رمضان تحت لهيب الحصار

غزة اليوم لم تعد كما كانت قبل عام كل شيء تغير.. رمضان آخر يهل هلاله على قطاع غزة ولكن هذه المرة بنكهة مختلفة ، بنكهة الانقسام ,والفرقة والتناحر، وما أشبه الأمس باليوم فالحصار كما هو ولكن بدلا من أن يتساءل المواطنون عن رواتبهم هل ستكون في المصارف نهاية الشهر أصبحوا يتساءلون بسخرية ممزوجة بألم من أين ستأتي رواتبهم من رام الله أم من غزة؟ أم أنها لن تأتي أبدا؟؟؟
انقسام داخلي تحول إلى دعابة وسخرية لاذعة يتبادلها المواطنون مع حلول شهر رمضان ، أحمد ثمانية وثلاثين عاماً وأب لخمسة أطفال وهو موظف حكومي، وقف أمام أحد المحلات التجارية وهو ينظر إلى بعض المنتوجات الرمضانية ، قائلاً:” البضاعة قليلة بسبب الحصار وبعضها ثمنه مرتفع”، وحول راتبه ” الله يستر هل سيأتي هذا الشهر أم لا”؟
بينما كانت أم خالد تحاول أن تختصر في المواد الغذائية التي تحضرها خاصة وأن زوجها عامل بناء وبالكاد يوفر قوت يومه لأطفاله ، أوضحت أن رمضان هذا العام لم يتغير بالنسبة لها ولأطفالها عن العام الماضي ففقرهم لم يتغير رغم تغير الكثير.
وتضيف:” رمضان تزامن مع بدء الدوام المدرسي ولم نفق بعد من مصاريف الاستعداد للمدارس حتى جاء رمضان ، وعلى كل الأحوال لن يتغير شيء فقلة اليد تمنعنا من أن نسرف أو حتى نجلب أقل القليل لأطفالنا”.
أم خالد ليست الوحيدة التي حاولت اختصار الكثير من مشتريات رمضان بل شاركتها آلاف العائلات في قطاع غزة التي أصبحت تعيش تحت خط الفقر بسبب الحصار الذي يستمر منذ أكثر من عام ونصف.
ويستوقفنا العامل أبو أحمد في الأربعين من عمره، وهو يقف أمام إحدى المحال التجارية، على ما يبدو متحسرا، فيقول :”أنتم صحافة..أكتبوا عنا في وسائل الإعلام أننا أصبحنا نمد أيدينا، على العالم أن يرى ويسمع كيف بات أهل غزة فقراء…أنا الآن جئت للسوق مستدينا 50 شيكل، لكني أقف أتحسر حين أجدها لن تأتي بشيء نتيجة الأثمان الباهظة”.
وبحرقة قلب استطرد أبو أحمد حديثه حيث يقف بجانبه ابنه الذي لم يبلغ الخمسة أعوام:” ابني كلما رأى شيئا يطلب مني شراؤه وأنا بت عاجزا عن تلبية أبسط المطالب…سأنفق الخمسين شيكل وأعلم أنها لن تأتي بقوت يكفي حتى اليومين في رمضان، لكن لنا الله”.
وبينما بدا الجميع يهنئ بحلول شهر رمضان المبارك، جلست الحاجة أم سعدي على باب بيتها يطبق شفاهها الصمت والحيرة، لاسيما أنها قالت :”لست ادري كيف سنقضي رمضان وأي طعم له والأخوة فرقاء .. لم يعد أحد قلبه على قلب أحد ..الأخوة أصبحوا لا يشعرون ببعض..رمضان ليس كالماضي..لن تجد أحدا يستضاف على سفرة أحد، فالكل يقول اللهم أسألك نفسي”.
لكن سارعت أم سعدي تبدي القليل من التفاؤل :”نتمنى من الله أن يوحدهم في هذا الشهر الفضيل، وترجع الأمور كالماضي ونعود نرى أولادنا كما كانوا مجتمعين”.
ونستقبل شهر رمضان، بتهديد شديد اللهجة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، بقطع الكهرباء عن قطاع غزة بداية الأسبوع القادم، وذلك اثر إطلاق المقاومة الفلسطينية صواريخ باتجاه موقع “زكيم” العسكري الصهيوني، شرق قطاع غزة، الذي أسفر عن إصابة أكثر من 50 جنديا صهيونيا.
ولربما يعود أهالي قطاع غزة في ظل هذه التهديد يعيشون رمضان، كما عاشوه قبل نحو أربعين عاما بلا كهرباء ليستفيقون على صوت “الطبال” للسحور.