أرشيفية
إنهم يثقون في الله تمام الثقة؛ فهو المغني، وهو المعطي، وهو الضار، وهو النافع، وهو من يسبب الأسباب، كما أنهم يثقون – أيضاً – في رواد بيوته من النساك والعباد والركع السجود؛ تصديقاً لقوله تعالى: (( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ))(1). ففي المساجد دائماً أناس يبتغون رحمات الله ورضوانه، لا يتأخرون نحو كل بر، ويهرولون تجاه كل فضيلة وخير، يتصدقون دائماً متى طلب منهم أي فقير بائس، وأي مريض يائس، بقدر.. حقيقة أدركها هؤلاء الفقراء؛ لذا فهم عند أبواب المساجد يعرضون حاجاتهم برجاء لا يخيب، ولن يخيب ما دامت بيوت الله لها أبواب لن توصد.
فللمساجد مكانتها وأدوارها الخيرية عبر التاريخ الإسلامي، التي لا يمكن اختزالها في مقالة أو حتى عشرات المقالات والأبحاث، ولكن ما يهمنا تحديده اليوم هو لماذا يلجأ المحتاجون للمساجد؟ وما مدى إمكانية توسيع الاستفادة من موقع المسجد كمنشأة إسلامية معاصرة في عمليات الارتقاء بالعمل الخيري، و حصر الفقراء، واستفزاز أو دعوة الأغنياء للتبرع وإيصال الدعم لمستحقيه، وتحقيق الكفالة الحقيقية التي يحث عليها الإسلام؟.
أولاً: لماذا يلجأ الفقراء وأصحاب الحاجات إلى المساجد؟؟
الحقيقة أن البحث وراء هذه المسألة لا يحتاج إلى الكثير من العناء، فمن خلال التتبع والتوغل الاعتيادي تتكشف الحقائق، وهي – بلا شك – كثيرة ولا متناهية، حتى وإن تم حصرها في بعض النقاط. ومن أسباب لجوء الفقراء وأصحاب الحاجات للمساجد، والتعريض بمعاناتهم، ما يأتي:
1- الحاجة العاجلة:
فكثيراً ما يقع الإنسان، لا فرق في ذلك بين غني أو فقير، في حاجة ماسة وعاجلة قد تعرضه شخصياً هو أو غيره لخطر محدق، إن لم تكن لديه القدرة على وقف أسباب هذه الحاجة، والحصول على الدعم الفوري، لا سيما أن اللجوء إلى الجمعيات الخيرية أو المؤسسات الحكومية فيه من البيروقراطية ومن الروتين ما قد يؤثر سلباً، ويؤدي إلى هلاك هذا المحتاج أو ذويه، إن لم تكن لديه القدرة على إيجاد الحلول العاجلة. والمساجد تعتبر في أحايين كثيرة من أسباب حلول المشكلات الإنسانية البسيطة، بما فيها من رواد ومحسنين لا يتأخرون عن حاجات الناس متى كانت لديهم القدرة، وبما لأئمتها من مكانة وكلمة مسموعة تؤثر على الفور في أهل الخير من المسلمين، وتحقق الاستجابة الفاعلة التي تحقق آمال المحتاجين وأصحاب النوائب، وهو ما يكون دائماً في حسبانهم حين يختارون وجهتهم ويسيرون في طريقهم يتلمسون الحل.
2- العادة:
فلقد اعتاد الكثير من فقراء المسلمين وغيرهم على اللجوء للمساجد وأهلها دون غيرها، ودون غيرهم، حال فقرهم وحاجتهم؛ لثقتهم أن المساجد هي بيوت الله في أرضه، لا يردها وارد يريد أن يفرج الله همه وكربه فيخيب.
3- صناديق المساجد:
صناديق المساجد هي صناديق التبرعات المتعارف عليها، والتي تعتبر من أهم مرفقات أغلب المساجد، وهي تكون مخصصة لأشياء كثيرة، كإعمار المسجد، وتحسين خدماته، والإنفاق على الفقراء والمحتاجين كذلك، وإستقبال أموال النذور والهبات، وغيرها. وصناديق المساجد تكون لها أهميتها الخيرية، وآثارها الكبيرة في مواجهة الكثير من مشكلات الفقراء والمحتاجين وعابري الطريق، لا سيما في المساجد الكبري، ومن ثم فإن المساجد تعتبر وجهة من وجهات الفقراء الذين يظنون خيراً فيما لديها ولها من إمكانيات معتمدة على حصيلة هذه الصناديق، ولهذه الصناديق ضوابط، لا سيما في عملية فضها أو فتحها، والتصرف في حصيلتها بالشكل القانوني، سنتطرق إليها في مقال قادم – بعون الله -.
