الشعب الفلسطيني والحصار بالإشعاعات الذرية

يتعرض الشعب الفلسطيني لمخطط منظم يستهدف القضاء عليه من قِبَل قوات الاحتلال التي تمارس يوميا أبشع جرائم التصفية بحقه. ورغم وحشية هذه الممارسات اليومية فإن الخطورة تكمن في عدد من الممارسات الأخرى التي ستظهر آثارها مستقبلا؛ كما الحال في تعريض الشعب الفلسطيني لمخاطر الإشعاع الذري الكفيل باقتلاعه من الوجود.
ففي تصريح للدكتور ذهني الوحيدي وزير الصحة الفلسطيني، نشرته جريدة
الشرق الأوسط اللندنية في 16 -5-2005 قال: قامت السلطات الإسرائيلية بدفن 80 طنا من
نفاياتها الذرية على بعد 300 متر من مدينة نابلس بالضفة الغربية. وتجري حاليا
عمليات استكمال دفن النفايات الذرية بباقي المدن الفلسطينية بالضفة الغربية وقطاع
غزة، وبصفة خاصة بالمدن ذات الكثافة السكانية العالية مثل نابلس والخليل وغزة، وهو
ما يؤثر على الإنسان والبيئة، وإصابة المياه الجوفية بالإشعاع والتلوث.
والحقائق تؤكد أن قوات الاحتلال بدأت هذا المسلسل منذ فترة طويلة عبر
إجراءات متعددة، منها: ترك مفاعل ديمونة المزروع بالقرب من التجمعات السكنية
الفلسطينية دون صيانة، فضلا عن انتهاء عمره الافتراضي، مع تعريض المواطنين
الفلسطينيين للأشعة الفتاكة على المعابر والحواجز، ناهيك عن دفن النفايات الذرية
بالقرب من المدن الفلسطينية، كما جاء في تصريح الوزير الفلسطيني.
ديمونة.. الخطر الأكبر
وأكدت تقارير علمية وصور لأقمار صناعية فرنسية وروسية تجارية لمفاعل
ديمونة منشورة بمجلة “جينز إنتلجنس ريفيو” -المتخصصة في المسائل الدفاعية- الصادرة
في لندن عام 1999م، بأن هذا المفاعل النووي يعاني من أضرار جسيمة بسبب الإشعاع
النيتروني الذي يُحْدث أضرارًا بالغة بمبناه؛ فالنيترونات تنتج فقاعات غازية صغيرة
داخل الدعامات الخرسانية للمبنى تساهم بدورها في جعله هشًّا وقابلاً للتصدع، إضافة
إلى أن المفاعل أصبح قديمًا (40 عامًا) بحيث تآكلت جدرانه العازلة، كما أن أساساته
قد تتشقق وتنهار بسبب قِدَمها محدثة كارثة نووية ضخمة.
وحول تأثير هذه التصدعات الموجودة بالمفاعل على الشعب الفلسطيني،
يتحدث الدكتور محمود سعادة -طبيب فلسطيني مهتم بتأثيرات ديمونة- قائلا: المناطق
الفلسطينية تتأثر تأثرا مباشرا بإشعاعات ديمونة. وقد ارتفعت نسبة حالات المرضى
المصابين بكافة أنواع السرطانات والتشوهات الخلقية بين أبناء الشعب الفلسطيني
بسببها، كما لوحظ ارتفاع نسبة العقم عند كلا الجنسين في قرى جنوب الخليل بسبب هذه
الإشعاعات؛ حيث إن هذه النسبة ليست طبيعية.
ويتابع: على الرغم من هذا الكم الهائل من الأمراض الخطيرة التي
تسببها الإشعاعات النووية، فإن الأطباء والمستشفيات وحتى المؤسسات التي تعنى
بالموضوع تتجنب إظهار أن السبب وراء كل ذلك يعود إلى الإشعاعات النووية؛ لأن
إسرائيل تفرض تكتما على الموضوع وتتعرض لكل من يحاول إبراز هذه المشكلة.
