تعبيرية
بيت النبوة .. بيت العظماء .. بيت المربين.. بيت القدوة.. بيت الخيرية..إنه بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حظي بدخوله نساء فضليات، معلمات مربيات، فقيهات، خيرات ومنفقات في سبيل الله، نلن شرف الزواج من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحظين بلقب أمهات المؤمنين. وكلهن كن باذلات للخير بحب ويقين بأنه عبادة تقربية، فقد ضربن رضي الله عنهن أروع الأمثلة في البذل والعطاء تعبداً وتقرباً إلى الله.
ومن داخل بيت النبوة نقف اليوم مع اثنتين من أمهات المؤمنين، وهما أم المؤمنين زينب بنت جحش، وأم المؤمنين زينب بنت خزيمة رضي الله عنهما، واللتان اشتهرتا بحب اليتامى والمساكين والعطف والإنفاق عليهم ورعايتهم، حتى عُرفت كل واحدة منهن بأنها أماً للمساكين.
ليتحقق فيهن قول الله تعالى " وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا " الإنسان، الآية 8.
والمسكين لغة هو الذي سكنه الفقر أي قلل حركته، واشتقاقه من السكون يقال قد تمسكن الرجل وتسكن إذا صار مسكيناً.
وقد سُئل أَبو العباس عن تفسير الفقير والمسكين فقال: قال أبو عمرو بن العلاء فيما يَروي عنه يونس: الفقير الذي له ما يأكل، والمسكين الذي لا شيء له؛ وروى ابن سلام عن يونس قال: الفقير يكون له بعض ما يقيمه، والمسكين الذي لا شيء له.
وكباقي عظماء هذا العهد الأول المبارك، فإن الباحث في السير والتراجم يلمس حرص هؤلاء الأكابر على النفقة السرية وذلك لمعرفتهم بعظم أجرها، ومن الشواهد على ذلك أنه مع قلة ما وصل إلينا من نماذج عملية معلنة في البذل والعطاء، إلا أن إطلاق صفةً خيريةً على أحدهم، وتطاير ذكره في الأفاق مقروناً بتلك الصفة الخيرية إنما يدلل على أن هناك الكثير من الأعمال البذلية التي لم تحويها كتب التاريخ والتراجم التي وصلت إلينا.
وبدورنا سنحاول تلمس بعض الشذرات العطرة من سيرة أما المساكين وأما المؤمنين زينب بنت جحش وزينب بنت خزيمة رضي الله عنهن، عسى أن تجد الأمهات المربيات في شذراتهما ما يحفزهن على السير على دربهن في الإنفاق ورعاية المساكين، لتكون الأم بذلك بمثابة محضناً تربوياً يخرج لنا أجيالاً محبب إليها فعل الخيرات، وتسعي إلى الاجتهاد في البذل والعطاء، وتعمل على نشر فعله في الأفاق، ليتحقق التكافل داخل المجتمع الإسلامي، فمن الأم يبدأ البناء، وعن طريقها يتشكل الأبناء.
كما أن ذلك يلفت النظر إلى أهمية تبني المنظمات النسائية السائرة على المنهج الشرعي المنضبط، لمضامين خيرية رائدة تنطلق فيها من الأعمال الخيرية في سير أمهات المؤمنين وكذا باقي الصحابيات الفضليات، لأن نقل المثال العملي عن النساء إلى النساء، قد يكون فيه نوعاً من التحفيز على التقليد خاصة إذا كان في التقليد إشباعاً روحياً في الدنيا ورجاءً في القبول من الله لنيل الجزاء الأخروي. كذلك فإنه وبناء على مقال اليوم فإنه يمكن اقتراح استحداث تلك المنظمات المنضبطة والعاملة في الأحياء المتفرقة لما يمكن أن يطلق عليه "جائزة أم المساكين" وهي جائزة تُعطي لأكثر النساء بذلاً وإنفاقاً ورعاية للأرامل والمساكين والأيتام داخل الأحياء، وفي ذلك تحفيز على التنافس في فعل الخيرات ونشراً لثقافة العمل الخيري، كما أنه قد يمثل منهجاً تربوياً فعالاً في صناعة نماذج وقدوات خيرية داخل المجتمع الإسلامي.
أولاً … أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها
هي زينب بنت جحش، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أخت عبد الله بن جحش. وهي أسدية من أسد بني خزيمة، وأمها بنت عبد المطلب، عمة النبي صلى الله عليه وسلم.
