(الأخوَنة)..سيرة مصطلح

اعتصام جماهيري كبير في مصر يدعم الشرعية برئاسة محمد مرسي- أرشيفية

ما إن يزداد الصراع السياسي سخونة حتى يتكرّس الاتكاء على مقولات هشّة وتضخيمها؛ سعياً إلى تحنيطها في لبوس الحقائق أو المسلّمات.
تمثِّل مقولة "الأخونة" تجسيداً ملموساً لذلك. فبغضّ النظر عن العقل الذي تفتقت عنه هذه المقولة الواهية؛ أحرز هذا المصطلح رواجاً هائلاً في أوساط إعلامية متحفِّزة ضد تجربة "الأخوان المسلمين" وحزب "الحرية والعدالة"، وفي أوساط سياسية استسلمت سريعاً لطقوس التشنّج والقطيعة، بل تسرّب المصطلح إلى أوساط محسوبة على مراكز الفكر وبيوت الخبرة عبر العالم العربي، كما تبنّاها معلِّقون غربيّون تبعاً لذلك.
يقصد القوْم بهذه "الأخونة"؛ عملية الاستحواذ على الدولة من جانب الطرف الذي حقّق فوزاً في الجولات الانتخابية التي شهدتها مصر بعد ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011؛ بدءاً من مجلس الشعب وانتهاء برئاسة الجمهورية.
ومن يتتبّع الجدل الصاخب بخصوص هذه المسألة؛ يصادف وفرة من الاتهامات والمزاعم، جاءت أحياناً مشفوعة بوقائع أو معطيات عددية تفتقر إلى التوثيق الجادّ والبراهين القطعية. وسرعان ما تحوّلت اتهامات "الأخونة" إلى حمّى عارمة، عبّرت عن نفسها في محافل شتى، إلى حدّ استخدامها في تجاذبات داخلية في الكنيسة القبطية تحت لافتة "لا لأخونة الكنيسة" التي تمّ رفعها يوماً ما.
وإن عبّر إطلاق مصطلح "الأخونة" عن مقاصد شتى، كالمخاوف الواقعية أو غير الواقعية من هيمنة تيّار بعينه على مفاصل الدولة؛ فإنّه يشي أيضاً برفض استباقي من جانب "النظام غير المرئي" لعملية التغيير في مرحلة التحوّل التي يُفترَض أنّ مصر كانت تشهدها في عام الديمقراطية البائد. 
لعلّ أبرز ما تقوم عليه "الأخونة" المزعومة؛ هو إزاحة مسؤولين من مواقعهم لصالح قيادات وشخصيات من جماعة الإخوان المسلمين أو أنصارها. لكنّ فيض التحذيرات من هذه "الأخونة" لم تأتِ مشفوعة بشواهد يمكن الاعتداد بها. وحتى حالات الإزاحة والإحلال المعروفة فإنها أتت بوجوه من داخل المؤسّسات الحكومية غالباً وليس من "جماعة الرئيس".
ومن أبرز مُخرَجات هذه "الأخونة" المزعومة؛ إزاحة وزير الدفاع المشير طنطاوي من منصبه، ليحلّ في موقعه الفريق أول السيسي، وهو الذي انقلب في ما بعد على الرئيس والدستور والمؤسّسات الشرعية المُنتَخبة. ولاكتشاف عمق المفارقة؛ يجدر استذكار ما قيل عن السيسي ذاته في محطات سابقة بأنّه "من الأخوان"، وأنه جيء به إلى هذا المنصب ضمن حمّى "الأخونة" ذاتها.
لقد تجلّى وَهن مقولة "الأخونة" في الفعل الانقلابي الصادم، الذي جاهر بالإمساك بالدولة من شتى أطرافها بشكل سلس ودون الحاجة إلى إجراءات إزاحة تُذكر؛ باستثناء إخراج بعض الوزراء والمحافظين من مواقعهم إلى السجن، علاوة على اختطاف رئيس الجمهورية المُنتخَب، وقد اختفت آثاره من يومها.
بشيء من الواقعية تتكشّف هشاشة مزاعم "الأخونة"، ليس فقط من خلال تتبّع الوقائع بعين فاحصة وتحليلها بإنصاف؛ وإنما أيضاً بإدراك استحالة الالتفاف على تراتبية التصعيد الإداري في مؤسّسات الدولة المصرية. فباستثناء منصب الوزير؛ لا يمكن، غالباً، المجيء بوجوه جديدة لتقلّد مواقع الإدارة العليا في أيِّ من الوزارات؛ إلاّ من خلال سلّم الترقيات الإدارية ضمن الجهاز الحكومي ذاته. ولمّا كانت المستويات العليا في الوظيفة العمومية شاهدة على فعالية نظام الامتيازات الذي اعتمده "الحزب الوطني" المنحلّ، وعلى إقصاء التيار الإسلامي بصفة خاصّة؛ تكون "أخونة" الدولة أبعد منالاً ممّا يمكن توقّعه في سنة أو سنتيْن أو حتى أربع.
