استطاعت المرأة الفلسطينية أن تتفوق على الحصارِ والمعوقات، وأن تُضحي براحتها في سبيل أبنائها وأسرتها، وخرجتْ من بيتها باحثةً عن مصدرِ دخلٍ ـ ولو بسيط ـ يُمكنها من إطفاء عطشِ أسرتها وسد رمقِ جوعها. الحاجة أم الإختراع وقد كان "مخبز أطايب لصناعة أجود المعجنات والحلويات" الواقع في مدينة غزة ؛ احدى مصادر الدخل التي تحدت فيه المرأة الفلسطينية الفقر الذي لاحقها ، حيث تحدثت منى العجلة رئيسة مجلس إدارة جمعية الشابات المسلمات في قطاع غزة وهي الجهة المشرفة على المخبز ،عن نشأة المخبز وفكرته وعناصره الرئيسة قائلة:" منذ عام 2004م لمست جمعية الشابات المسلمات في منطقة الرمال الجنوبي وعبر لقاءاتها بالنساء المستهدفات رغبتهن وحاجتهن الشديدة في افتتاح مشروع يهتم بصناعة المعجنات، بحيث تكون إدارة هذا المشروع من النساء المعيلات للأسر الفقيرة،وبالفعل افتتحت الجمعية مخبزًا بسيطًا ضم في بدايته أربع سيدات من معيلات الأسر.
إحدى النساء أثناء عملها بالمخبز
وتتابع العجلة حديثها عن مصادر تمويل المخبز وقالت:"" حصلت الجمعية على مبلغ 1000 دولار فقط من إحدى المحسنات في دولة قطر ، عندما بدأ العمل في المخبز عام 2004 ، ومن ثم عملت على تطويره من خلال الانتاج وبيع المعجنات كتمويل ذاتي ، حيث تم في العام 2005 فصل المخبز عن مكان فرع الجمعية وتخصيص إدارة مستقلة له ومكان مستقل وتزويده بالأجهزة الحديثة " مؤكدةً أن المخبز استوعب خمس عاملات أخريات؛ ليصبح عدد النساء العاملات به تسع من اللواتي يعانين ويلات الفقر والحصار إضافةً إلى أخريات يعشق العمل في مجال صناعة الأغذية تحديدًا صنفي المعجنات والحلويات ، موضحةً أن الجمعية لن تدخرّ جهدًا في تطوير المخبز وتزويده بكل المعدات الحديثة لاسيما وأنه مرخص من وزارة الصحة الفلسطينية تحت رقم 13652. ولفتت العجلة الى ان الجمعية تقدمت بمشروع للعديد من الجهات المانحة لتطوير المخبز ولازالت تنتظر الرد عليه . أبرز المشاكل وعن أكثر المشاكل التي تواجه المخبز وتؤثر في سرعة أدائه لمهامه وإنتاجه قالت رئيسة مجلس إدارة جمعية الشابات المسلمات" تواجهنا بعض المشاكل التي تؤثر على طبيعة إنتاجنا أبرزها انقطاع التيار الكهربائي أثناء العمل مما يؤثر تأثيرًا سلبيًا على المنتج
أحد انواع الطعام التي يقدمها المخبز
ويعرضه للتلف، كما نواجه نقصًا في بعض الآلات الحديثة التي يحتاجها المخبز (كالثلاجة ـ وماكينة للتغليف) عدا عن عدم وجود سيارة لتوفير المواد التموينية وكذلك لتوزيع المنتجات وتسويقها،بالإضافة إلى تدني أجور العاملات في المخبز حيث يتقاضين أجورًا رمزية،تمكنهن من تحقيق بعض رغباتهن وليس جميعها". وكشفت العجلة النقاب عن سعي الجمعية المتواصل لتطوير المخبز ورفع كفاءة عاملاته قائلةً في هذا الجانب " نحن نعد الآن لدورة تطويرية تستهدف تحسين أداء العاملات في مخبز أطايب، خاصةً وأنهن ينتمين إلى أسر مستورة،مشددةً على أن تشغيل الأيدي النسائية هي إحدى أهم ركائز واستراتيجيات جمعية