أطفال فلسطين.. مشاركة الضحية هي الحل

هموم كثيرة أصبحت تقع على كاهل كل طفل فلسطيني؛ لتجعله يكبر قبل أوانه، ولتسلبه طفولته وحقه بالعيش كباقي أطفال العالم، وممارسة حياته الطبيعية في اللعب والتعليم، فالاحتلال الصهيوني لم يترك وسيلة إلا واستعملها لقمعهم وإرهابهم وتحويل حياتهم إلى جحيم، وإلى عذاب لا يُطاق.
رائحة الموت تزكم أنوفهم، ومنع التجول وحبس المواطنين يجعلهم يعيشون في معتقل حقيقي، وأصبح من لم يلعب من الأطفال الفلسطينيين لعبة “القط والفأر” مع الدبابات الإسرائيلية، يلعب مع أصدقائه لعبة الجيش والعرب التي اعتاد أطفال فلسطين لعبها منذ وعيهم بالاحتلال والانتفاضة، حيث يعمد هؤلاء الأطفال إلى شراء الرشاشات البلاستيكية وإلى تجميع الحجارة والانقسام في مجموعتين، إحداهما تشكل المقاومين الفلسطينيين والأخرى تتقمص شخصية جنود الاحتلال.
ويعتقد كثير من الأخصائيين النفسيين أن هذه الألعاب التي يمارسها الأطفال الفلسطينيون هي تعبير وانعكاس لمشاعر الغضب والرعب والخوف المختزلة في نفوسهم نتيجة الممارسات الإسرائيلية البشعة والجرائم الوحشية التي يشاهدونها
يقول د. إياد السراج مدير عام برنامج غزة للصحة النفسية أن العنف الممارس على الأطفال الفلسطينيين يدفعهم إلى العنف والرغبة في الاستشهاد منوهاً إلى بعض نتائج الأبحاث التي قام بها البرنامج في هذا الإطار.
ولا تقتصر معاناة أطفال فلسطين في المعاناة النفسية وحسب، فهناك ما هو أسوأ إذ يعاني ربع مليون طفل في فلسطين و360 ألف امرأة من سوء في التغذية وفقر الدم حسب التقرير الأخير لمنظمة الأمم المتحدة في مدن الضفة الغربية.
يقول الأخصائي النفسي د. فضل أبو الهين ” كنا نعتقد أن السبب الوحيد لتلك الإحصاءات هو عدم وجود طعام كاف ولا نعرف أن القضية هي الخوف والقلق وعدم الأمان الذي يصيب الأمهات والأطفال على حد سواء مما يمنعهم من الأكل ”
ويتوقع أبو الهين ظهور إشكاليات تتلاءم مع كل مرحلة من مراحل المعاناة التي يمر فيها الطفل الفلسطيني مؤكدا أنها إشكاليات تخرج عن قواميس علم النفس، موضحا أنه إذا تحدث عن قلق فهناك قلق مضاعف عشرات المرات وإذا تحدث عن صدمة أو غيبوبة نفسية فعند أطفال فلسطين غيبوبة وصدمة مبالغ فيها .
و يضيف قائلا أن “81% من أطفال قطاع غزة ظهرت لديهم مشاكل في النوم مثل الكوابيس وعدم قدرة الطفل أن ينام بمفرده فكيف ستكون حياة باقي الأطفال الذين سمعوا بتلك المذبحة التي وقعت في منتصف الليل والهدوء يعم المكان و الطفل ينام بأمان وفجأة تقذف قنبلة تبلغ 1000كيلوجرام وسط منزله فيجد نفسه فجأة تحت الأنقاض ويستغيث دون مجيب ” هذا بالإضافة إلى أن 87% من الأطفال في فلسطين يعانون من الحزن و الكآبة و83% يعانون الخوف من الطائرات و72% تظهر عليهم علامات العنف إضافة إلى 79 % يعانون من عدم قدرة على التركيز و الشرود.