لا ريب أنّ مقولة "الأخونة" جاءت حالةً تطوّرية لما عُرف في غابر الأيّام بفزَاعة الإخوان، التي دأب عهد مبارك على التلويح بها في حملاته ضد كبرى القوى السياسية والاجتماعية في مصر. وتأسيساً على حمّى الرُّهاب تلك؛ تمّ القذف باتهامات "أخونة الدولة" في وجه الدكتور محمد مرسي بينما كان يهمّ بولوج قصر الرئاسة.
كان واضحاً لأولي الألباب أنّ الاتهام بـ"الأخونة" قُذِف به في وجه التحوّل الديمقراطي في صيغة حملة استباقية، سعت لإعاقة أيِّ بوادر إصلاحية في هياكل الدولة والمؤسسات العامّة. لقد وضع القائلون بهذا الاتهام "جدول الأعمال" في جوْلات الجدل العامّة ضمن الساحة المصرية خلال عهد الدكتور مرسي، فأرغموا المعبِّرين عن الشرعية على الانخراط في مرافعة دفاعية بدلاً من الانشغال بشرح "مشروع النهضة" وتنزيله في الواقع. وكان مثيراً للعجب أن تنزلق أطراف عدّة إلى التورّط في هذه الحملة؛ بما فيها "حزب النور" ذاته بدءاً من شهر شباط/ فبراير 2013.
ولأنّ "الأخونة" تعبِّر عن الاستحواذ على السلطة والاستفراد بالحكم؛ فإنّ الاتهام بها يُراد به أيضاً عزل الأخوان عن شركاء الساحة وإضعاف قدراتهم التحالفية، علاوة على تحميلهم مسؤولية الحالة الراهنة في عيون الجمهور. بهذا؛ يمكن اختزال الرسالة التي أُريدَ حشوُها في رؤوس الشعب، بأنّ "أولئك الأخوان" متعطِّشون للسلطة ويستأنفون في الواقع تجربة "الحزب الوطني"؛ وأنهم "لم يكونوا جديرين بثقة الناخبين الذين تعاطفوا معهم بسذاجة قبل أن تنكشف حقيقتهم".
ثمّ إنّ إسباغ وصف "الأخوَنة" على الوضع المصري المُفعَم بأعراض الاضطراب والارتباك والقلق؛ كان يدفع باتجاه تحميل الطرف الذي "يهيمن" على الدولة؛ المسؤولية عن هذا كلِّه، حتى وإن كان الرئيس "وأخوانه" لا يملكون في واقع الأمر ولا يحكمون.
وكما هو الحال مع ادعاءات من هذا النوع؛ تأتي قدرة الوعي الجمعي على إدراك هشاشتها متأخِّرة غالباً بعد أن تفعل فعلها. لقد جاء الانقلاب العسكري ليفنِّد عملياً مزاعم "الأخونة" إيّاها بعد أن أدّى الادعاء دوره واستنفد وظيفته، لينقشع المشهد عن حمّى "العسكرة" التي تمسك بتلابيب الدولة المصرية. ومع ذلك؛ فقد انتصبت "الأخونة" ذريعة للعسكرة، حتى أنّ سيِّد الانقلاب استعاد المزاعم بشكل ضمني عندما تحدث في خطابه يوم 24 تموز/ يوليو 2013، عن لوم وجّهه بنفسه للقيادة الشرعية المُنتخبة من سعيها لإحداث تغييرات متسارعة في صميم الدولة، كناية عن فكرة "الأخونة" ذاتها.
يتّضح اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ أنّ ما يمكن تسميتها مجازاً "الأخونة" الفعلية؛ ليست أكثر من استحقاق انتخابي أتى عليه القضاء في قراراته المتلاحقة التي أطاحت بالمجالس المُنتخبة من المواطنين مباشرة. أي ربّما كانت "الأخونة" حاضرة في ما أفرزته صناديق الاقتراع، أي في مجلسي الشعب والشورى وكذلك في رئاسة الجمهورية؛ لكنّ الوصف اللائق بذلك، ببساطة، أنها "ديمقراطية" تمّت الإطاحة بها.
ومنذ أن برهن الفريق السيسي ومن معه على أنّ الدولة المصرية رازحة في الواقع تحت معادلة حدّد الضبّاط جانباً كبيراً من شروطها؛ تبيّن للمتردِّدين أنّ الوصف الأصحّ للمشهد هو "عسكرة الدولة" وليس "أخوَنتها".
بعد الإسراف في ذمّ "الأخوَنة"؛ بات سؤال اللحظة الراهنة: من يجرؤ على البوْح بالحقيقة في حضرة العسكر؟.