يكشف التقرير الأخير الصادر عن البنك الدولي بداية العام 2006 عن أن 16% من الفلسطينيين، أي قرابة 600 ألف فلسطيني في الأراضي المحتلة، غير قادرين على اقتناء الحد الأدنى من الحاجيات الضرورية لمعيشتهم، مثل الخبز والسكر والزيت وغيره، وأضاف التقرير أن ربع قوة العمل الفلسطينية عاطلة عن العمل، بالإضافة إلى أن دخل العاملين انخفض للثلث، وأن نسبة الفقر وصلت إلى 65% بين الفلسطينيين.
ومنذ الإعلان عن فوز حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة، سارعت غالبية الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية إلى التهديد بإيقاف الدعم المباشر عن السلطة، وتقليص المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني، وهو ما أثر بشكل مباشر وأكثر سلبية على الوضع الاقتصادي للمواطن الفلسطيني، حيث تأخر صرف رواتب موظفي السلطة، وارتفعت حدة الفقر لتصل إلى أعلى مستوياتها خلال السنوات الأخيرة.
كل ذلك يزيد من العبء الملقى على المؤسسات الخيرية الفلسطينية ويسبب مزيداً من الضغوط والواجبات أيضا.
لدينا خبرات سابقة
“إنسان أون لاين.نت” التقت العديد من القائمين على المؤسسات الخيرية في قطاع غزة للتعرف على حقيقة الوضع، وما هي التدابير التي اتخذتها الجمعيات للتغلب على هذا الوضع. وقد كان أول اللقاءات مع جابر عياش مدير “جمعية الصلاح الإسلامية” في قطاع غزة والتي تعتبر الأقدم بين المؤسسات الخيرية في القطاع، يقول عياش: “إن جمعية الصلاح تقدم الخدمات للمواطنين في قطاع غزة ليصل عدد المستفيدين إلى ما يزيد عن عشرات الآلاف بين كفالات أيتام، وكفالة أسر محتاجة، ومعاقين، وطلاب مدارس، وعمال وغيره على مدار ثلاثين عاما، ولقد مررنا بظروف صعبة وشديدة إلا أننا في كل مرة كنا نخرج أقوى”.
وعن مدى التأثير المتوقع على المؤسسات الخيرية يجيب عايش “إن جمعية الصلاح الإسلامية تعرضت في السابق كباقي المؤسسات الخيرية لما هو أصعب من ذلك بكثير، حيث كان يتم إغلاق الجمعية ومنعها من تقديم المساعدات للمواطنين من قبل السلطة الفلسطينية السابقة، كما تمت مصادرة وتجميد الأرصدة المالية الخاصة بالجمعية من قبل السلطة”.
ويضيف “إلا أننا في كل مرة كنا نعود بشكل أفضل ونضع الخطط المناسبة لمواجهة هذه الظروف”.
آليات المواجهة
ويقول أحمد أبو عليان مدير “الجمعية الإسلامية” بخان يونس: من المعروف أن كل الجمعيات الخيرية الفلسطينية واجهت ظروفاً قاسية من قبل الاحتلال الإسرائيلي وقد عملت في ظل الاحتلال، واستطاعت أن تثبت ذاتها وتصل إلى المواطن الفلسطيني. ويضيف أبو عليان: إن ثقة المواطن عالية جدا في المؤسسات الخيرية، حيث أنها كانت تقف إلى جانبه في كل وقت، ويؤكد على أنه “عند حدوث أية اجتياحات لقوات الاحتلال الإسرائيلي تكون الجمعيات الإسلامية أول الجمعيات التي تقدم المساعدة العاجلة للمواطنين وتبقى على تواصل مع المواطن للوقوف لجانبه”.
وعن آليات مواجهة الحصار المفروض على الشعب الفلسطينية يقول أبو عليان: “إن الحصار الحالي يؤثر بصورة غير مباشرة من خلال زيادة عدد الجمهور الذي يحتاج للدعم مما يشكل ضغطاً كبيراً على المؤسسات الخيرية لمواجهة العدد المتزايد من الجمهور المحتاج، وبالطبع لا يمكن للجمعيات الإسلامية أن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا الوضع”.
من جانبه يقول عياش مدير جمعية الصلاح أن التجارب السابقة أعطتنا دروسا في مواجهة مثل هذه الظروف من خلال عدد من الأساليب المتراكمة وليست وليدة لحظة ومنها:
• زيادة عدد المستفيدين من الجمهور عن طريق تقليل حجم المعومة سواء المالية أو الغذائية فمثلا بدل أن يتم توزيع 20 كيلو طحين على العائلة يتم إنقاصه إلى 10 كيلو، وذلك لإيصاله لمستفيد آخر لحين تجاوز الأزمة، ونجد في هذا الجانب كل تعاون من المواطن الفلسطيني وخاصة أنه جربنا كثيرا.