في كل الحالات فان المعاناة الكبرى كانت من نصيب الأطفال، كثير منهم أصيبوا بأزمات نفسية، يبللون أسرتهم أثناء النوم، تأخر في التحصيل المدرسي، حالات فزع شديد، وطفولة تحولت إلى كوابيس يومية، هذا بالإضافة إلى افتقادهم إلى بيئة صحية وآمنة تخلو من ملاعب أو حدائق للأطفال ،
المؤسسات الحكومية
وعلى الرغم من كل ذلك إلا أن المجتمع الفلسطيني أبى ألا يقف هكذا مكتوف الأيدي فتسابقت المؤسسات والهيئات الحكومية و الأهلية إلى مساعدة أطفال فلسطين، فتعمل العديد من المؤسسات على الاهتمام بالأطفال في فترة الإجازة الصيفية حيث تنتشر المخيمات الصيفية والنشاطات الثقافية والرياضية.
تعتبر مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي من أبرز تلك المؤسسات حيث يقع مركزها الرئيسي في مدينة رام الله المحتلة، تستهدف “مؤسسة تامر” الأطفال أولا ثم الشباب و ذلك من سن 6 أعوام حتى 22 عاما حيث يلتقي الأطفال و الشباب ضمن برامج تنظمها المؤسسة ومن تلك البرامج المنتدى الصحفي الذي يضم مجموعة من الشباب الذي يهوى العمل الصحفي ويتم نشر دوريات تتناول أهم القضايا المجتمعية .
إضافة إلى اعتمادهم على التثقيف الذاتي عبر مجموعة من الدورات في التحرير الصحفي، وهناك برامج مخصصة لتمكين الأطفال و الشباب من التعبير عن مشاعرهم و آلامهم عبر الكتابة و يتم نشرها بشكل منتظم ضمن صفحة أسبوعية في جريدة الأيام المحلية هذا بالإضافة إلى فرقة تامر المسرحية التي تعمل خلق جو من الفكاهة الذي يفتقده الطفل الفلسطيني ويؤكد احد مسئولي المؤسسة أن للاحتلال أثرا جذريا كبيرا على الطلاب فنجد دائما في الموضوعات التي يكتب فيها الشباب سواء كانت المسرحية أم الأدبية أو الصحفية متسعا للكتابة عن الموت و الهدم و الفقد و الجوع و الاعتقال، مضيفا أنه رغم ذلك إلا أن الجميل في الأمر أننا غالبا ما نجد طفلا يكتب عن مدرسته أو حقه في الصحة والبيئة النظيفة . كذلك يوجد “برنامج غزة للصحة النفسية” والذي أنشأ بمدينة غزة في أبريل 1990 كمحاولة لتقديم خدمة صحية نفسية لحوالي 720 ألف نسمة في القطاع من خلال برامج شاملة تم إعدادها لتغطي كافة مناطق القطاع من شماله حتى جنوبه.
يهتم البرنامج بتقديم الخدمات النفسية ومعالجة الآثار النفسية المترتبة على التعرض للصدمات والتوتر والعنف المنظم من قبل الاحتلال الإسرائيلي. حيث يقوم البرنامج بتقديم أنواع مختلفة من العلاج النفسي عن طريق طواقم طبية متخصصة والعلاج باللعب للأطفال والعلاج الوظيفي وكذلك معالجة حالات الإدمان على المخدرات. يهتم البرنامج بشكل رئيسي بتقديم خدماته لضحايا التعذيب من المعتقلين السياسيين المحررين وللأطفال المتعرضين للصدمات النفسية وكذلك النساء المتعرضات للعنف بكافة أشكاله.
يقوم أيضا برنامج الرعاية المتكاملة للأطفال المصابين بالصدمة حالياً بتوفير المساعدة لـ 166 طفلاً في مخيمات البريج والنصيرات وفي منطقة المغراقة بوادي غزة.
كيفية العلاج
يقول د.أحمد عبد الله الطبيب النفسي ومستشار القسم الاجتماعي في موقع إسلام أون لاين.نت أنه يجب على المدرسين صرف انتباه هؤلاء التلاميذ عن أعمال العنف وان يقضوا وقتا طويلا لتعليم الأطفال الأغاني المبهجة وألا يقصروا تعليمهم للأطفال على كيفية تجنب قوات الاحتلال،

طفل أعزل في مواجهة دبابة اسرائيلية
يؤكد أيضا على أهمية إعطاء الفرصة لهؤلاء الأطفال للتعبير عن مشاعرهم بشكل تلقائي ومفتوح بدون احتقار سواء أخذ هذا التعبير عن المشاعر الشكل المباشر بالبكاء مثلا أو غير المباشر بالرسم والغناء واللعب المختلف.
