معاناة حقيقية يعيشها الشعب الفلسطيني هذه الأيام، صحيح أن هذا الشعب الصامد على موعد يتجدد مع المعاناة بسبب الاحتلال الإسرائيلي وحصاره الدائم للأراضي الفلسطينية، لكن المعاناة الجديدة جاءت بعد أن أعلنت الدول الأوربية المانحة عن وقف الدعم المالي الذي كانت تقدمه للسلطة لتصريف أمور الدولة والخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية التي تقدمها للمواطنين الفلسطينيين، مع ما سيترتب عليه هذا التوقف من آثار خطيرة وسيئة سيدفع فاتورتها الباهظة المواطن الفلسطيني الذي يسكن في المخيمات أو في القرى والبلدان المحاصرة من جانب الاحتلال.
وقد التقى “إنسان أون لاين.نت” بنخبة من الخبراء والمحللين السياسيين وعلماء
الإسلام والمفكرين لاستطلاع آرائهم تجاه الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني الصابر
الصامد وتداعيات هذا الحصار ونتائجه القريبة والبعيدة والوقوف معه في محنته حتى
يخرج منها مرفوع الرأس ثابت الجأش، ويواصل مسيرة النضال من أجل حريته واستقلاله.
في البداية يقول توفيق الشريف، مدير المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة،
أن الحصار له نتائج خطيرة ويحتاج لدعم المسلمين من أجل تخفيف شدة الحصار، ويحتاج
لجهود سياسية لدعم الحكومة الفلسطينية في مواجهة ضغوط الداخل والخارج، وتأثير هذه
الضغوط أشد خطرا على الشعب الفلسطيني من ضغوط الداخل.
وأعتقد أن الجامعة العربية قد اتخذت موقفا إيجابيا من خلال قرار القمة العربية
الذي عقد مؤخرا في الخرطوم، وقرر تخصيص دعم لمساندة الشعب الفلسطيني وتخفيف الحصار،
وهو ما يتطلب من الشعوب العربية والإسلامية الوقوف إلى جانب الفلسطينيين. والمجلس
الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة من جانبه حث المنظمات الأعضاء على أن تبادر كلٌّ
بوسيلتها بدعم الشعب الفلسطيني، وكانت ردود فعل تلك المنظمات إيجابية وقوية، ولديهم
إحساس كامل بخطورة الحصار المفروض على الفلسطينيين، والمشكلة أن دخول الأموال إلى
فلسطين عن طريق البنوك يواجه صعوبات؛ لأن هذه البنوك تقع في قبضة إسرائيل، كما أن
تسريب الأموال من أفراد إلى أفراد أمر محفوف بالمخاطر.
ومطلوب أن تقوم الجامعة العربية بإيجاد آلية لتوصيل أموال الدعم الشعبية
والرسمية إلى المستحقين من الفلسطينيين بالتعاون مع منظمة المؤتمر الإسلامي.
أما المحلل السياسي الدكتور ضياء رشوان، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية
والإستراتيجية فيقول: إن دعم الشعب الفلسطيني فرض عين على الشعوب العربية
والإسلامية حتى يستطيع الفلسطينيون مواجهة هذه الضغوط، وتركه وحده في مواجهتها نوع
من التفريط في واجب إسلامي، وللأسف فإن ما تم الإعلان عنه من أموال للدعم من بعض
البلدان العربية لا يفي بالتزامات السلطة الفلسطينية الجديدة، وليعلم الجميع أن
سقوط هذه السلطة يعني ضياع القضية الفلسطينية.
