في العيون تقطر دمعة، تبزغ من خلف شبح أسمنتي تنادي بصوت هادئ متى اللقاء واحتضان تراب الأرض وجني الثمر الطيب من برتقال وزيتون، يرتد صدى الصوت خائباً حزيناً حين يرحل جنود الاحتلال، فيبكي مراراً وظلماً وشقاءً لا يتسع البحر له ولا أرض الدنيا وسماءها ويكون الانتظار عنوانه فيرخي عذاباته على ملامح وجهه تنكمش دونما انبساط وأخيراً تبدو كورقة الخريف تذروها الرياح العاتية لكنها تجاهد البقاء وتصر على الحياة.
مشهد تراجيدي من حكاية واقعية لفلسطيني التهم الثعبان الأسمنتي المتوحش أرضه المتناثرة بين بلدات ومدن الضفة الغربية والتي تحاصرها مستوطنات الاحتلال وتعزلها عن المدينة وتحظر على صاحبها سامي عبد القادر “أبو يوسف” من المرور فيها والتقاط ثمرها الطيب وزيتونها الأخضر.
“إنسان أون لاين” في رحلة أليمة اقتربت من وجع أبو يوسف لتحكي بلسانه رحلة شقائه الطويلة التي تجاوزت من أعوام السنين ربع قرن وعامين آخرين منذ العام 1980.
جدران بلون الرماد لكنها ليست كما هو تختلط بتراب الأرض بزخات مطر قليلة، بدت عالية عاتية لا يزيلها هدم ولا تحطيم يد بساطورٍ كبير خلفها توارث الأرض بحقولها الغناء من الزيتون والبرتقال والمحاصيل الموسمية وبينها تناثرت الأسلاك الشائكة والبوابات والحواجز ولا سيما الجنود أيضاً يحيلون الحياة إلى موت ونبضات القلوب المتسارعة فرحاً بقرب موسم الحصاد إلى أحزان أبدية ودموع تتدفق أنهاراً تختلط فيها عصائر المحاصيل مع دموع أصحاب الأرض وأنات قلوبهم الشجية.
اختفى صوت أبو يوسف وراء صمته حينما بدأ يسرد حكايته مع الجدار وأذن لعيناه تبوح بالقصة.
انهارت دموع لا يكفكفهاإلا استرداد الأرض، ويتابع الرجل الستيني بداية رحلة الشقاء مع جدار العزل العنصري: “كانت في العام 1980، حيث كنت أمتلك بضعة من الأراضي الزراعية تناثرت مساحتها طولاً وعرضاً بين أراضي بلدة مسحة وعزون عتمة في قلقيلية شمال الضفة الغربية بالقرب من مستوطنتي القناة وشعاري تكفا حيث لا تبعد عنهما سوى ثلاثة أمتار الأمر الذي يجعلنا نتعرض دائماً لانتهاكات وممارسات استفزازية من قبل المستوطنين خاصة في موسم الحصاد”.
ويشير: “في كل موسم تزداد الانتهاكات عن سابقتها دون حراك من أحد نقتل وتسلب أرضنا على مرأى ومسمع العالم دون أن يحرك أحداً ساكناً لوقف العدوان علينا وأرضنا”.
وأضاف: ” يهدفون من ذلك إفراغنا وتشريدنا ودفعنا للهجرة لكني ما زلت مصراً على الحياة بأرضي حتى يضمني ترابها في حفرة ليس بعدها إلا حياة خلد ونعيم بإذن الله”.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=70865
