الارتباط بأسير.. جهاد من نوع آخر
تبادلت الحديث ذات يومًا في إحدى الفعاليات المعنية بشئون الأسرى مع أم الأسرى الفلسطينية “أم جبر وشاح” كان محور الحديث عن الأسير اللبناني سمير القنطار، وبتسلسل ولباقة كانت أم جبر تتحدث عن ابنها بالتبني عميد الأسرى العرب، ومن بطولة لأخرى استوقفتني تضحية هذا الأسير داخل السجن عندما أصرّ على أن تتركه خطيبته المقدسية والتي كانت على استعداد أن تنتظره العمر كي ترتبط به.
لم تكن الحكاية السابقة وإن انتهت حزينة وحيدة فقد سجّل التاريخ حكايا مشابهة، ويبقى الواقع الأكثر تحديًا وإصرارًا هو تمسك الكثير من الفتيات الفلسطينيات بالارتباط بأسرى مهما كلف الأمر من معاناة الضغط النفسي والاجتماعي، ولم تكن آخر تلك الحكايا ما حدث قبل فترة قصيرة أمام سجن “أنصار 3” عندما أصرت فلسطينية وخلال دقيقة واحدة فقط على تبادل “خواتم” الخطوبة مع خطيبها الأسير حمزة مرعي -قرية قراروة قضاء قلقيلية- أمام حضور كثيف من قوات الاحتلال الإسرائيلي.
“إنسان أون لاين” تفتح ملف ارتباط الفتيات الفلسطينيات بأسرى وتتحدث لهن ولذويهن كما تتحدث لمتخصصين عن التأثيرات والتحديات النفسية والاجتماعية والشرعية التي تتعلق بالموضوع.
في بيتنا محمد
أبهرت الفتاة الفلسطينية منى خضر -22 عامًا- من سكان الخليل كل من حضر محكمة أسرى بئر السبع المقعدة يوم 25-11-2004 عندما تحدت هذه الفتاة كل الإجراءات الإسرائيلية المشددة لتصل لخطيبها الأسير وتعلن خطوبتها، وتتحدث منى بسلسلة عن بداية علاقتها بمحمد زيدات -22 عامًا- فتقول: “كان محمد صديق أخي وطورد في الانتفاضة لمقاومته في كتائب الأقصى، فكان بيتنا وأخي الملجأ الآمن له لانتقال من مكان لمكان آخر، وخلال هذه الفترة أصبح محمد كما تقول أمي الابن الرابع لنا.. كان خلوقًا ورائعًا جدًّا”، وتواصل حديثها قائلة: “كنا نتبادل الحديث جميعًا معه وحدث أن أعجب بي، لكن وضعه كمطارد ومقاوم كان يمنعه من أن يعترف لي بذلك، وكان يرى أنه من غير اللائق أن يربط مصيري به، إلى أن تشجع في الفترة الأخيرة وتكلم مع أخي وبدأنا نُعِدّ للخطوبة، لكن اقتحام بيتنا واعتقال محمد سبق تنفيذ أي خطوة من مراسم الخطوبة”.
ألم حزن شديد بمنى ومحمد وأسرتهما رغم توقع أسر محمد في أي وقت من الأوقات، وهنا بدأ إصرار مني يكبر يومًا بعد يوم في إتمام الارتباط، وقررت فعلاً بعد عام وشهرين من اعتقاله أن تذهب للمحكمة الإسرائيلية يوم محاكمته لتعلن الخطبة هناك لكن المشوار لم يكن سهلاً، تقول منى: “واجهتني أول المشاكل عندما قررت أن أدخل المبنى مع والدي محمد وهذا ممنوع، لكن الله سهّل الأمور عندما همس أحد الحاضرين بأذني أن أقول إني قريبة لأحد الأسرى الذين لم يحضر أحد محاكمته وتمكنت من ذلك بحمد لله”، وتضيف: “وثاني تلك المشاكل عندما تجاوزت التفتيش بخواتم الخطوبة، فوضعتها في حذائي واضطررت لخلعه على أساس أن معدنًا صغيرًا دخل فيه، ثم جاءت النقطة الأهم وهي كيف أدخل قاعة المحكمة بعد أن منعني الجندي من الدخول، وبقيت على بعد 5 أمتار من باب المحكمة، وبعد ربع ساعة وجدت نفسي أدخل تلك القاعة، وظن الجنود أنه من غير المعقول أن أتجرأ بالدخول دون أن يكون لي أحقية بذلك، وفعلاً دخلت ورأيت محمدًا الذي كان على بعد 12 مترًا”.