هناك فكرة مهمة أيضا وهى الانتقال بالطفل من الضحية إلى المشاركة وذلك بأن نحكى له قصة فلسطين أرضنا والاحتلال الذي أخذها منا عنوة وأننا الآن نقاوم هذا الظلم الواقع علينا وبالتالي يصير هذا الطفل مهتما بقضيته ومشغولا بها فيتخلص بالتالي من دور الضحية الذي يفرضه عليه الاحتلال،
يرى د. أحمد أيضا أن الوضع الذي يعيشه الطفل الفلسطيني ربما يعود عليه بشيء إيجابي ويجب أن ننبهه إلى ذلك فنشعره بالثقة في النفس، وهو أن الوضع الذي يعيشه يثقل شخصيته فيصبح أكبر من سنه في أكثر الأحيان كما أننا نلاحظ أنه يتحدث بلباقة وفهم غير متواجدين لدى الآخرين من الأطفال في أي وضع آخر.
سبيل آخر وهو إدراجهم في مشاريع مختلفة جديدة ومتنوعة مثل نشاط أحد الجمعيات والتي صممت برنامجا جديدا للتواصل بين جميع الأطفال داخل فلسطين والأطفال خارج فلسطين من أصل فلسطيني، تحمس الأطفال لهذه الفكرة وجعلت الأطفال من داخل فلسطين يصورا الأماكن الخاصة بهؤلاء الأطفال في الخارج وإرسالها إليهم كما كانوا يرسلون إليهم أيضا في بعض الأحيان بعض من “تراب فلسطين”.
أما بالنسبة لدور الأم كما يقول د. احمد عبد الله فانه يتحتم عليها أولا الفهم والإدراك حتى تستطيع مساعدة ابنها فالهم هو الطريق الأوحد والأصح لمساعدة هؤلاء الأطفال وإتقان حسن التصرف معهم، وتستطيع هؤلاء الأمهات التوجه إلى الجمعيات والمؤسسات التي تتيح قدر كبير من البرامج والبيانات والمعلومات التي تؤهل الأم للتعامل مع ابنها في هذه السن المهمة وهذا الوضع المختلف.
أطفال العراق
سرعان ما أخذ الطفل العراقي دوره هو الآخر في مواجهة الاحتلال، ففي البلدين العربيين المحتلين فلسطين والعراق يتعايش الأطفال ويموتون بنفس الرصاص والقنابل الأمريكية والإسرائيلية الصنع،
برزت مفاهيم الجهاد والاستشهاد لدى أطفال العراق، وبدأت ظاهرة جديدة تنكشف للعيان، وهي ميل الأطفال إلى حمل السلاح في ألعابهم، وبسرعة تشكل عالم خاص بهم، فيه أيضا محتلون ومقاومون.. جنود أغراب غزاة، ومقاومون أشداء وطيبون، ومواجهات يومية بين الطرفين، ويقول أحد الآباء العراقيين ” ترى ماذا يتعلم طفل يرى أبوه عائدا إلى البيت كل ليلة وبيده رشاشه الذي يستخدمه للدفاع عن نفسه “.
يقول تربويون عراقيون: إن الحرب الأمريكية على العراق في مارس 2003 وعمليات القتل والتفجيرات شبه اليومية التي يعايشها الأطفال تركت جروحا غائرة في نفوسهم؛ حيث أصبح المسدس عنصرا مهما في أغلب لعبهم يسعون باقتنائه إلى هزيمة الاحتلال والمخربين والدفاع عن الوطن،
زادت أيضا معدلات عمالة الأطفال في الأسواق الشعبية، وتسربهم من المراحل التعليمية المختلفة؛ لأن ظروف الحصار والحرب اضطرت الكثير من الأسر العراقية إلى الدفع بأطفالهم إلى سوق العمل من أجل توفير نفقات الدراسة والمساهمة في دخل الأسرة

اذلال يومي يتعرض له الاطفال الصغار
كشفت ذلك الدراسة التي جاءت تحت عنوان “العمل المبكر للأطفال في ظل الحروب والحصار- دراسة حالة لأطفال العراق” التي أجرتها الأستاذة الدكتورة “سوسن شاكر الجلبي” الأستاذة بكلية التربية جامعة بغداد، كشفت الدراسة أيضا أن ظروف العمل في الأسواق الشعبية لا توفر الاحتياجات الضرورية من الطعام لهؤلاء الأطفال؛ فقد أكد 25% من الأطفال أنهم لا يتناولون وجباتهم الثلاث إلا حسب الظروف. ورصدت الدراسة أن سلوكيات هؤلاء الأطفال تأثرت بما يمارسونه من أعمال مثل عودة بعض الأطفال إلى منازلهم في ساعات متأخرة من الليل، وبعضهم يدخن، بنسبة 21%، و6% يتعاطى المسكرات، 10% منهم ينامون في الشارع، 10% يمارسون السرقة.