4- المساجد بها المحسنون والمتصدقون:
فالمساجد يرتادها خير الرجال، ويعمرها من هم أكثرهم إيماناً بالله وتصديقاً باليوم الآخر، وهم أكثر الناس عطاء وفعلاً للخيرات، فهم لا يمنع الخير منهم، ولا ينقطع العطاء عنهم، قال تعالى: ((وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ، إِلَّا الْمُصَلِّينَ)) (2). فالآيات تؤكد أن رواد المساجد من المصلين لا يمنعون الخير، بل دائماً ما تتيسر لهم أسباب الهداية إلى الخير (3)، والتوفيق إليه، وهي حقيقة يدركها من يعرف يقيناً حقيقة العباد والمصلين، بل إن من المصلين – لا سيما من المحافظين على فريضة الصلاة في المساجد، وفي أوقاتها – من في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات (4) من الفقراء والمحرومين، وخاصة ممن يطوفون ويعرضون باحتياجاتهم، ممن يطرقون أبواب المساجد، فأخبر عنهم رب العزة – سبحانه وتعالى – في قوله: ((والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم))(5).
ثانياً: أهمية المسجد كمنشأة متكاملة وعصرية:
المسجد كمنشأة خيرية متكاملة وعصرية حقيقة واقعية يحاول البعض الهروب منها، والتقليل من شأنها، في مقابل تصعيد منشآت وهيئات أخرى مستحدثة أقل أهمية وأقل فائدة، بذرائع مختلفة لا وقت ولا مجال إلى سردها والتطرق إليها، فمكانة المسجد وقيمته الدعوية لا متناهية، وغير قابلة للتوقف أو التراجع، يبلورها الحث الدائم من خلال المنابر على العطاء والعمل الخيري، وهو من أهم صور وأشكال الدعوة والتقرب إلى الله لقوله تعالى: ((ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)) (6)، وللمساجد أهمية وأدوار خيرية مختلفة يمكن تحقيقها دون أن يكون في ذلك بذل الكثير من الجهد، ولا تحميل الناس فوق طاقاتهم، ومن صور الإسهامات التي قد يحققها المسجد للعمل الخيري المنظم ما يأتي:
1. تكوين قاعدة بيانات مكانية (إقليمية) لحصر الفقراء والمستحقين:
فالمسجد كمنشأة دينية له أهميته الكبيرة، يؤكد عليها حرص الحكومات والأفراد على تعظيم وتعميم عمليات إنشائه، بما يجعل للمساجد التواجد الذي يليق بأمة تعبد الله حق عبادته، وتحرص على تأدية الفروض دون خلل أو نقصان، ومن ثم فإن المساجد منتشرة في أغلب المدن والقرى والأحياء والشوارع، وحتى في التجمعات الصغيرة، فلك أن تتخيل أن بعض المدن يطلق عليها مدينة الألف مئذنة، وهو ما يعبر عن أن هذه المدينة بها ألف بل أكثر من ألف مسجد، وهذه المساجد في أحايين كثيرة ترتبط بها وحدات خيرية صغيرة، تضم عيادة، وصيدلية، وكتابا لتعليم القرآن الكريم، وحضانة، ومخزنا لجمع التبرعات العينية، وغيرها من المرافق، بما يجعل من المسجد منشأة خيرية حقيقية، ولكن في ظل مناداة البعض بإبعاد المسجد عن هذه المهمة، وهي مطالبات في غير محلها – من وجهة نظري -؛ فإن هناك آليات أخرى لدفع وتحسين العمل الخيري بواسطة المسجد، ومنها:
المساهمة في حصر أعداد المحتاجين، من خلال الحيز المكاني أو الإقليمي الذي يتواجد فيه المسجد، وهو ما سيكون له أكبر الأثر على تيسير سبل الدعم، ومعرفة المستحقين ودرجات استحقاقهم، وهي مهمة صعبة جداً، خلاف ما يعتقد البعض؛ فلا زالت دول كثيرة وكبيرة لم تعرف حقيقة أعداد المحتاجين والفقراء، رغم وسائلها ورغم إمكانياتها، فيعتبر المسجد في حيزه المكاني هو النقطة الرئيسية التي يدور حولها الناس، والتي تتلاقى مع غيرها من النقاط والمساجد مع انتشارها.
2. المساهمة والعدالة في التوزيع:
المساهمة في التوزيع على المستحقين في حالات الدعم العيني والمادي هي من الصور الخيرية التي ارتبطت – ولا زالت ترتبط – بالمساجد وروادها والقائمين عليها، فمهمة توزيع الدعم العيني والصدقات وغيرها مهمة ليست سهلة مفعمة بالابتسامات كما يبدو، و تبقى محل انتقاد دائم، وتلاحق القائمين عليها – عادة – تهم بالمحاباة، أو التجاهل، أو سوء التقدير، وبالاعتماد على العاملين في المساجد، وبما تم جمعه من بيانات حقيقية من شأنها حصر المستحقين حسب درجات حاجاتهم ومعاناتهم، قد تحقق عدالة التوزيع، لا سيما في مواسم فعل الخيرات وجمع الزكوات والصدقات.
والله من وراء القصد ..،،
المصدر: مداد
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70247