وجّه القاضي لمحمد أكثر من 12 تهمة فنفاها مما دفع القاضي لتأجيل المحكمة وهنا اصطحب الجندي محمد للسجن وفي لحظة خروج القاضي من المحكمة نهضت منى واستوقفت القاضي وظن الجنود أنها تريد أن تهاجمه فوجهوا بنادقهم تجاهها، لكنها سرعان ما بدأت تتحدث إليه بالإنجليزية، وقالت: “أنا لا أتكلم العبرية، لكنني إذا تحدثت بأي من اللغات فأعتقد أنك ستفهمني من ملامح وجهي”، فأجابها بالإيجاب، ثم قالت: “كنت أنوي ومحمد أن نعلن خطوبتنا قبل اعتقاله فحدث الاعتقال، والآن أرجو منك أن تسمح لي بتبادل الخواتم مع خطيبي”، فأجابها أن هذا الطلب هو الأول من نوعه الذي يتعرض له، لكن الأمر ليس بيده وإنما بيد ضابط الأمن الذي رفض ذلك، وتضيف منى الخريجة من قسم الهندسة الزراعية من جامعة الخليل: “بعد إلحاح مني قبل أن نتبادل الخواتم خلال دقيقتين على أن آخذ الخاتم معي؛ لأنه ممنوع وجوده في المحكمة، وفي قاعة المحكمة اجتمع المحامون والأهالي والجنود حتى يجلب الجنود محمد الذي لم يصدق الأمر، وفعلاً جاء وما إن رأى مُنى حتى احتضنا في مشهد بكى فيه كل من تواجد في القاعة”.
تمت الخطبة دون أن تعرف منى مدة الحكم التي تتوقع ما بين 7 – 20 عامًا، لكنها أكدت أن هذا لم يحل دون إصرارها على الارتباط، وأن كان الأمل يسكنها دائمًا بأن تكون أقل ما يمكن، فما يهمها هو الارتباط بهذا الشاب الذي يقتصر اتصالها به الآن عبر البرامج التلفزيونية التي تنقل رسائل من وإلى الأسرى وعن طريق البريد.
والد منى كان يرى في محمد ظروف كل الشباب الفلسطيني فهو عاش بينهم فعلم بخلقه وأخلاقه، يقول والدها: “منى واعية وعلى قدر من المسئولية في اتخاذ هذا القرار، وظروف محمد كأغلب الشباب الفلسطيني وعلينا أن نتحمل”، وأضاف: “هناك آلاف الأسرى إذا تركت كل واحد خطيبها أو زوجها ستصبح نكسة اجتماعية”، أما والدة منى فهي كأغلب الأمهات التي تستعجل أن ترى ابنتها عروسًا ثم أمًّا، ومع أنها لا تظهر قلقها من هذا الارتباط إلا أن تقر أن عليها الرضوخ لاختيار ابنتها وظروف محمد، تقول أمها: “يعزّ عليّ محمد كثيرًا وأعتبره كواحد من أبنائي إلا أنه لا أخفي أن الموضوع ليس هينًا، وأن الارتباط محفوف بالمخاطر”، وتتحدث منى عن رؤية المجتمع لهذه الارتباط فتقول: “هناك من يرى في ارتباطي بمحمد اللامعقولية، ويقول لي بدل من أن يصحبك خطيبك إلى المطاعم وأماكن الترفيه، تجبري نفسك على أن تركضي وراءه في سجون الاحتلال وفي نادي الأسير والصليب الأحمر”، وتضيف: “الحمد لله أن الأغلبية ترى في ارتباطي قوة وتحديًا وحبًّا لمحمد وهذا يكفيني كي أستمر”.
25 عامًا خطوبة!!