وعن أمنيات هؤلاء الأطفال أكد جميعهم أن أمنيتهم هي استقرار أطفال العراق وتمتعهم بالطفولة الهادئة كبقية أطفال العالم، وتمنى 85% منهم استمرارهم في الدراسة وتفوقهم وحصولهم على مستقبل أفضل.
رأي علم النفس
يعلق حيدر كريم سكر أستاذ علم النفس التربوي في كلية التربية، في الجامعة المستنصرية، بالقول “تعد مرحلة الطفولة من المراحل المهمة في بناء شخصية الفرد، وهناك من العلماء من رأى بأن الخبرات، التي يمر بها الطفل أثناء مرحلة الطفولة مهمة في تأثيرها على السلوك، وبناء الشخصية عند الكبر، وأكثرهم شهرة هنا هو سيغموند فرويد، إذ أكد على السنوات الخمس الأولى من عمر الطفل”.
ويضيف “الخبرات التي يتعرض لها الطفل سوف تنعكس على بناء شخصيته عند الكبر، وقد تعرض الطفل العراقي إلى الحروب والحصار والأوبئة والإصابات بالأمراض، وكلها جعلت من بناء شخصية الطفل تتسم بنوع من الشد والعصبية والضغوط المختلفة، يضاف إلى ذلك غياب الأب والأم الطويل عن البيت نتيجة خروجهما للعمل ساعات طويلة، وهو ما جعل الطفل ينمو بعيداً عن أعينهم، وبالتالي يفتقر إلى الكثير من الأمور التي تجعل منه طفلاً سليماً ونافعاً في المجتمع”.
وتشارك إقبال أحمد الدوري، أستاذة الإرشاد التربوي، في المعهد العالي للدراسات السياسية والدولية، الرأي السالف، بخصوص نمو الطفل، وبناء شخصيته في السنوات الخمس الأولى، مضيفة أن الحالة الاقتصادية التي يعاني منها المجتمع العراقي بوجه عام، والطفل العراقي بوجه خاص، تؤثر بصورة مباشرة عليه، فانعدام أبسط وسائل الراحة والأمان والتسلية، في ظل الظروف الحالية، من قصف، وقتل، وانعدام الأمان، كل هذه الضغوط النفسية والعصبية تؤثر على سلوكيات الطفل، وتجعل من سلوكه عدوانياً وهجومياً، فضلاً عن حرمانه من العيش مرحلة الطفولة، وما يتطلب ذلك من ألعاب وترفيه، فالحاجة هي التي دفعتهم للابتعاد عن طفولتهم، من أجل توفير لقمة العيش له ولعائلته على حساب حياة مرفهة وآمنة وسليمة.
وهذا يعني أن ما يعتمل في واقع أطفال اليوم لن يمر غدا دون تأثير. والأطفال الذين يقفون على أبواب نهاية الطفولة قد انخرط بعضهم في شكل من أشكال المقاومة الطوعية، عبر رصد تحركات جيش الاحتلال، وتقديم معلومات بشأنها للمقاومين، في حين يلعب بعضهم الآخر دورا في تأمين الطريق لحركة المقاومين وتحذيرهم من الأخطار التي قد تتهددهم. أما البعض الآخر ممن خلق منه الاحتلال عدوا له بقتل أب أو شقيق أو هدم منزل، أو تدمير لعبة، فإنه قصته مع الاحتلال ربما تكون طويلة، ما بقي في العراق احتلال.