كشفت إحصاءات جديدة عن تفاقم كارثة الفقر والمعاناة الإنسانية للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، لاسيما في قطاع غزة، وفي المخيمات.. فحسب تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الضفة الغربية وغزة فإن نسبة انتشار الفقر لدى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة ارتفعت من 23% إلى 57%، وأن هذه النسبة بلغت 79% في غزة أخيراً.
وبمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفقر فقد أعلن مدير عمليات الأونروا في غزة، أن عشرات آلاف الأطفال الفقراء يأتون إلى مدارس الأونروا كل يوم جوعى بسبب فقرهم. موضحاً أن أكثر من 80 في المائة من سكان مخيمات القطاع يعيشون تحت خط الفقر.
أرقام أخرى كشف عنها الناطق باسم الائتلاف للنداء العالمي لمكافحة الفقر وأهمها: أن معدل دخل الفرد الفلسطيني من الناتج المحلي الإجمالي انخفض بنسبة 9,7% عام 2006، في حين ارتفع عدد الفقراء من 672 ألفاً في عام 1998 إلى 2,2 مليون في عام 2006، وهناك أكثر من مليون شخص يعيشون على 50 سنتاً في اليوم.
وتظهر هذه الإحصاءات أن نسبة الذين يتلقون مساعدات طارئة وهم غير محتاجين شكلت 44%، فيما الذين يحتاجون فعلاً لهذه المساعدات شكلت نسبتهم 46%. وأن ما نسبته 34% من الأسر تشعر بأنها قد تتعرض لمخاطر الأمن الغذائي، وتعاني ما نسبته 12% من الأسر الفلسطينية من عدم توافر الغذاء الكافي في 2006.
وغني عن القول إن معاناة الفلسطينيين ازدادت في الأراضي الفلسطينية المحتلة بسبب الحصار الاقتصادي الجائر الذي ضرب على قطاع غزة، فضلاً عن سياسة إغلاق المعابر والتي تلازمت مع فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة وتشكيلها الحكومة الأولى وحكومة الوحدة الوطنية، إضافة لصعوبات التحرك التي بلغ أسوأ حدوده بسبب جدار الفصل العنصري الذي شيدته “إسرائيل”، والحواجز التي تقيمها، والحفر والتلال الرملية التي تنشئها الدولة العبرية عن قصد بين الطرقات الرئيسية لمنع تنقل السيارات والشاحنات التي يقودها الفلسطينيون، إما للذهاب إلى أعمالهم أو لنقل البضائع الضرورية، وتشير تقارير منظمات أممية إلى أن نقل البضائع بين غزة والضفة أصبح عملية شبه مستحيلة.
ورغم ذلك فإن هناك صمتاً من المجتمع الدولي ومن الحكومات العربية حول استمرار هذه الجرائم الإنسانية التي تحرض عليها بدرجة أساسية إدارة اليمين المحافظ في الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، وتنفذها جهات رئيسية كالرباعية الدولية، ودول أوروبية، وتسهم فيها بعض الحكومات والأنظمة العربية والسلطة الفلسطينية بنسب مختلفة، إلى درجة أن الشعب الفلسطيني بات يعاني من عقاب جماعي منذ نحو عامين.
لقد صدرت تحذيرات إنسانية من أعلى هرم أهم المؤسسات الدولية، ومن جهات سياسية أوروبية، ولكن لا حياة لمن تنادي، فلا استجابة لدعوات فك الحصار، ولا حماية حقوق الشعب الفلسطيني، الذي يزداد بؤسه.
لقد كان من آخر هذه الدعوات وأهمها وأقواها تهديد مبعوث الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة جون دوغارت بأن يطلب من المنظمة الأممية الانسحاب من اللجنة الرباعية المختصة في الشرق الأوسط، إذا لم تول هذه اللجنة المكونة من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة اهتماماً بحقوق الشعب الفلسطيني، متهما اللجنة بالفشل في حماية حقوق الإنسان الفلسطيني في الضفة وغزة.
وأوضح المسؤول الأممي أنه وقف خلال زيارته الأخيرة لقطاع غزة والضفة الغربية (في النصف الأول من الشهر الجاري) على تدهور الأوضاع أكثر فأكثر، حيث وجد المواطنين الفلسطينيين في وضعية بائسة ويائسة، جعلته يشعر بالصدمة.
واستغرب دوغارت الممارسات الصهيونية في التضييق على الفلسطينيين والحد من حريتهم في التنقل، بتكثيف الحواجز في مختلف المناطق. واعتبر أن الإجراءات الصهيونية لحماية أمنها “لا تتناسب إطلاقاً مع حجم ما يمكن أن يمثله الفلسطينيون من تهديد لذلك الأمن”، مشدداً على أن رد اللجنة الرباعية على الإجراءات الصهيونية في حق الشعب الفلسطيني “ضعيفة جداً، وذلك بسبب تأثير واشنطن على اللجنة”.
ومما يؤسف له أن أنظمتنا العربية لا تكتفي بعدم تأييد هذه الدعوات والتي يقصد منها الضغط على الإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال لتحسين أوضاع الفلسطينيين، بل تعمد إلى الاعتراض عليها، فوزير الخارجية المصري اعترض على دعوة المبعوث الأممي دوغارت بقوله: “إنه لا يعتقد أن الانسحاب من اللجنة يمكن أن يؤدي إلى تحسين الأوضاع المعيشية للفلسطينيين في الأراضي المحتلة” محذراً من تخلي الأمم المتحدة من الاستمرار في دورها الذي يطالب “إسرائيل” بتنفيذ القرارات الدولية لإقامة السلام العادل في منطقة الشرق الأوسط.
ومن هذه الدعوات أيضاً ما طالب به البرلمان الأوروبي السلطات الإسرائيلية في جلسته الأخيرة في بروكسل، برفع الحصار عن قطاع غزة وفتح المعابر الحدودية والتجارية.
ومع الأهمية المعنوية لهذه الدعوة إلا أنها لم تترجم إلى إجراءات لفك الحصار وإدخال المساعدات.. ومن الغريب أن تصدر عن هذه الجهة البرلمانية الأوروبية في حين أن الاتحاد الأوروبي عضو في الرباعية الدولية وهو الذي يشترك في إحكام الحصار الخانق على الفلسطينيين.
هل يمكن أن تحرك الإحصاءات الطازجة عن الفقر في غزة والضفة الغربية النخوة العربية والإنسانية لفك الحصار والتخفيف من معاناة الفلسطينيين، وهل يمكن أن تكسر الطوق الذي مضى على ضربه قرابة عامين بصورة شبه كاملة.
وهل يمكن للفلسطينيين أن يعيدوا لحمة صفهم حتى يخففوا بوحدة كلمتهم ومواقفهم آثار معاناة شعبهم المغلوب على أمره، دون أن يستمعوا لنصائح وزيرة الدبلوماسية الأمريكية التي ما تزال تعرب عن معارضتها لمساع عربية تجرى لجمع الشمل الفلسطيني ورأب الصدع الحاصل.
إن التعويل على المجتمع الدولي من خلال التجارب لا يجدي كثيراً، المهم هو الموقف الفلسطيني والعربي الذي يجب أن يقف إلى جوار الأهل والأرحام وأبناء العمومة والمصير المشترك من أجل تفريج كربتهم وإغاثة لهفتهم وتعزيز صمودهم. فهل سنشهد ما يمكن أن يحرك ضمير أمتنا ولو من زاوية إنسانية محضة، نرجو ذلك.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70847