سناء الحوش فتاة فلسطينية عقد قرانها قبل أكثر من خمس سنوات على الفلسطيني مصطفى عفانة، وبعد أقل من عام اعتقل مصطفى أثناء ذهابه لتنفيذ عملية فدائية كمقاوم في حركة الجهاد الإسلامي، ثم حكم مؤبد -25 عامًا- واستكملت سناء مشوارها التعليمي بتحفيز من مصطفى وهو خلف القضبان لتصبح الآن طالبة في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة الأزهر بغزة، لكن رحلة ارتباط سناء بهذا الأسير الفلسطيني كانت قاسية جدًّا رغم رضاها واقتناعها التام بذلك، تقول سناء: “واجهت ظروف ضغط قاسية جدًّا بدأت بأهلي والمحيطين بي ولن تنتهي عند المجتمع الذي أعيش به”، وتوضح سناء: “منذ خمسة أعوام وأنا أعيش في معركة دائمة خاصة عندما أقر الحكم بـ25 عامًا، لكن أملي في الله أن يفك قيد مصطفى كبير، هو وحده الذي يعينني على الاستمرار وتحدي الكثير من الظروف”، وتضيف: “كلما تخيلت أن فك الارتباط قد يحدث، اعتصرت ألمًا، مصطفى إنسان عزيز عليّ، فكيف لي أن أتخلى عنه، الأمل في الإفراج عنه يسكنني دائمًا، وأدعو الله أن يفك قيده وقيد جميع الأسرى”.
وتستمر تتحدث بحب وألم وفراق عن هذا الفلسطيني القابع خلف الأسوار والذي يبلغ الآن التاسعة والعشرين من العمر فتقول: “كانت معاملته معي ومع الجميع رائعة جدًّا ومتميزة هو إنسان خلوق ومتدين، ويكفي أن أمه كانت تراه أفضل وأعز أبنائها السبعة إلى قلبها”، تصمت قليلاً وتتدارك الدمعة من عينها، ثم تتحدث ببطء: “توفِّيت أمه قبل أربعة أشهر وكانت تحبني كثيرًا وتتمنى ذلك اليوم الذي يخرج فيه مصطفى ونتزوج”، وحول إذا ما كان مصطفى قد خيّر أو طلب من سناء فك الارتباط قالت سناء: “حدث كثيرًا، كنت في البداية على اتصال هاتفي معه وكثيرًا ما كان يطلب منا أن نفترق وكنت أراه يعتصر ألمًا وهو يُصرّ على هذا الطلب، ويريد أن أوافقه على ذلك، لكنني كنت أرفض ذلك دائمًا”.
قبل عام ونصف زارت سناء مصطفى في السجن ورأته وطلب منها ذات الطلب والآن يقتصر التواصل بعد التضييق المستمر على أسر الأسرى عن طريق رسائل البريد يوصيها فيها مصطفى بالصلاة وتقوية الإيمانيات.
لاقت سناء التي تعيش في مخيم دير البلح وما زالت معارضة شديدة من أهلها في استمرار هذا الارتباط رغم أنها ما زالت طالبة في جامعة الأزهر، ويلاحقها دائمًا عدم اقتناع الكثير بكونها مرتبطة بأسير، أي أن فرص خطبتها تطرق الباب وتجلب معها مشاكل التي تنكب عليها لإصرار والدها على إنهاء الارتباط والزواج من هذا الخاطب أو ذلك، تقول سناء: “الناس حولي ينقسمون قسمين أولهما يبارك موقفي ويحفزني على الاستمرار ويرى في انتظاري قوة وتحديًا والآخرين لا يخفون عدم قبولهم لذلك وينكبون عليه بتوقعات المستقبل الحزين ومنهم والدي”، وهنا يتكلم معنا والد سناء أبو سالم بصراحة ويقول: “أنا كأي أب أريد أن أزوج ابنتي وأطمئن عليها، وهذه سنة الحياة ولم يحرمها الشرع، مصطفى ضحّى كثيرًا لكن انتظاره 25 عامًا ليس بالأمر الهين”.
سماح.. حالة مختلفة
سماح فتاة فلسطينية ربطها الإعجاب بشاب كان يشاركها النشاط الجامعي في إحدى جامعات غزة، وما لبث الأمر إلا أن طلبها من أهلها، لكن قوات الاحتلال كانت أسرع في اعتقاله على خلفية مقاومته للاحتلال من إعلان هذه الخطبة، وإذا كان وضع سماح أصعب كونها لا ترتبط بعقد زواج كما حدث مع الحالات الأخرى إلا أن تُصِرّ على انتظار خطيبها لإنهاء محكوميته البالغة عشر سنوات والتي قضى منها ما يقارب العامين، وإن كان الأمل أيضًا يسكنها بأن يفك قيده ويخرج في تبادل لأسرى أو أي اتفاقية سياسية.