الشابات المسلمات التي تسعى لتطوير النساء ودمجهن في المشاريع الصغيرة التي تطورّ من شخصيتهن وترفع من المستوى المعيشي المتدني لهن… شعورٌ بالفخر والراحة من جانبها عبرت ـ أم هيثم البورنو 38عامًا وهي إحدى النساء العاملات في المخبز عن سعادتها البالغة والعميقة لوجودٍ مخبزٍ مهني في غزة،يستوعب النساء الفقيرات ويطورّ وضعهن بطريقةٍ إيجابيةٍ وسليمةٍ وذكية،مسترسلةً في تعبيرها عن حبها للعملِ في المخبز بقولها" أنا مواطنة أسكن في غزة،وأشعر بضرورة إنخراطي في العمل،ومشاركتي لزوجي الذي يعمل تحت بند بطالة،فالوضع الإقتصادي لأسرتنا متدهور مثل كل الفلسطينين نتيجة الحصار والظلم الواقع علينا. مالي يذهب لأبنائي
سيدة من العاملات تقوم بشوي قطع من اللحم
وتابعت البورنو حديثها بلسان الراضي عن حاله قائلة"الحمد لله عملي داخل المخبز طورّ شخصيتي وحسنّ وضعي،وجعل أبنائي السبعة في وضعٍ أفضل،عدا عن شعوري بالرضا كوني أعمل في مخبز خاص بالنساء وهذه ميزة أفتخر بها،فالمكان آمن والعمل مع الجماعة ممتع؛فلا أشعر بالحرج لأن النساء اللواتي أعمل معهن مثل وضعي. لم يختلف الحال كثيرًا مع السيدة أم سامي بصل 54عامًا التي وصفت ما تقوم به من عملٍ خارج البيت بالإنجاز العظيم في ظلٍ البطالة والحصار والفقر موضحةً أنها تعيل أسرة مكونة من ثمانية أبناء إضافةً إلى زوجها العاطل عن العمل … وصارحتنا العاملة أم سامي بمدى الإحباط واليأس الذي يُسيطر على المرأةِ عندما تطلب من زوجها مبلغًا بسيطًَا من المال؛فيضطر لإجابتها ـ مفيش ـ بسبب الوضع البائس؛لكنها استدركت ذلك بقولها"بإمكان الزوجة تخفيف المعاناة عن أسرتها من خلال خروجها إلى العمل حتى وإن كان هذا العمل لا يجلب لها إلا القليل من المال مذكرةً نساء فلسطين بالمثل الشعبي الذي يقول"النار من مستصغر الشرر"في إشارةً منها إلى تحدي الصعوبات وقهر الفقر..
نوع آخر من المعجنات
أم سامي لم تخفي سعادتها التي تجلّت واضحةً في نبرةِ صوتها وملامح وجهها كوننا نجري معها هذا اللقاء الذي يوضح إصرارها وإصرار زميلاتها على الحياة والإبداع حيث كشفت لنا أن مالها كله يذهب لأبنائها الذين يعملون أسبوع ويجلسون شهر على حدِ تعبيرها. وبضحكةٍ رنانة تواصل العاملة أم سامي حديثها"المرأة مثل الرجل مثل الإبن في هذه الظروف تخرج للعمل وتبدع وتصرف على أسرتها،مضيفةً أن عملها في مجال صناعة المعجنات ولدّ لديها الشعور بالإبداع والذوق الرفيع والحس الفني مؤكدةً أن الطبخ وصناعة المأكولات بشتى أنواعها يجب أن تتسلح به كل امرأة في ظل الوضع المتردي لشعبنا الفلسطيني. حصارٌ ظالمٌ يشتدٌ ويشتد وفي المقابل أيادٍ فلسطينية تتشابك وتتعانق في ساحِ العطاء والإبداع ِ أرادوا بحصارهم الظالم خنق نسائنا وشيوخنا وأطفالنا؛فانقلبَ السحرُ على الساحر وخنقتهم المرأة الفلسطينية العالمة بإبداعها حين خرجت معلنةً بإصرار بدء مرحلةٍ جديدةٍ ـ لامثيل لها في عالم التضحية والفداء.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72461
