عمال فلسطين.. المساعدات ليست بديلا عن العمل
لليمين دُرْ، للشمال لف. اكشف عن بطنك.. عد كما كنت. محلك ارقد، أثناء رقاده تأتيه صورة صغيرته، وهي في انتظاره عائدا إليها بحلواها المفضلة فيصر على مواصلة السير. إنكم إرهابيون، هدفكم قتلنا.. يبتسم ابتسامة مرة. تعاوده صورة الصبي الذي لم يشترِ له ملابس جديدة منذ فترة طويلة، لا لن أعود، لا بد من مواصلة السير. قف، تطول فترة الوقوف. أبرزْ تصريح عملك، إنه معي. تقدم.. استعد لدخول غرفة التفتيش. انزع كامل ملابسك عدا القطعة الداخلية. تجول بباله دعوات الزوجة في الصباح “الله معك”. كله تمام اعبر، أوه.. أخيرا. يهم مسرعا.. قف ثانية.. لن تعبر؛ سنكتفي بمن عبر قبلك اليوم، هذه أوامر جديدة. لن ينفع معهم التوسل، أمر قد علمه طيلة أربعين عاما هي سنوات عمره. فعاد إلى داره من دون أن يتمكن من الوصول لعمله.
هذا المشهد المهين ليس من وحى خيالنا، لكنه يتكرر كل يوم مع الآلاف
من العمال الفلسطينيين من قبل جنود الاحتلال على الحواجز والمعابر التي تفصلهم عن
أماكن عملهم في الشريط الأخضر، أو داخل الأراضي الخاضعة تحت السيطرة الإسرائيلية،
كل هذه الإجراءات القمعية رصدتها عدة تقارير ودراسات حقوقية منذ اندلاع الانتفاضة
المباركة في 29 سبتمبر 2000 إلى الآن.
أرقام وإحصاءات
أعلن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن عدد العاطلين عن العمل في
الأراضي الفلسطينية في الربع الأول من العام 2005 بلغ حوالي 208 ألف شخص، بواقع 122
ألفا في الضفة الغربية، و86 ألفا في قطاع غزة. واحتلت مدينة جنين في الربع الأول من
عام 2005 النسبة الأعلى للبطالة في الضفة الغربية؛ حيث وصلت إلى 29.4 %، تلتها
محافظة الخليل بنسبة 27.4%، بينما أدنى معدلاتها كانت في بيت لحم 12.4%، وفي قطاع
غزة احتلت محافظة خان يونس النسبة الأعلى للبطالة 36.6 %، ويليها شمال غزة 36.2 %،
بينما أدنى نسبة كانت في محافظة رفح 30.1 %.
وأوضحت دراسة بعنوان “الآثار الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للحصار
والإغلاق على العامل الفلسطيني” أجراها “مركز الإعلام والمعلومات الفلسطيني” أن
إجمالي الخسائر التي لحقت بقطاع العمل والعمال منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في
29-9-2000 وحتى تاريخ 1-1-2003 بلغت أكثر من 3.7 مليارات دولار، نتيجة توقف العمال
عن عملهم وانضمامهم لدائرتي البطالة والفقر، الذي رصدت الدراسة ارتفاع ملحوظا في
معدلاتهما؛ حيث ارتفعت البطالة إلى 70% واتسعت دائرة الفقر إلى 75% من مجموع الأسر
الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما أثر على مستوى المعيشة اقتصاديا
واجتماعيا.
ممارسات وحشية
ندرة فرص العمل ليست المشكلة الوحيدة التي تؤرق العامل الفلسطيني؛ إذ
يضاف إليها الممارسات الوحشية التي تمارسها قوات الاحتلال ضده، والتي رصدها المركز
الفلسطيني لحقوق الإنسان في 28 يوليو 2004 في نشرة خاصة حول “الإغلاق الإسرائيلي
الشامل على قطاع غزة خلال الفترة بين 1-12-2003 – 30-6-2004″، والتي جاء فيها أن
جنود الاحتلال يجبرون العمال الفلسطينيين المارين على الحواجز الإسرائيلية على
التعري، ورفع أجزاء من ملابسهم ضمن إجراءات ما يسمى بالفحص الأمني. وعند الحاجزين
العسكريين لمعبر بيت حانون والمنطقة الصناعية “إيرز” شمال قطاع غزة اعتاد هؤلاء
العمال على ترتيبات تنافت جميعها مع مبادئ وقوانين احترام حقوق الإنسان من تهديدهم
بالقتل وتوجيه الإهانات إليهم، وصولاً إلى إجبارهم على الانتظار، والعودة إلى
منازلهم من دون أسباب مقنعة.
