصول إلى الأهداف التي أنشئت من أجلها، وهذا ما لا نرجوه.
ومن الأدوار الخيرية التي ما زال الإقبال عليها في بلداننا دون المستوى ودون المرجو والمأمول هي الأعمال التطوعية، بما يحوط مصطلح (تطوع) من رهبة وسوء فهم من قبل العامة؛ نتيجة لسوء التسويق من قبل المؤسسات التي تنتهج هذا النهج وتسير على مثل هذا الدرب، فما زال الكثيرون يتحفظون لأسباب غير مفهومة ولا مقنعة ـ رغم أن لديهم الجهد وسعة الوقت ـ عن الأعمال التطوعية، والكثيرون لا ينخرطون فيها دون استفادة مباشرة ولو كانت الاستفادة مجرد أشياء زهيدة كالملابس والأطعمة، أو اشتراط أن يكون مكان التطوع بالقرب من المسكن، وسيصيب المتطوع استفادة ما نظير القيام بدوره.
كما أن كلمة (متطوع) ليست بسيطة في أذهان الكثيرين؛ فهي مرتبطة ـ من وجهة نظرهم ـ بالحروب والجهاد؛ وهذا يقلل من أهمية الدور الذي ينادى للقيام به من قبل المتطوع، ويقلل من قدسية الكلمة الكبيرة من وجهة نظرهم. ولهذا؛ فإننا ننادي بإعادة تسويق مثل هذه المصطلحات بالشكل الذي يحقق استيعابها وتأدية واجباتها من قبل العامة والخاصة؛ لكي تتحقق الإفادة والاستفادة اللازمة، ويتحقق الإقبال الكبير على العمل الخيري والإنساني لصالح المجتمع الإنساني في أوطاننا.
مواقع الإنترنت الخيرية
تزخر الشبكة العنكبوتية بمواقع الجمعيات والمؤسسات الخيرية ومواقع المستشفيات، وكذلك المواقع المتخصصة ـ فقط ـ في الإعلان عن المشكلات والحالات التي يدعمها العمل الخيري بأي من صوره، وهي تسعى دائماً كالعادة لاستقطاب فئات معينة من الناس من مرتادي الإنترنت، وهم لا بد أن يكونوا على علم سلفاً بمثل هذه المواقع؛ لأنها لا تتاح أمامهم مثل هذه الصفحات، ولا تفتح دون علم مسبق أو روابط تسويقية أو تعريفية، كما أن هذه المواقع قد تكون بسيطة، ومن صفحات قليلة؛ لذا فإنها لا تجذب المتصفحين بالشكل المطلوب واللازم، والكثير منها تخفي واجهته الرئيسة العديد من الإعلانات التي وإن كانت لا تخرج عن النهج الخيري الذي أنشئت من أجله لكنها تبدي إلحاحاً قد يكون غير مقنع؛ فيقلل من مصداقية المسعى النبيل الذي تعمل من أجله.
العمل الخيري والبث التلفزيوني
من العجيب جداً أن البرامج التلفزيونية التي تتعلق بالنواحي الإنسانية، والتي تتعرض للمشكلات المتراكمة في أوطاننا وتسلط الأضواء عليها لتفرج عن الناس وتحل المشكلات، هي التي تتمتع بجماهيرية عريضة، وهي التي يصل مقدموها لمصاف النجومية، ويحصدون الجوائز الكبرى في (التنمية البشرية) داخل النطاقين العربي والعالمي، وما زالت لم تشجع أصحاب القرار على إنشاء صرح إعلامي تلفزيوني متخصص في العمل الخيري والإنساني، يقدم الصور والحالات الإنسانية الأحق بالرعاية والدعم، وفق خطة إعلامية خيرية متوازنة، ويُعَرِّف بالجمعيات والمؤسسات والهيئات الخيرية المنتشرة، ويساهم في رصد المشروعات الخيرية الكبرى وتحركات المتطوعين في شتى الأقطار، ويجعل الجماهير تتفاعل مع الأحداث الخيرية بإيجابية وسرعة وخيرية ليست مستغربة ولا بعيدة عن الناس في بلداننا، وتحتاج فقط من يستنهضها.