وحول أكثر المناطق الفلسطينية تضررا من الإشعاعات الديمونية، يقول
سعادة: كل المناطق الفلسطينية متضررة من الإشعاعات سواء في الشمال أو الجنوب، ولكن
الأكثر تضررا هي منطقة جنوب الخليل، وتضم مدن: البرج، البيرة، بيت مرسم، الظاهرية،
السموع، ومنطقة “بئر نعيم” التي يوجد فيها مدفن للنفايات النووية.
مأساة النقب
معروف أن مفاعل ديمونة موجود في صحراء النقب، ولذا فإنها أكثر المناطق
تأثرا بإشعاعات المفاعل الإسرائيلي، ولعل هذا ما دفع جريدة “أخبار النقب”
الفلسطينية في 5 يوليو 2004م لنشر ملف مطول حول تأثيرات ديمونة والنفايات
الإسرائيلية المشعة على منطقة النقب.
ونقل الملف تحذير أطباء وأساتذة ومسئولين من حالات السرطان المتزايدة
التي تشهدها المنطقة. وقالوا: إن السبب في ذلك يرجع إلى الإشعاعات النووية المنبعثة
فيها.
ونقلت الجريدة عن أستاذ فيزياء متخصص في مجال الذرة والنواة قوله: إن
الجو في جنوب الخليل ملوث بالإشعاعات النووية لقرب المنطقة من مفاعل ديمونة، ولوجود
العديد من مكبات النفايات النووية هناك، كما أنه لا توجد حواجز لصد هذه الإشعاعات،
وهي عبارة عن حواجز إسمنتية توضع حول المفاعل أو المكب، بحيث تخفف أثر الإشعاعات
ولا تخفيها نهائيا، ومن هنا فإن الإشعاع النووي يصل إلينا وهو يحمل طاقة تؤثر على
صحة الإنسان.
وتابع: في الماضي لم تكن لدينا حالات سرطان مثلما هو الحال اليوم،
ومن خلال البحث في هذا المجال لوحظ أن كل من يصاب بسرطان سببه الإشعاعات النووية،
يظهر فيه المرض فجأة رغم وجوده في الجسم منذ فترة، لكنه في حالة سكون، وعندما يأخذ
المصاب أدوية أو أي مادة مهيِّجة للخلايا السرطانية يظهر المرض ويتحول إلى الحالة
النشطة، وفي أيام معدودة يقضي على حياة حامله، والمهيجات هذه إما أن تكون بيئية أو
غذائية أو منشطات أخرى يتعاطاها الإنسان من دون وعي.
ضرب باليورانيوم
ولم تكتفِ إسرائيل في إستراتيجيتها الساعية لإبادة الشعب الفلسطيني
إشعاعيا بإشعاعات ديمونة الذرية وحدها، فقد اتبعت تكتيكا جديدا يعتمد على ضرب
الفلسطينيين بإصابات مباشرة بمواد نووية. وفي هذا الصدد قامت بتطوير أسلحتها
وذخائرها باستخدام مادة “اليورانيوم المستنفذ” ذات الإشعاعات السامة، وقد كشفت بعض
المنظمات الدولية مثل منظمة International Action Center الأمريكية، ومنظمة Lake
foundation الهولندية، استخدام إسرائيل الذخائر وقذائف الدبابات المحتوية على مادة
اليورانيوم ضد المواطنين الفلسطينيين. وأدى ذلك إلى استشهاد المئات منهم، وإصابة
الآلاف بجراح معظمها خطيرة، وفق ما أوردته مجلة “رؤية” الصادرة عن الهيئة العامة
للاستعلامات بالسلطة الوطنية الفلسطينية في مارس 2004م.