واجب شرعي
وأكد الدكتور أحمد حسن حشاد، الأمين العام لنقابة العلميين، أن دعم الفلسطينيين
فرض عين على كل مسلم، وعلى الجميع ألا يتركوا إخوانهم الفلسطينيين فريسة لكل قوى
الشر الممثلة في إسرائيل والحكومات الغربية الموالية لها، والذين يتربصون بالمنطقة
وشعوبها، وإذا تأخر تقديم الدعم فسيكون هذا تقصيرا منا سنحاسب عليه يوم القيامة،
وبالنسبة للنقابات المهنية في مصر فهي تقوم بواجبها في التوعية بمخاطر الحصار
وتدعوا أعضاءها لسرعة تقديم الدعم اللازم للفلسطينيين مع أن قدرات هذه النقابات
محدودة، ونطالب الصحف المصرية قومية وحزبية بأن تقوم بإجراء تخفيضات على الإعلانات
الموجهة للجمهور لحثهم على التبرع للشعب الفلسطيني.
قضية إسلامية
الدكتور عبد السلام محمد، رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة البحرين يؤكد أنه
لأول مرة ينجح الفلسطينيون في إجراء انتخابات نزيهة وشفافة اعترف بها، حتى الدول
التي امتنعت عن إعطاء السلطة الأموال اللازمة نتيجة ضغوط أمريكية وإسرائيلية حتى إن
إسرائيل تقول: إن كل من يدعم السلطة الجديدة هو عدو لها، وكان من واجب الدول
العربية أن تدافع عن تلك السلطة التي تدافع عن كل العرب، فالقضية الفلسطينية هي
قضية إسلامية وليست عربية فقط.
وحذر اللواء صلاح سليم الخبير الإستراتيجي من خطورة التأخير في تقديم الدعم
العاجل للشعب الفلسطيني البطل الذي يقف وحده أمام جيش الاحتلال، وأن الأوضاع
المعيشية معرضة للتدهور بسبب الأزمة المالية الطاحنة، فديون الحكومة بلغت 1400
مليون دولار، وتعاني عجزا في الموازنة مقداره 750 مليون دولار، ومع توقف الدعم
الأمريكي والأوربي للسلطة الفلسطينية فإن الشعب الفلسطيني سيعاني من مأساة حقيقية.
ودعا إلى أن يقوم الإعلام العربي والرأي العام في البلدان العربية بدعم القضية
الفلسطينية وحشد الجهود لتوفير الدعم المطلوب في مواجهة حرب التجويع التي أعلنتها
عليه القوى الدولية، مشيرا إلى أن الفلسطينيين يقومون بدور مهم من خلال نضالهم ضد
الاحتلال في حماية الأمن القومي العربي، وانهيار السلطة ينذر بعواقب وخيمة على
المنطقة.
حرب تجويع
الدكتورة نعيمة إدريس، الأستاذ بالمدرسة العليا بقسطنطينية بالجزائر تؤكد أنه لا
يسع أي مسلم وعربي غيور على دينه وعلى قوميته إلا أن يقف بكل قوة لمساندة السلطة
الفلسطينية الجديدة حتى تخرج من الحرب الاقتصادية المعلنة عليها منتصرة بإذن الله
تعالى، وهذا أقل واجب تقدمه الأمة الإسلامية وغير الإسلامية حتى من أنصار حرية
الشعوب من بين الغربيين أنفسهم وأصحاب الضمائر الحية، مشيرة إلى أن الآثار البعيدة
والقريبة لحرب التجويع ستكون سلبية للغاية سواء على المستوى الاجتماعي أو الصحي أو
البيئي، وقد يحتقن الوضع داخل المجتمع الفلسطيني بما ينذر بوقوع فتنة وحرب أهلية لا
قدر الله.
ونبهت نعيمة إدريس إلى أن آثار الحصار الاقتصادي ستترك بصماتها السيئة أيضا على
أوضاع الملايين من الشعب الفلسطيني الذين يعيشون في المخيمات، وقد تنتشر الأوبئة
إلى جانب أن الفقر يمثل امتهانا لكرامة الإنسان واعتزازه بنفسه، وقد يدفعه لارتكاب
أعمال تضره وتضر المجتمع كله، ولن يستطيع آلاف الأطفال استكمال دراستهم، وتسأل الله
تعالى اللطف، وعلينا أن نسير على خطى المسلمين الأوائل الذين كانوا يتكاتفون عند
المحن ويشعر بعضهم بآلام البعض الآخر ويتداعون لإغاثة الملهوف.