وفكرة إنشاء قناة تلفزيونية تروج وتعرض لمثل هذه الأعمال الخيرية، خاصة في ظل مشكلات تهدد الإنسان في آدميته وإنسانيته، وتحاول سحقه في هذا العصر، فكرة عصرية ستؤتي أكلها ـ بإذن الله ـ؛ إذ ستساهم في جلب الحل الفوري؛ فالخير في أبناء الأمة لا ينقطع، والأيادي التي ستمتد إلى الغوث والدعم والمنح كثيرة، كما أن فكرة إنشاء مثل هذه القناة ليست فكرة والسلام؛ فهي من الناحية الإنسانية ستنجح كثيراً؛ فالبرامج الإنسانية في المحطات المتنوعة تنجح كثيراً؛ لأن الكثير من البسطاء والمانحين ـ كل في مكانه ـ يسعده أن يشاهد؛ فالداعم أو المانح يرغب في عمل الخير، والبسيط الذي وقع تحت وطأة حاجة يجلس للمشاهدة يترقب على أمل، كما أنها ستؤدي ـ بعد وقت طويل ـ إلى تهميش الفوارق بين طبقات المجتمع، والتقريب بين الناس، والقضاء على الإحباط الاجتماعي، خاصة إذا ازدادت الأيادي البيضاء التي تسعى لفعل الخير. والقناة هنا يكفيها المساهمة في كف دمع طفل يتيم، أو مساعدة أرملة، أو تقديم وجبة لجائع محتاج، كما أنها من الناحية المادية الربحية ستكسب كثيراً ـ لو ترغب ـ في ظل الشرعية والمنافسة الإعلامية الشريفة، ولكن يجب أن يظل السعي وراء الترويج للعمل الخيري والتطوعي، وتقديم المساعدات لأبناء هذه الأمة، والقضاء على البطالة، وتنمية الشباب، والعمل على دعم المشروعات الصغيرة، هو هدفها الأسمى والأكبر والأهم. فالعمل الخيري ـ بمؤسساته، وجمعياته، وأفراده، ومحتاجيه ـ في حاجة ماسة لإنشاء قناة تلفزيونية تعمل و تساهم في زيادته وترقيته وتطويره، وإظهار الحقيقة للمانحين؛ ليتيقن كل فرد يدعم أو يمنح أو يقتطع من وقته وجهده أن ما قدمه ـ ولو كان بسيطا ـ قد نفع به محتاج، أو كُفّ به دمعة، أو أُوْقف به نزيف، أو بُني به مسجد، أو ساهم في إنشاء أسرة، أو فُتِح به باب من أبواب العمل والرزق لمتعطل أو مفلس على شفا الانحراف والفساد، فليس هناك شيء يسر في هذه الدنيا أسمى من ذلك.
كما يحتاج أمر إنشاء مثل هذه القناة إلى مانحين لا يهمهم الربح كثيراً، رغم أنني أرى أن البداية ستكون موفقة، وأن الربح مضمون لا جدال في ذلك، ولكن العمل الإعلامي في مثل هذه القناة يحتاج إلى إعلاميين على قدر كبير جداً ومتميز من الاحترافية؛ ليجعل القناة تخترق قلوب البسطاء بشكل لا يثير الدموع بقدر ما يثير القلوب الرحيمة أن تساهم في إعادة الأمة عبر الأعمال الخيرية التي ينادي بها الإسلام إلى مكانتها المرموقة؛ لذا يجب اختيار إدارة التحرير على قدر كبير من العلم بهذا الأمر.
الصورة الحية هي الأكثر تعبيراً اليوم وعلى مر العصور، وأكثر قوة من الكلمة؛ ففي فلسطين، ورغم الاستغاثات التي ظلت تنادي برفع البطش الصهيوني عن الناس العزل البسطاء، فإن العالم لم يصدق أن هناك ظلما وبطشا واقعا عليهم فعلياً إلا عن طريق الصورة الواقعية التي تنقل القصف والقتل والترويع، ولعل صورة الطفل الشهيد الأعزل محمد الدرة، التي التقطها مصور التلفزيون الفرنسي، هي الأشهر في نقل مثل هذه الحقيقة. كما أن مثل هذه الصور ستظهر مدى الحاجة، وستظهر المانحين الذين تتوق أنفسهم للعطاء وكف البؤس والعوز والألم، كما أن نجاح القناة واستمراريتها مرهون بجوانب متعددة:
أولاً: إيمان داعميها بقضايا العمل الإنساني والخيري، والعمل النزيه بإنشاء إدارة متخصصة في تقديم المنح والمساعدات إلى أصحابها ومستحقيها؛ لتكون بذلك همزة وصل بين المانح والمحتاج المتلقي.
ثانياً: إدارة إعلامية متميزة، وتقديم صورة غير تقليدية تستفزك لتقدم الخير دون أن تثير دموعك، ومع الأيام تؤدي بك إلى الملل والانقطاع عن المشاهدة. وأرى ـ من وجهة نظري ـ أنها تحتاج لخبرات إعلامية كالموجودة في الصروح الإعلامية الكبيرة، كما أنها يجب أن تهتم بالبرامج التي تجذب الأعداد الكبيرة من الشباب، وتقدم برامج تشويقية وتنافسية وبرامج المسابقات، كما أنني أود أن تكون البداية والعمل من أجل ذلك قريباً.
ثالثاً: إنشاء إدارة منفصلة، يكون من أهدافها العمل والمساعدة على تلقي التبرعات والأوقاف والمساعدات؛ لتقديمها لمستحقيها، ولأصحاب الحالات التي سيتم تقديمها، أو للمتطوعين، أو كل ما يصب في إطار العمل الخيري.
المصدر: مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70101