وقد شهد الأطباء المعالجون بأنهم لم يشاهدوا إصابات بهذا الشكل من
قبل؛ إذ غالبا ما تتفجر الذخائر في جسم المصاب وتؤدي إلى زيادة تهتك أجزاء الجسم
وهو ما يهدد حياته. ويذكر بعض العلماء أمثال الدكتور فوزي حماد رئيس هيئة الطاقة
الذرية المصرية الأسبق، أن مثل هذه الذخائر والمقذوفات المستخدم فيها اليورانيوم
المستنفذ ذات إشعاعات سامة تلحق أضرارا بالصحة العامة، وتسبب أمراض السرطان
بأنواعه، والتشوهات الخلقية عند الأجنة، والأمراض المزمنة.
إشعاع على المعابر
ومما يؤكد فرضية سعي إسرائيل للقضاء على الشعب الفلسطيني بالإشعاع،
أنها لا تترك أي فرصة يمكن من خلالها تحقيق هذا الغرض إلا واستغلتها، فها هي تضع
الأجهزة المشعة على المعابر والحواجز التي يسافر من خلالها الفلسطينيون بغية إلحاق
الضرر بهم، متذرعة بالاحتياطات الأمنية.
وكشف الدكتور جمعة السقا، مدير العلاقات العامة في مجمع الشفاء الطبي
في مدينة غزة لوكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) في 22 مارس 2005م، عن إجبار قوات
الاحتلال الإسرائيلي المواطنين المسافرين عبر معبر رفح الحدودي مع مصر جنوب قطاع
غزة على دخول غرفة إشعاعية أعدت خصيصا لإلحاق أقصى درجات الضرر بهم.
وأوضح بأن الغرفة تحتوي على أشعة عالية تعمل على تأيُّن الهواء
المحيط وتدخل الجسم؛ ليرى المراقب الإسرائيلي كل شيء حتى العظام، مشيرا إلى أن هذه
الأشعة تراكمية تؤدي إلى أضرار جسيمة لا تظهر آثارها إلا بعد عدة سنوات. وهذه
الأضرار: تلف في الخلايا، وغثيان وقيء أحيانا، وانخفاض عدد الصفائح الدموية،
والعقم، وإعتام العين، وتشوهات الأجنة في بطون الأمهات، وأورام سرطانية، وسرطان
الدم والجلد، والتخلف العقلي، وخلل في الغدد الصماء.
وأشار السقا إلى أن هذه الغرفة لا يصلها أي إسرائيلي، حتى إن المشرف
على دخول المواطنين إليها أحد الموظفين الفلسطينيين في المعبر، ولا يأخذ ختم الخروج
سوى من يمر عبرها.
تحذيرات دولية
ولم تكن ممارسات إسرائيل السابقة بعيدة عن الرصد الدولي، وبخاصة فيما
يتعلق بمفاعل ديمونة؛ فقد حذَّر المكتب الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة من
خطورة الإشعاعات النووية الصادرة عن هذا المفاعل الإسرائيلي الموجود في صحراء
النقب. وجاء في مذكرة عممها على الدول العربية أن هذه الإشعاعات تؤثر بصورة سلبية
ومباشرة على جميع الكائنات الحية، سواءً كان الإنسان أم الحيوان أم النبات في
المناطق القريبة من المفاعل.
وأوضحت المذكرة أن العديد من الدراسات والأبحاث التي أجرتها مراكز
الرصد المتخصصة أكدت وجود تسرب إشعاعي نووي من مفاعل ديمونة إثر تعرضه لمشكلات
وأعطال فنية مؤخرا؛ بسبب انتهاء فترة العمر الافتراضي له. وأشارت المذكرة إلى ضرورة
قيام الدول العربية المجاورة لفلسطين باتخاذ إجراءات فاعلة لدرء الأخطار الناجمة عن
مفاعل ديمونة الإسرائيلي، بعد أن أصبحت هذه الدول عرضة للتأثر بتلك الإشعاعات.