الشمع القاتل المتسلسل في غزة مطلوب للعدالة

صورة للطفلين الضحيتين

أن تُضئ شمعة خير من أن تلعن الظلام إلا في غزة فالشمع وإنارته بات مرادفاً للموت والحرق وعذابات لا تنتهي وجروح لا تُشفى، الشعار سابق الذكر ترفعه منظمة العفو الدولية لتُطالب بحقوق المنتهَك حقوقهم والمصادرة حرياتهم والمقموعة آراؤهم والمهددة بالسلب حياتهم لتعطي بصيص أمل لهم بغدٍ أجمل، وتحث النشطاء على ايجابية الفعل والتحرك.
الشمع الذي يُفترض أن يُنير ليل الفقراء، تحول لقاتل يؤرقهم كلّما حل المساء، ينتهز فرصة هبوط الليل ليتسلل ويحصد أرواح الأطفال البريئة ويقضى على أجسادهم الغضة، قاتلاً البراءة في المهد ومخلفا أصوات استغاثة الموت تتردد في آذان أهلهم ماداموا أحياء.
الشمع بات قاتلاً مطلوباً للعدالة في غزة بعدما قضى على عشرات الفلسطينيين لا سيما الأطفال منهم، آخرهم كان شهد وغنى من محافظة رفح، وسبق أن قضى أربعة أشقاء على يد شمعة وثلاثة أرواح على يد أخرى وعائلة كاملة في مرة رابعة، وكأنه قتل متسلسل على غرار أفلام الرعب الأمريكية.
وقفت عاجزاً وأنا أحاول ترجمة شعور الأب وتصوره وهو يستمع لصرخات استغاثة الموت الصادرة من طفلتيه والنيران تأتي على جسديهما وهو غير قادر على تجاوز حاجز النار لإنقاذهما، وحاولت تخيل شعور الأم وهى تلعن نفسها ألف مرة حين قامت بإيقاد الشمعة وتركت قاتلاً يترقب غفلتها ليقتنص منها فلذات كبدها.
حسرة وألم ودموع أبدية تُبقى العائلة تندب حالها كلما تذكرت ضحكات طفلتيها ومشاغباتهما، قد غيب الموت غنى وشهد حرقاً، وتفضل المسؤول بزيارة العائلة وتقديم واجب العزاء وتفقد المصابين بالمستشفى ورحل ثم عاد يُمارس هواياته المفضلة.
لا حل في الأفق، ومأساة ستتكرر عاجلاً أو آجلاً فالوضع السياسي لا يُبشر بخير والخصام على أشده بين الفرقاء، والحصار يشتد، وخريطة المنطقة تتغير باستمرار تتراجع على أثره القضية الفلسطينية لصالح الشؤون الداخلية لكل بلد.
ويرهن الفرقاء مواقفهم بتغير خريطة ميزان القوى الإقليمية والتحالفات التي غالبا ما تخضع للتجاذبات فتتغير المواقف ويقترب البعيد ويبعد القريب، وتستمر حالة الشد والجذب لما لا نهاية.
ومعاناة الناس تشتد والحاجة تتعاظم، ومن يدفع الضريبة هو الشعب، ومن يُطالب بالثبات والصبر والجلد هو الشعب الذي لا ناقة له ولا جمل في سياسة لا يفهمها معظمه، وليس مقتنعاً بسبب الخلاف، وقد وصل لحالة يأس من كل ما هو معروض أمام ناظريه، واستوى عنده صالح القوم بطالحهم، فالخدمات وتوفير الحاجيات الأساسية بجانب الحفاظ على كرامته معياره في الدفع باتجاه ميله لطرف دون آخر، لاسيما في حالة اللاسلم واللاحرب.
ولأنها مسؤولية الجميع سنبدأ من الفرد المشكل للعائلة ونتسائل إلى متى يبقى الاستهتار في استخدام الشمع في البيوت وعدم أخذ عوامل الأمان لتفادي اندلاع مثل هكذا حرائق؟ ثم لما تُغلق الغرف ونتنبه للحريق بعد فوات الأوان؟
ومؤسسات المجتمع المدني إلى متى سيستمر عقد المؤتمرات وورش العمل في الفنادق والمطاعم دون تطبيق للتوصيات، وإلى متى سيتم توجيه المناشدات للخارج ومطالبة المانحين بعيداً عن احتياج هؤلاء الفقراء؟
وإلى لجان الزكاة التي تقوم عقب كل صلاة جمعة بجمع التبرعات لبناء مسجد أو تمديد مكيفات له ومراوح أما آن التوقف قليلاً والالتفات للأولويات.
وإلى الحكومتين في غزة والضفة أما آن أن نتفق على الحد الأدنى الذي يمكن تجنيب الكثير من الفقراء الويلات وأشكال المعاناة، كل منكم طريقه مختلف نقرّ بذلك، نهج مختلف نعترف بذلك، ولكن ألم يتحالف كل منكم مع ساحات إقليمية تختلف معه على قاعدة المصالح المشتركة؟ أفلا يمكن أن تتفقوا لصالح الشعب على الحد الأدنى من التوافق؟ أم أن حرق الأطفال الذين يقعون تحت مسؤولياتكم وأنتم عنهم مسؤولون لا يٌشكل عندكم ناقوس خطر، وحدثوني عن القضية الفلسطينية وأولويتها لدى الشعوب الآن؟ وحدثوني عن القضية الفلسطينية وما أنجزناه وهل تراجعنا وتقدمنا؟ لا تعنيني السياسة ولست خبيراً فيها ولكن ما أعلمه أن شعبكم المسؤول منكم قد تعب من كثر الجراح، إن ما توقفت آلة القتل الإسرائيلية عن حصد الأرواح منه، تكفلت به الشموع ومواتير الكهرباء والحصار.
إن المجتمع الدولي والذي يُصدع رؤوسنا بحقوق الحيوان ويُسارع لمنع صيد الحيتان والدلافين في المحميات الطبيعية ويُحافظ على نوع القرود النادرة في جزر نائية مطالب بالوقوف أمام مسؤولياته ووقف حالة التدهور الحاد في الوضع الانساني في قطاع غزة، ومعالجة مشاكل قطاع غزة لاسيما الكهرباء منها، أم أن كل مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الانسان والقوانين الأممية ذات العلاقة بحقوق الانسان تقف عند قطاع غزة غير قادرة على التحقق؟
وحتى يتحرك مجتمع دولي وحتى يتفق الفرقاء على الحد الأدنى، أطالب الجهات المانحة وعبر قنواتها تبني فكرة الإنارة الآمنة لبيوت الفقراء فالحاجة ملحة لتأمين العائلات الفلسطينية من خطر الموت حرقاً، ولا أتوقع أنهم يطمحون بأكثر من إنارة بيوتهم بعيداً عن ترف مشاهدة التلفاز الذي قد لا يكون موجوداً من الأساس.
وعلّنا كمجتمع لديه من شعارات قيم التكافل والتضامن الكثير، ولأن الخير لا يعدم فإننا مطالبون كأفراد بالمساهمة في حملة إنارة بيوت الفقراء، شعوراً منا بالمسؤولية الأخلاقية والمجتمعية تُجاه مجتمعنا.