وأضافت النشرة: أن أصحاب العمل الإسرائيليين باتوا يستخدمون العامل
الفلسطيني بالسخرة؛ حيث يتعهد العديد منهم بتشغيل هذا العامل أو ذاك، وفي نهاية
الشهر أو بعد تراكم الأجر أكثر من شهر يقوم صاحب العمل بتوقيف تصريح العامل، فلا
يسمح له بالدخول إلى إسرائيل للمطالبة بحقه، كما أن الكثيرين منهم يقومون بتغيير
أسماء شركاتهم وعناوينها ما بين الفترة والأخرى؛ من أجل عدم تمكين العامل الفلسطيني
من المطالبة بأتعابه.
متاعب نفسية واجتماعية
بينت نتائج دراسة مركز الإعلام والمعلومات الفلسطيني المشار إليها آنفا إلى وجود
دلالات إحصائية على تراجع في مستوى الصحة النفسية العامة للعامل الفلسطيني، وازدياد
المشاكل النفسية السلوكية لديه بشكل كبير بعد الحصار الذي بدأ مع اندلاع الانتفاضة
الثانية عما كان عليه قبلها.
فقد اعترف 83.3 % من العمال الفلسطينيين الذين تناولتهم عينة الدراسة
بوجود حالات من العصبية والعنف من جانبهم ضد الزوجة والأبناء؛ نتيجة للكبت والمشاكل
النفسية التي ينتجها الحصار الإسرائيلي. وأشارت أيضا إلى أن 79.7% منهم لديهم قلق
ومشاكل في النوم، فيما وصلت نسبة من يشعرون بالحزن والكآبة بشكل عام نتيجة للإغلاق
والحصار إلى 97.8 %. وأظهرت أن 71 % أصبح لديهم ميول انطوائية جراء هذا الحصار،
وهذا كله يؤدي إلى تفكيك وتدمير التلاحم الاجتماعي الفلسطيني، ويولد مشكلات نفسية
سلوكية لدى الفرد.
وحول انعكاس الحصار الإسرائيلي على السلوك الاجتماعي للفرد، أوضحت
الدراسة أن الحصار أدى إلى شعور العامل بالإحباط واليأس نتيجة فقدانه مصدر رزقه،
الذي كان يؤمن احتياجاته، ومستلزمات أسرته الاجتماعية والاقتصادية، مع شعوره بخيبة
الأمل والشك بكل ما يدور حوله.
كما أشارت إلى أن العامل الفلسطيني أضحى مهددا بالانحراف نتيجة ما
يتعرض له من ضغوطات نفسية واجتماعية ناتجة عن حالة الفقر التي تعيشها أسرته؛ بسبب
تراجع مستواها المعيشي، فضلاً عن ارتفاع نسبة العنف العائلي الذي دخلت في دائرته
83.3% من إجمالي أسر العمال الذين شملتهم عينة الدراسة، نتيجة التدخل المستمر
للعامل في كل ما يتعلق بشئون أسرته بعد بقائه في البيت لفترات طويلة.
المساعدات ليست بديل
وعن المساعدات الخارجية التي تزدحم الصحف بالإعلان عن تقديمها للعمال
الفلسطينيين من قبل الهيئات والمؤسسات الخيرية، يقول أحمد القطب -رئيس نقابات عمال
الخدمات العامة والمؤسسات الإنتاجية بالنقابات الإسلامية للعمال بفلسطين- في
تصريحات له عن هذه المساعدات: إنها لا تمثّل البديل عن العمل بأيّ شكلٍ من الأشكال؛
إذ إن هذه المساعدات عادة ما توزّع بشكلٍ عشوائي، ودون خطة عامة تنظّم توزيعها،
وتضمن وصولها لمستحقيها حسب درجة الحاجة إليها، مشيراً إلى كون الأمر يرتبط
بالموضوع النفسي لدى العامل الذي لا يمكن أن تمثل المساعدة بديلاً له عن العمل و
أهميته، التي تتمثل في شعوره أنه يتقاضى ثمناً لتعبه وعرقه، لا صدقة أو شفقة من
أحد.
وأضاف: من الأجدى لو صرفت تلك الأموال في إقامة المشاريع التي تشغّل
العمال، رافضا تعاطي وسائل الإعلام مع الحملات الخيرية لإغاثة الشعب الفلسطيني
بأسلوبٍ يظهره كالمتسوّل الكسول المنتظر لقمة العيش دون بذل أي مجهود للحصول
عليها.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72473