• إنشاء برامج ومشاريع تنموية جديدة تؤمن الاكتفاء الذاتي عند المواطن مثل إنشاء مخبز خاص بالجمعية وسوبر ماركت ومراكز الصحية… إلخ.
• الاعتماد على تمويل أهل الخير والصدقات المحلية في تقديم المساعدات العاجلة للمواطنين من خلال إقامة علاقات متميزة مع أهل الخير في الداخل الفلسطيني.
• الاعتماد بشكل كبير على المؤسسات الخيرية الإسلامية والعربية كبديل عن المؤسسات الأجنبية، خاصة أنها مثلت الداعم الرئيسي للمؤسسات الخيرية الفلسطينية من خلال تجمع ائتلاف الخير ومؤسسات عربية وإسلامية أخرى.
• التوجه المباشر للمواطن الفلسطيني وخاصة المستفيدين لإفهامهم بطبيعة الوضع الاقتصادي، وهو ما يساعدنا في زيادة عدد مقدمي الخدمات من الميسرين وكذلك تفهم من المستفيدين والصبر والتحمل لحين انتهاء الأزمة.
وعن حجم الاعتماد على المؤسسات الأجنبية يقول أبو عليان إن المؤسسات الخيرية الفلسطينية في غالبها لا تتعامل مع المؤسسات الأجنبية كمصدر للتمويل إلا في حدود ضيقة بما يخدم أهداف المؤسسات الخيرية، وخاصة أن التمويل الأجنبي وبالتحديد الأمريكي كان يشترط قبول المشاريع من خلال التوقيع على وثيقة تسمى “برفض دعم الإرهاب” والتي تستهدف التضييق على الشعب الفلسطيني بدعوى التصدي للإرهاب، إضافة إلى أن المشاريع الأمريكية ترتبط في غالبية ما تقدمه بدعوى نشر مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو آخر ما يمكن أن يقتنع به المواطن الفلسطيني في ظل تعامل العالم مع التجربة الفلسطينية في نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة.
الدعم الأجنبي.. مجرد وهم
وأضاف أبو عليان أن ما يتم الحديث عنه من دعم أمريكي للمؤسسات الفلسطيني هو دعم وهمي يذهب في غالبيته العظمى لجهات معينة لا تتجاوز 10% من المؤسسات الأهلية الفلسطينية والتي تتماشى مع الإرادة الأمريكية دون أن يستفيد منه الشعب الفلسطيني بشكل مباشر خلاف ما تقوم به المؤسسات الخيرية الإسلامية التي تعتمد بشكل رئيسي على المال الفلسطيني والعربي والإسلامية في خدمة المواطنين والوقوف إلى جانب المحتاجين لمواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة.
ويقدم مثال على ذلك وهو أنه في حال اضطرار أي مواطن لطلب المساعدة يتوجه مباشرة للجمعيات الخيرية والإسلامية ولم نسمع يوما أحدا توجه لمؤسسات تصرف ملايين الدولارات لنشر مفهوم الديمقراطية ومدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لفقدانه الثقة فيها.
ويشير جابر عياش إلى إن جمعية الصلاح الإسلامية تعتمد بشكل رئيسي في تمويلها على تجمع مؤسسات ائتلاف الخير بشكل رئيسي والذي يضم ما يزيد عن 50 مؤسسة عربية إسلامية داعمة للشعب الفلسطيني مما يجعلنا في موقع الاطمئنان.
رؤية جديدة للعمل الأهلي
من جانبه، يؤكد محسن أبو رمضان الخبير في شأن المنظمات الأهلية أن المنظمات الفلسطينية مطالبة أن تبلور رؤية للعمل الأهلي الفلسطيني لاختراق الحصار الأمريكي والأوربي عبر بلورة آليات تمويل عربية وإسلامية، إلى جانب تشجيع القطاع الخاص للمساهمة في العمل الأهلي من خلال إعفائه من الضرائب مقابل تبرعات يقدمها للمؤسسات الأهلية.
وأضاف أبو رمضان إلى ضرورة تكثيف الجهود بين الحكومة ومؤسسات المجتمع الأهلي لخدمة الجمهور بصورة أفضل.
