ندوة دولية تدعو لتقديم الدعم العاجل للفلسطينيين

دعا المشاركون في ندوة الأمم المتحدة الخاصة بدعم الشعب الفلسطيني إلى ضرورة تقديم الدعم العاجل لإنقاذ الفلسطينيين من محنته التي يعيشها بسبب امتناع الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية عن تقديم دعمها للسلطة الفلسطينية المنتخبة، وأن تلتزم إسرائيل بإعطاء الفلسطينيين مستحقاتهم من أموال الضرائب والجمارك، وأن تنفذ تنفيذا فوريا وكاملا اتفاق حرية التنقل والعبور الموقع بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في نوفمبر 2005 لتسهيل عبور المعونات الإنسانية للفلسطينيين.
وأكد ممثلو وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الحكومية الدولية ومنظمات المجتمع المدني ومندوبو الحكومات المشاركة في الندوة التي أقيمت بالقاهرة على مدى يومين (من 26 وحتى 27-4-2006) على خطورة الأوضاع التي يسببها الاحتلال للفلسطينيين بمن فيهم من النسوة والأطفال والشيوخ، وأن خطة إسرائيل لرسم الحدود الدائمة من طرف واحد بما يتضمنه من التهام المزيد من الأراضي الفلسطينية تشكل تهديدا خطيرا للحالة الاقتصادية والإنسانية للشعب الفلسطيني وتغلق إمكانية التوصل إلى السلام في المنطقة.
في بداية الندوة أوضح السفير بول بادجي مندوب السنغال لدى الأمم المتحدة ورئيس اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف والمنبثقة عن الأمم المتحدة أن اللجنة دأبت على تنظيم الحلقات الدراسية بهدف تقديم الدعم للشعب الفلسطيني، وأن الوضع الإنساني في قطاع غزة وسائر المدن الفلسطينية مأساوي ولم يسبق أن بلغت الأوضاع هذه الدرجة من السوء بسبب امتناع الدول المانحة تقديم الأموال للسلطة الفلسطينية الجديدة وقيام إسرائيل بالإغلاق المتعمد لمناطق العبور الواقعة على الحدود. ورغم تحذير مكتب تنسيق الشئون الإنسانية التابع للأمم المتحدة من أن المناطق الفلسطينية على وشك أن تتعرض لكارثة إنسانية فإن إسرائيل أبقت معبر المنطار (كارني) مغلقا لمدة شهرين، وهذا المعبر هو محطة البضائع العاملة الوحيدة بغزة.
وأضاف أن إغلاق المعبر تسبب في إلحاق ضرر كبير بالصادرات الفلسطينية من المنتجات الزراعية وغيرها من السلع، وتقدر الخسائر التي منيت بها الصادرات منذ بداية العام الحالي بمبلغ 600000 دولار في اليوم وقدر مجموعها بما يزيد على 30 مليون دولار. ووفقا لاتفاق التنقل الذي يسمح بمرور 150 شاحنة يوميا وصل عدد الشاحنات المسموح له بالعبور إلى 7 فقط.
وتتفاقم الحالة الإنسانية -يضيف بول بادجى- تدهورا بسبب الأزمة المالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية على إثر تعليق إسرائيل تحويل الإيرادات من الضرائب والرسوم الجمركية إلى السلطة وتقلص المساعدات المقدمة من الجهات المانحة. ووفقا للأرقام التي قدمها مكتب تنسيق الشئون الإنسانية التابع للأمم المتحدة فإن 37% من العاملين في قطاع غزة و14% من العاملين في الضفة الغربية هم من موظفي السلطة الفلسطينية التي لم تعد قادرة على دفع مرتباتهم، وأصبحت الأسر التي تعتمد في حياتها على موظفي السلطة تعاني من الفقر، وهم يمثلون 25% من الشعب الفلسطيني، وهذه الأزمة المالية تنذر بالتحول إلى أزمة إنسانية وبعواقب وخيمة على الأمن في المنطقة.
الاحتلال أساس المشكلة
وشدد السفير بول بادجي على أن تقديم المساعدة العاجلة للشعب الفلسطيني ضرورة ملحة وعاجلة، ولكن من المهم إيجاد حل لأساس المشكلة التي تتمثل في احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير وإنشاء دولته المستقلة؛ فحجم الخسائر الناجمة عن التدابير التي تتخذها الدولة المحتلة من تدمير وتجريف الأراضي وهدم البيوت وعمليات الإغلاق لنقاط العبور وإيجاد حقائق طبوغرافية على الأرض يفوق بكثير مبالغ التبرعات التي تقدمها الجهات المانحة والموارد التي يكرسها المجتمع الدولي لعمليات الغوث للشعب الفلسطيني، بما يؤكد أنه إذا لم يوضع حد للاحتلال الإسرائيلي فلا يمكن توقع حدوث تنمية اقتصادية وإنسانية، وواجبنا هو مساعدة الفلسطينيين اقتصاديا وفي نفس الوقت ممارسة الضغط على حكومة إسرائيل لإنهاء الاحتلال.
ونبه إلى أنه من الواجب على المجتمع الدولي تذكير الحكومة الإسرائيلية بأنها ملزمة أيضا بموجب القانون الدولي بحماية المدنيين الخاضعين للاحتلال، ويشمل هذا توفير الخدمات الأساسية من قبيل الإمدادات الغذائية والرعاية الصحية والتعليم للسكان، وأن إغلاق نقاط العبور على سبيل المثال دون إيلاء الاعتبار الواجب للعواقب الإنسانية المحتملة بالنسبة للسكان المدنيين يعد انتهاكا لالتزاماتها بموجب القانون الدولي، وأنه لا يمكن تحقيق سلام دائم إلا بإيجاد حل عادل وشامل لقضية فلسطين عن طريق المفاوضات بين الطرفين وبمساعدة المجتمع الدولي، وأن (خطة التلاقي) التي أعلنتها إسرائيل للترسيم النهائي للحدود تهدد السلم العالمي وحقوق الفلسطينيين؛ لأنها تتضمن التهام المزيد من الأراضي بما يحول دون قيام الدولة الفلسطينية.