أما الضغط والرفض لهذا الوضع فتجده سماح من أقرب المقربين له وهو والداها الذي قال لنا: “أنا مبتلى منذ عامين ونصف بهذا الوضع وأرفض انتظار ابنتي لهذا الأسير، وهذا لا يعني أنني قاسي القلب، إلا أن انتظار عشر سنوات ليس بالأمر الهين، قد يخرج هو من الأسر ويتعرض لضغط فيترك ابنتي ويبحث عن أخرى أصغر سنًّا، فكيف سيكون وضعنا وقتها”، ويضيف الرجل الذي بدأ يتحدث عن قناعته: “المشكلة في أن الجميع ربط ابنتي به، وأنا أنتظر فرصة لتزويجها من آخر، خاصة أنه لا عقد بيننا، ولا أخفيك بأنني أسعى لذلك فعلاً”، أما أمها فتتخذ موقفًا مغايرًا وتقول: “رغم رفض زوجي لهذا الارتباط فإنني أجاهد في بث العزيمة والصبر في نفس ابنتي لانتظار هذا الشاب الذي ضحّى من أجلنا جميعًا، وأدعو الله ليلاً ونهارًا أن يفك قيده وجميع الأسرى قريبًا”.
مباح ولكن!!
يبيح الشرع الإسلامي كلا الحالتين، وبتفسير أكثر نقول إن الشرع يبيح انتظار الفتاة لخطيبها الأسير طالما هي ترتضي ذلك، كما يبيح لها الانفصال عنه وهو ما يقع على الأسير نفسه أيضًا، وهذا يبينه لنا د. صالح الرقب أستاذ مشارك بقسم العقيدة كلية أصول الدين، ويقول: “شهد العصر الحديث أكبر مدة انتظار خطيبة لخطيبها وكانت أمينة قطب أخت سيد قطب التي أصرّت على انتظار خطيبها كمال السنانيري الذي سجن أكثر من عشرين عامًا وخرج في عهد السادات وتزوجت منه بعد هذا الانتظار”، ويوضح لنا الرقب: “لا مانع من الانتظار، والفتاة في مجتمعنا الفلسطيني تنظر بكل رحابة لذلك على أساس أن هذا الأسير مجاهد وتعتبر الانتظار له نوع من الجهاد في سبيل الله، وتسأل لماذا لا أصبر من أجله وأجل فلسطين كما فعل هو، فالنظرة الجهادية تسيطر على رأس الفتاة وليس فقط الحب العاطفي والشخصي”، وأقر الرقب بوجود ضغوط من الأهل والناس على هذه الفتاة، وأوضح: “الشرع أباح للمتزوجة التي لها أولاد وتركها زوجها فترة تزيد عن عام أن تطلب الطلاق والقاضي مجبر عن إيقاع الطلاق، أما إذا أرسل الزوج الغائب ورقة الطلاق فأيضًا يقع الطلاق”، ويُصِرّ الرقب على التأكيد بأنه يجب تقدير الأمور بعقلانية، ففي حالات الحكم البسيطة تقدر الأمور ومن الجميل أن تنتظر الفتاة هذا الأسير لا أن تعطيه ضربة تقضي عليه، ويتحدث الرقب عن ضرورة تقدير الموقف جيدًا، فالحالة الفردية تقر ما لا يقرها غيرها، خاصة أن الكثير من الأسرى محكومين أحكامًا عالية وقد يجدد له الحكم ووضعه عند قوات الاحتلال ليس واضحًا، وهنا أقول للفتاة المسلمة أن الزواج قسمة ونصيبًا وهو عليه أن يقدر هذا الموقف ربما يخرج ويغير رأيه فتتعرض الفتاة لنكسة وأهلها والمجتمع، وعلى الأسير في مثل تلك الحالات أن يضحي بعاطفته؛ لأن المجتمع لا يرحم المرأة، والرجل قد يجد الفتاة المناسبة بعكس الفتاة إذا كبرت.
المعركة تتعدد أطرافها
تشكل النظرة الإيجابية التي يحظى بها الأسير الفلسطيني منحنى هامًّا، على أساس كونه مضحيًّا بأعز ما يملك وهي حريته في سبيل الله والوطن والجميع، مما يوجد احترامًا كبيرًا للأسرى في المحيط الاجتماعي، وهذا يؤكده لنا د. جميل الطهراوي أستاذ علم النفس بالجامعة الإسلامية بغزة، ويتحدث الطهراوي عن دافع هذه النظرة الإيجابية للفتاة التي تربط بأسير للرضى والصبر وتحمل انتظار هذا الشاب وهو ما يسميه لنا بـ”المعايير الجبرية”، إلا أنه لا ينفي لنا وجود ضغوط نفسية كبيرة تحاصر الفتاة والأسير ويوجدها أيضًا الرفض الاجتماعي لوقت هذا الارتباط والذي يتحدد بمدة الحكم، ويقول الطهراوي: “هناك معركة تنشأ بين الطرفين والمجتمع، والمعركة مع المجتمع أهون وأبسط من تلك المعركة التي تنشأ بين الأسير ونفسه والتي تتأرجح بين حاجته الماسة لتمسك بخطيبته وبين رغبته الحقيقية بعدم ظلمها وربطها معه بمصير لا يتحكم به”، ويضيف الطهراوي: “ولا تقل أيضًا المعركة التي تنشأ بين الفتاة ونفسها ألمًا فهي تنحصر بين الوفاء والصمود والتضحية من أجل هذا الذي ضحّى من أجل الجميع وبين عمرها وشبابها وحاجتها لتكوين أسرة”.
