فيما كان عمال فلسطين يأملون أن يأتي يومهم العالمي هذا العام وقد تحسنت أوضاعهم مقارنة بالسنوات الخمس الماضية، إلا أن “يوم العمال” والذي يوافق الأول من شهر مايو سنويا كان هذه المرة هو الأسوأ، حيث أدى تصاعد الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني وعجز السلطة عن دفع رواتب موظفيها إلى أزمة اقتصادية خانقة ألقت بآلاف الفلسطينيين إلى طوابير البطالة لينضموا إلى عشرات الآلاف من زملائهم الذين فقدوا وظائفهم خلال السنوات الأخيرة.
لا يبدي العامل حسن أبو عزيز، من بلدة عرابة جنوب غرب جنين بالضفة الغربية، اهتماما كبيرا بعيد العمال العالمي، ولا يراه سوى مناسبة لتجدد معاناته جراء واقع الجوع والقهر والحصار الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي.
واستقبل عمال مدينة “جنين” الذين يعانون كغيرهم في محافظات فلسطين من أوضاع كارثية ناجمة عن تواصل الحصار وانعدام فرص العمل، عيد العمال العالمي بفتور وتجاهل ملحوظ تعبيرا عن معاناتهم المتواصلة.
وحلت المناسبة العالمية على هؤلاء وسط فراغ قاتل، منهم من يتابع شاشات التلفزة أملا بتغير في الظروف، وآخرون جلسوا على المقاهي لملء فراغهم القاتل وهروبا من متطلبات أساسية لأسر تئن تحت وطأتها.
ويقول أبو عزيز بنبرات متقطعة يغلبها الضيق والحسرة: “لا يعنينا هذا اليوم بالكثير؛ فهو مجرد عطلة رسمية لعمال تحولت جميع أيامهم إلى عطل مماثلة تفتقد إلى أيام العمل”.
ويرى أنه يجب مكافأة العمال بتشغيلهم في يوم عيدهم عسى أن يجدوا في جيوبهم ما يمكنهم من تلبية ولو الحد الأدنى من متطلبات أسرهم المتراكمة، ويقضي شيئا من ديونهم المتفاقمة. ويشير عزيز إلى معاناة مئات العمال من مختلف أنحاء المحافظة، كونهم مطاردين مهددين داخل حدود أراضي الـ1948؛ فهم مجبرون على المجازفة بحياتهم في سبيل البحث عن فرصة عمل، رغم القيود الإسرائيلية المشددة على بوابات ومعابر جدار الفصل العنصري الذي تقيمه إسرائيل في عمق الأراضي الفلسطينية.
ويصف معاناته وأقرانه من العمال عقب اجتيازهم “الجدار” وقيوده المشددة بالمأساوية التي لا يتحملها بشر، لافتا إلى فظائع الاحتلال من كلاب وحشية تطاردهم ومعاملة مهينة ومذلة، فضلا عن حجم الإرهاق الذي يعانونه جراء رفض سائقي المركبات تحميلهم لنقلهم من مكان لآخر بسبب الغرامات المالية الباهظة التي تفرضها عليهم قوات الاحتلال.
ونوه عزيز بأن العمال يمضون أياما ومنهم من يمكث أسابيع وأشهرا، ينامون حيث يعملون في مكان لا يشبه المنزل تحت أي ظرف، حيث يفتقد لكل معاني الراحة والأمن والشروط الصحية والنفسية، وأن غالبيتهم يضطرون إلى افتراش الأرض والتحاف السماء.
ودفع الحصار الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية أصحاب العمل في الضفة الغربية إلى تسريح عدد كبير من العمال، نتيجة الركود الاقتصادي وضعف القوة الشرائية وتدني دخول المواطنين؛ وهز ما جعل الجوع والقهر السمات الغالبة لآلاف من أبناء الطبقة العاملة في جنين التي تعيش ظروفا اقتصادية لا توصف وحرمانا شديدا من أبسط حقوقهم وأحلامهم التي تبددت بفعل الغطرسة الإسرائيلية.
وأكد العامل سامر شديد من بلدة علار شمال طولكرم أنه يضطر لسفر طويل يزيد عن 300 كيلومتر للوصول إلى مكان عمله في مدينة جت داخل حدود الجدار، والتي لا تبعد عن بلدته علار سوى عدة كيلومترات أو 10 دقائق في السيارة.
وأوضح شديد أن مواطنين من قرية زيتا المحاذية للجدار شمال طولكرم يعملون في جت، وأن أماكن عملهم لا تبعد سوى مئات الأمتار عن منازلهم، لكنهم يسافرون أكثر من 250 كيلومترا داخل أراضي الضفة الغربية، ويعودون مرة أخرى من خلف الجدار إلى أماكن عملهم، بعد أن يتكبدوا المخاطر والأجرة الباهظة التي يدفعونها.
ونوه بأن عشرات العمال ممن ألقي القبض عليهم تعرضوا للحبس وللغرامة المالية بسبب دخولهم دون تصاريح عمل التي ترفض إسرائيل منحهم إياها أصلا، وأن عددا كبيرا منهم باعوا مصاغ نسائهم وبعض مقتنياتهم، ليتمكنوا من دفع هذه الغرامات المالية الباهظة.
ويرى العديد من عمال محافظة جنين أن عيد العمال العالمي لا معنى له ما لم تحل مشاكل وهموم العمال، وهو لا يعدو كونه تفعيلا لذاكرة المسئولين وتذكيرهم بأن هناك فئة يتهددها الضياع بحاجة إلى كل مساعدة واعتبار، لتمكينها من تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة أسوة بغيرهم من عمال العالم.
وأكد العمال أن أكثر من 50 ألف عامل وعاملة من محافظة جنين مسجلة أسماؤهم في مديرية العمل، بانتظار حصولهم على فرص عمل مؤقتة تساعدهم على تسيير التزاماتهم، مشيرين إلى كارثة حقيقية يعيشها هذا القطاع، وضعت العمال على عتبات الضياع والحرمان.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72520