وفي كلمة كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة -والتي ألقتها نيابة عنه السيدة أنجيلا كين الأمين العام المساعد لإدارة الشئون السياسية- أوضح أن الندوة تعقد في لحظة عصيبة يمر فيها الشعب الفلسطيني بمرحلة تحول سياسي رئيسية في خضم عملية سلام انتهت إلى طريق مسدود واستمرار العنف وتدهور الأوضاع الإنسانية، وشهد العالم في يناير الماضي انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني التي كانت علامة فارقة هامة في مسيرة الشعب الفلسطيني المتواصلة صوب الديمقراطية والحكم الذاتي.
وحث الأمين العام الحكومة الإسرائيلية على وقف النشاط الاستيطاني وغيره من الإجراءات التي يمكن أن تفسد المسائل المتعلقة بتحديد الوضع النهائي، وأن التوصل لحل سلمي للصراع لا يمكن أن يفرض من جانب واحد أو من خارج إطار السلام الإقليمي الشامل.
وعبّر عن قلقه بسبب الاحتمالات المنذرة بمزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية للشعب الفلسطيني الناجمة عن وقف المانحين الرئيسيين دعمهم المباشر للسلطة الفلسطينية واحتجاز إسرائيل لإيرادات تحصيل الضرائب والجمارك التي تجمعها نيابة عن السلطة الفلسطينية رغم الالتزامات المفروضة عليها بموجب بروتوكول باريس، إلى جانب إغلاق المعابر التي تمثل المنفذ الوحيد للمعونات والبضائع والاستمرار في بناء الجدار العازل الذي يلتهم أراضي الفلسطينيين رغم معارضة ذلك لفتوى محكمة العدل الدولية.
ونبه كوفي عنان إلى أن السلطة الفلسطينية توفر جل الخدمات الأساسية التي لا غنى عنها واللازمة لتجنب القوى كارثة إنسانية، وزيادة نشاط الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية لا يمكن أن يملأ الفراغ الذي سينشأ إذا ما عجزت مؤسسات السلطة الفلسطينية عن القيام بذلك بسبب حصار الدول المانحة، وأنه ينبغي دعم تلك المؤسسات؛ لأنها اللبنة التي تبني بها الدولة الفلسطينية المنشودة، وأن الأمم المتحدة ستواصل مع شركائها والأطراف كافة العمل من أجل منع تدهور الأوضاع وتلبية احتياجات الفلسطينيين والسعي لإنهاء الاحتلال الذي بدأ عام 1967 والتوصل إلى تسوية شاملة وعادلة تفضي إلى السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.
ومن جانبها أكدت السفيرة نائلة جبر مساعدة وزير الخارجية المصرية للعلاقات متعددة الأطراف أن مصر تطالب كل الهيئات والمنظمات التابعة للأمم المتحدة تقديم المساعدة والدعم للشعب الفلسطيني وعدم الاستجابة للضغوط التي تمارس لمحاولة دمج أو إلغاء بعض البرامج المقدمة للفلسطينيين تحت دعوة ترشيد في سياق عملية الإصلاح الإداري والمالي الجارية حاليا بالمنظمة الدولية وتدعو المجتمع الدولي مواصلة دعم الشعب الفلسطيني للتخفيف من معاناته اليومية وأن وقف هذا الدعم سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع السيئة التي يعيشها هذا الشعب.
ولفتت إلى أن هذه الندوة نجحت في إبراز الحقائق وإلقاء الضوء بصورة مباشرة على الأوضاع الخطيرة والمشاكل الجسيمة التي يواجهها الشعب والسلطة الفلسطينية، كما نجحت في التأكيد على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفي ترسيخ المسئولية الدولية في وقف انتهاك هذه الحقوق وبالتبعية وقف الانتهاكات وتقديم المساعدة والدعم اللازمين على وجه السرعة وأن مصر ستظل ملتزمة بدعم ومساندة القضية الفلسطينية في مختلف المجالات والمحافل الدولية.
وانتقد السفير رياض منصور ممثل فلسطين الدائم لدى الأمم المتحدة قرار الحكومة الأمريكية بمنع البنوك من تحويل أموال عبرها إلى الشعب الفلسطيني، واصفا ذلك القرار بأنه بمثابة قرار بإعدام شعب جوعا؛ وهو ما يتعارض مع كل الأعراف والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان. وطالب المجتمع الدولي بإيجاد السبل العاجلة لضمان وصول الأموال والمعونات إلى الهيئات الدولية العاملة في مجال تقديم الخدمات للشعب الفلسطيني بعد أن تباطأ هذا الدعم لضغوط أمريكية.
وقال الدكتور نبيل شعث عضو المجلس التشريعي الفلسطيني إن مصر وافقت على عقد الندوة بعد أن رفضت دول كثيرة عقدها فيها، وأن اللجنة الدولية المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني بحقوقه غير القابلة للتصرف وهي لجنة منبثقة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 1975 تتعرض للضغوط الأمريكية والإسرائيلية بسبب وقوفها إلى جانب الشعب الفلسطيني في مطالبه العادلة بإنهاء الاحتلال وتوفير الحد الأدنى من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وأن توصيات الندوة سيتم عرضها على المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية لحشد الدعم المادي والمعنوي للفلسطينيين، وستصل رسالة الندوة إلى أوربا التي أرجو أن تعيد النظر في موقفها وعدم المشاركة في تجويع الشعب الفلسطيني.