مساندة حقيقية
ومن جانبه يرى الدكتور محمد خليص الحربي مستشار التدريب والموارد البشرية
بالمملكة العربية السعودية أن ما يحدث للفلسطينيين من حصار اقتصادي وتجويع يجعلنا
نبكي دما، وما نتمناه أن تتكاتف الدول العربية والإسلامية لتقديم العون العاجل
لأهلنا وأشقائنا في فلسطين المحتلة، ومساندتهم ضد المخططات الإسرائيلية الغربية
التي تضرب بخيارهم الديمقراطي عرض الحائط، ثم يزعمون أنهم من أنصار الحرية
والديمقراطية وحقوق الإنسان.
وأكد أنه علينا أن نتمسك بقوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}؛
لأن أعداء الأمة يلعبون على خلافاتنا، وإذا توحدنا أبطلنا مخططاتهم ضد الشعب
الفلسطيني وغيره من الشعوب العربية والإسلامية.
ويؤكد سعد الدين منصور محمد، الأستاذ بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا (قسم
الدراسات القرآنية والحديثية) أن ما تقوم به أمريكا والاتحاد الأوربي بسبب نتائج
الانتخابات الفلسطينية لا يقره أي إنسان مؤمن بحرية الشعوب وحقها في الاختيار، وهم
لن يفلحوا في حصارهم للفلسطينيين بمنع الدعم المالي عنهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى
هو الرزاق ولن يضيع عباده المؤمنين، ونحن سعداء مما نسمع عنه من المبادرات العربية
لدعم الفلسطينيين والتي اتخذتها القمة العربية التي عقدت مؤخرا في العاصمة
السودانية الخرطوم، ونرجو أن يتم الإسراع بتقديم الدعم الذي تعهدت به البلدان
العربي، وأن تنشط الشعوب العربية والمسلمة في هذا المجال.
وأشار إلى أن الشعب الماليزي يقف خلف الشعب الفلسطيني، خاصة بعد أعمال العنف
التي تقوم بها إسرائيل ضده، وهناك الكثير من الجمعيات الأهلية الماليزية التي تحمل
اسم القدس وأسماء الأماكن المقدسة في فلسطين تقوم بالتوعية بالقضية الفلسطينية
وموقعها الهام لدى المسلمين في كل مكان، وتعمل على جمع وتوصيل الدعم للفلسطينيين.
الوقوف مع المظلوم
ويرى الدكتور حسن الشافعي، الرئيس السابق للجامعة الإسلامية العالمية بإسلام
آباد بباكستان، أستاذ الفلسفة الإسلامية أن الإسلام يجعل الوقوف إلى جانب المظلوم
والمحاصر والملهوف واجبا شرعيا يأثم من لا يقوم به، فما بالنا أن المظلوم والمحاصر
والملهوف هم أشقاؤنا في فلسطين المحتلة الذين يواجهون احتلالاًَ استيطانيا ظالما لا
يتوقف عن ممارسة القتل والسجن ضد الفلسطينيين إلى جانب تدمير البيوت وتجريف الأراضي
الزراعية وإغلاق المعابر لمنع وصول القوت اليومي للملايين من أبناء فلسطين الصابرة
الصامدة.
وناشد الدكتور حارث الضاري، رئيس هيئة علماء المسلمين بالعراق وعضو الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين (في تصريحات خاصة لموقع إنسان أون لاين.نت) الشعوب العربية
والإسلامية دعم الشعب الفلسطيني في محنته حتى يستطيع الصمود في وجه محاولات التجويع
والإذلال ليتخلى عن خط النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي البغيض الذي يمارس جرائم
يومية بحق هذا الشعب، وناشد الفلسطينيين التحلي بأخلاق المسلمين الأوائل الذين
عانوا من الحصار والتجويع، وأن يواصلوا مسيرة الكفاح من أجل تحرير الأرض والمقدسات.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72516