الطهراوي يؤكد أكثر من مرة في حديثه معنا على صعوبة التعميم ويوضح خصوصية كل حالة عن الأخرى، ويقول إن الناحية العقلية ستعتمد في نظرتها للارتباط على مدة الحكم والسن وطبيعة العلاقة والظروف المحيطة من عادات وتقاليد اجتماعية، وقال الطهراوي: “هذا كله يجعلنا نعترف أن المثالية وادعاء الوطنية والوفاء قد لا يتوافق مع بعض الحالات التي لا جدوى فيها من انتظار الأسير، وما دام الشرع أقر أنه من حق المرأة في غياب زوجها مدة معينة أن تطلب الطلاق، فالإنسان يعطي فرديته، كما أن توجيه التهم جزافًا دون تقدير الموقف خاطئ جدًّا”.
أما عن التأثير النفسي للأسير عندما يقع “فك” الخطبة فيقول الطهراوي: “لا شك أنه سيعيش وضعًا نفسيًّا صعبًا جدًّا، لكنه سيشعر على المدى البعيد بالرضا والارتياح، فهو رجل له قيم وأفكار ومبادئ، ومتمرس على معاني الرجولة وهذا يقتضي منه أن يكون للقريبين منه سبب سعادة وعطف، ومن باب الوفاء أو اختيار الأصلح للطرف الثاني؛ لذا سيشعر بالارتياح لأنه لم يعلق الفتاة بـ” رقبته”، كما هو معروف”.
كل حسب ظروفه
يقول د. وليد شبير أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الإسلامية أن الأسر الفلسطينية تتعامل مع علاقة الارتباط بين الأسير وأي فتاة كلاًّ حسب ظروفها سواء أسرة الفتاة أو أسرة الشاب، فإذا كانت مدة الأسر قصيرة فغالبًا ما يكون الصبر هو الحل المفروض، ويضيف: “وإذا ما كانت فترة الاعتقال طويلة وتقبلت هذه الأسرة ذلك مع ابنتها، فمن حقها شرعًا واجتماعيًّا استمرار الارتباط”، ويبين شبير أن هذا لا ينفي بتاتًا وجود مشاكل تؤدي لسوء العلاقة بين الفتاة وأهلها إذا أصرّت على الارتباط في ظروف مرفوضة من قبل أسرتها، وهنا لا بد من بحث الأمر لاتخاذ القرار من كلا الأطراف ويتم التفاهم حول ذلك.
أما في حالة قبول كلا الطرفين على استمرار الارتباط وحدوث ضغط عليها فإن الفتاة تستطيع أن تلجأ لأهل الإصلاح للضغط على أهلها في محاولة لإقناعهم أنها تُصِرّ على هذا الأسير الذي تتواصل معه بالاتصال الهاتفي أو البريدي، وحول النظرة المجتمعية للفتاة في حالة فك الخطبة بعد مدة معينة قال شبير: “لا بد من أن توضّح الفتاة لمن ترتبط به بعد ذلك الظروف الحقيقة لفك الارتباط لتجنب الكثير من الشروخ والكدر والمشاكل الاجتماعية”. ونفى شبير أن يكون المجتمع الفلسطيني ينظر نظرة سلبية للفتاة التي تُصِرّ على الارتباط بأسير وقال: “المجتمع ككل يعاني ويتحسس المشاكل التي يفرضها الاحتلال على الكثير من الشرائح الفلسطينية، ومن ضمنها شريحة الأسرى، والأمل والإيمان المستمر بإمكانية خروج هؤلاء الأسرى في أي وقت موجود دائمًا”، ويتساءل كيف سيقبل المجتمع حرمان الأسرى من مثل هذا الحق ما دام الرضا بين الأطراف المعنية موجودًا.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72498