من جانبه يؤكد عبد الرحيم العبادلة مدير “الندوة العالمية للشباب الإسلامي” في فلسطين أن الندوة العالمية والمؤسسات العربية والإسلامية في ائتلاف الخير ستواصل الجهود وستعمل على مضاعفتها لمواجهة الظروف الحالية الصعبة من خلال تقديم مزيد من الدعم من المؤسسات العربية والإسلامية.
ولكن يبقى سؤال هو، كيف ينظر المواطنون للحصار الأمريكي والأوربي، يقول المواطن مؤنس شراب (40 عاما) أعيش مع عائلتي على حد الكفاف، ولم نصل في أي يوم في السنوات العشر الطويلة الماضية إلى حافة الجوع”.
ويضيف شراب: لم نصرخ ولم نقتحم مؤسسات لنطلب وظائف توفر لنا راتب بسيط يؤمن حياتنا، فحالي كحال نحو (65%) من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة الذين يعانون الفقر والبطالة منذ سنوات دون أي راتب يدخل عليهم من أية جهة كانت عدا ما توفره بعض الجمعيات لنصف هذا العدد من المحتاجين الذي ما سمعنا عن واحد منهم قد مات جوعاً رغم حجم الفاقة التي أصابتهم.
ويسخر شراب من التخوفات من حدوث مجاعة بين الفلسطينيين لتأخر الراتب، ويتساءل ساخرا بقوله: الموظفون يشكلون ثلث القوى العاملة من مجموع الشعب الفلسطيني، والعاطلون عن العمل يمثلون ثلثي القوى العاملة، فلم يبك علينا أحد، ولم يلتفت إلينا أحد، ولم يخش علينا صناع القرار والساسة من الموت جوعا طوال عشر سنوات.
ويرى المواطن محمد أبو خليل أن “قطع المساعدات بمثابة ضغط على الحكومة الجديدة حتى تتنازل عن ثوابتها وتعترف بإسرائيل”. وأشار بقوله إلى أن “ممارسة الضغوط على الشعب لن تؤدي إلى القبول بأي تسوية سياسية بل على العكس ستزيد حدة التوتر في المنطقة وستجلب الدمار والخراب على كل الناس”.
ابتزاز سياسي
ومن جانبه أشار فتحي نوفل رئيس مجلس إدارة جمعية أصدقاء الطالب التي تعتمد بشكل رئيسي على الدعم العربي والإسلامي أن الطلاب الفلسطينيين هم أحد الفئات التي ستتضرر من الوضع الاقتصادي الذي سينتج عن الحصار الإسرائيلي والأمريكي والأوربي إلا أننا كباقي المؤسسات الإسلامية التي تعرضت سابقا للتضييق والإغلاق ترى في المؤسسات العربية والإسلامية المخرج الأساسي لمواجهة الحصار، ويمكن من خلالها الاعتماد على المال العربي لإفشال المخطط الأجنبي في ممارسة الابتزاز السياسي والاقتصادي لإخضاع الشعب الفلسطيني.
وتمتاز الجمعيات الإسلامية بخبرتها العالية في التعامل مع الظروف الطارئة وكما يقول جابر عياش مدير جمعية الصلاح إن العاملين في الجمعيات الإسلامية يتصفون بالقدرة العالية على الصبر والتحمل وهي مميزات النجاح بالعمل حتى في ظل وضع مالي صعب لان هدف خدمة المواطنين.
ولمواجهة الحصار الأجنبي أعلن ائتلاف الخير عن انطلاق حملة جديدة بعنوان “حملة المائة يوم ويوم” الثانية داخل فلسطين والتي تساهم في تمكين المجتمع الفلسطيني، وهى الحملة التي تهدف إلى التخفيف عن الشعب الفلسطيني من آثار الحصار الإسرائيلي والمساهمة في تشغيل أكبر عدد ممكن من الأيدي العاملة وتوفير الحياة الكريمة لهم وتوفير فرص للخريجين العاطلين عن العمل ودعمهم في بداية حياتهم المهنية والمساهمة في تحريك عجلة الاقتصاد الفلسطيني بدعم القطاعين الصناعي والزراعي عبر توفير أجور للعاملين.
وفي الختام، وجه المتحدثون باسم الجمعيات الإسلامية نداء استغاثة عاجل إلى الأمة العربية والإسلامية للوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني لمواجهة الحصار الإسرائيلي والأمريكي والأوربي وأن يكون الدعم العربي هو البديل عن الدعم الأجنبي انطلاقا من عمقنا الإسلامي والعربي.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72514