كانت قديمة الإسلام، ومن المهاجرات، وقد تزوجها زيد بن حارثة، مولى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن الله تعالى زوجها النبي صلى الله عليه وسلم بنص كتابه، بلا وليٍّ ولا شاهد ، يقول الله تعالى " وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَالله أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْلا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولا" الأحزاب الآية 37.
وكانت رضي الله عنها تفتخر بشرف تزويج الله لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان اسمها برّة فسماها زينب.
وقد وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأواهة فعن عبد الله بن شداد أن رسول الله قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه إن زينب بنت جحش أواهة قيل يا رسول الله ما الأواهة قال "الخاشعة المتضرعة".
وقد لقبت رضي الله عنها بألقاب عديدة منها: أم المساكين، ومفزع الأيتام، وملجأ الأرامل. قالت عنها السيدة عائشة رضي الله عنها: ما رأيتُ امرأة خيرًا في الدّين من زينب؛ أتقَى لله وأصدَق حديثًا وأوصَل للرّحم وأعظم صدقة.
وعنها أيضاً تقول السيدة عائشة – رضي الله عنها– قالت: قال رسول الله:" أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا" قالت: فكن" أمهات المؤمنين" يتطاولن أيتهن أطول يداً، قالت: وكانت أطولنا يداً زينب؛ لأنها تعمل بيدها وتتصدق. وفي طريق آخر: قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش ،وكانت امرأة قصيرة ولم تكن بأطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد طول اليد بالصدقة، وكانت زينب امرأة صناع اليدين أي تعمل بيديها الشريفتين، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق به في سبيل الله.
وقد أرسل إليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه اثني عشر ألف درهم، كما فرض لنساء النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقالت رضي الله عنها غفر الله لعمر غيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا، قالوا كله لك، قالت سبحان الله، تقول برزة بنت رافع رضي الله عنها: واستترت منه بثوب وقالت "صبوه" واطرحوا عليه ثوباً وأخذت تفرقه في رحمها وأيتامها وأعطتني ما بقي فوجدناه خمسة وثمانين درهما ثم رفعت يدها إلى السماء فقالت اللهم لا يدركني عطاء عمر بعد عامي هذا. فماتت بعدها فعلاً، وصلى عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولقد بلغ من حبها للعطاء أنها أوصت حين حضرتها الوفاة بقولها:" إني قد أعددت كفني، فإن بعث لي عمر بكفن فتصدقوا بأحدهما، وإن استطعتم إذ أدليتموني أن تصدقوا بإزاري فافعلوا ". رضي الله عنها ورحمها وجعل نساءنا يسيرون على دربها.
ثانياً … أم المؤمنين زينب بنت خزيمة رضي الله عنها
هي زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عَبْد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حفصة. ولم تلبث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيراً شهرين أو ثلاثة حتى توفيت، وكانت وفاتها في حياته. لا خلاف فيه.
وقد أُطلق عليها لقب أم المساكين، وذلك لكثرة إطعامها للمساكين وصدقتها عليهم، فهي كانت منفقة وذات بذل ومن المسارعات في الخيرات، وقد أجمع المؤرخون على كرمها وعطفها الشديد على الفقراء و لا يكاد اسمها رضي الله عنها يذكر في أي كتاب إلا مقروناً بلقبها الكريم فهذا وصفها في سير أعلام النبلاء وفي أسد الغابة وفي الإصابة في تمييز الصحابة، ونجد ابن هشام في سيرته يقول عنها كانت تسمى أم المساكين لرحمتها إياهم و رقتها عليهم.
وقد أخرج ابن سعد، في ذكره لأم المساكين زينب بنت خزيمة رضي الله عنها أنها كانت لها خادم سوداء فقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله أردت أن أعتق هذه فقال لها : "ألا تفدين بها بني أخيك أو بني أختك من رعاية الغنم". رضي الله عنها وأرضاها ورحمها.
ما أحوج أمتنا اليوم للتأسي بأمهات المؤمنين، في إنفاقهن وبذلهن وعطائهن، فكم من الأرامل والمساكين يشكون قسوة الفقر وذل الحاجة وليس في منطقتهن مثل أم المساكين التي ترعاهم وتعمل على كفالتهم، بل يقتصر الأمر عند ذلك وإنما يكون الإنفاق والبذل منهاج حياة بالنسبة لهن بعيداً عن الرياء والنفاق، فللنظر إلى أم المؤمنين زينب بنت جحش كيف تحرص على البذل والإنفاق حتى وهي محمولة على الأعناق، وبماذا ؟ بكفنها!.
فرحم الله نساء فضليات فعلن ما لم يفعله ملايين الرجال.
المصدر: مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70212
