الحصار.. قصص وحكايات من قلب المأساة

ساعة بعد ساعة يزداد الخناق الاقتصادي على الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية بفعل وقف المساعدات الدولية وتشديد الحصار والتضييق الإسرائيلي على كافة مناحي الحياة الفلسطينية.
وبتأخر صرف رواتب حوالي 140 ألف موظف يعملون في مؤسسات السلطة ويتولون رعاية الآلاف غيرهم تأتي الجهود الخيرية الإسلامية لدعم الشعب الفلسطيني الذي تؤكد الإحصائيات المعدة من قبل الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن 67% من أُسره بحاجة ماسة للمساعدة، وكان على رأس هذه الجهود حملة “مائة يوم ويوم” الثانية التي أطلقها ائتلاف الخير لدعم الشعب الفلسطيني، كما جاءت قبل أيام “حملة المؤاخاة” لإغاثة الموظف الفلسطيني كجزء من حملة المائة يوم حيث أطلقت تحت شعار “ليس بمؤمن من عاش لنفسه فقط” والتي تهدف إلى التخفيف عن الموظف الفلسطيني.
مراسلة “إنسان أون لاين.نت” تجولت في شوارع غزة وتحدثت مع الفلسطينيين عن وضعهم الحالي، كما تحدثت لمسئولين للوقوف على حقيقة الوضع والحاجة الماسة للدعم الإسلامي العربي.
ناصر مطر فلسطيني يعمل في أحد الأجهزة الفلسطينية الأمنية وأب لخمسة أطفال، ناصر يعيش منذ 9 سنوات في بيت مستأجر يستقطع إيجاره ثلث راتبه، وما زادت موجة الغلاء والحصار وعدم صرف الرواتب وضع هذا الموظف إلا سوءًا، يقول ناصر لنا: “لا أستطيع حتى الحديث عن خصوصية وضعي، فالحال مشترك بيني وبين الجميع من أبناء وطني، نعيش كافة ظروفًا صعبة لا يعملها إلا الله سبحان وتعالى، لقد فضلت الآن أن أنزل من بيتي كي أهرب من متطلبات حاجات أطفالي التي تلاحقني والتي لا يهمني منها الآن إلا توفير القوت اليومي لهم”، ويتطرق ناصر مباشرة إلى الحاجة الماسة له كمواطن فلسطيني لحل الأزمة الاقتصادية بشكل صحيح، فيؤكد على أهمية بناء اقتصاد فلسطيني قوي لا يعتمد على اقتصاد الاحتلال الإسرائيلي، ويرجو أن تنصب بوتقة المساعدات الخيرية الإسلامية في اتجاه تدعيم المشاريع المنتجة في غزة والضفة، ويقول: “إن كانت الأزمة المالية التي يمر بها الشعب الفلسطيني قاسية فيجب أن تنفرج بالبدء ببناء كتلة اقتصادية مهمة تحمي الموظف وكل فلسطيني من خطر الاعتماد على المصادر المؤقتة”، ويأسف مطر لمن يحاصر المجتمع الفلسطيني، خاصة ممن يدعي الديمقراطية ويحاسب الشعب الفلسطيني على خياره الديمقراطي، لكنه يبدي تفاؤله من الموقف الإسلامي العربي الذي تتبناه المؤسسات الخيرية الناشطة في هذين العالمين، ويأمل أن تصل جهود هذه المؤسسات، لكن لمن يستحقها في الأراضي الفلسطينية وفي أسرع وقت ممكن.
عائل لأكثر من أسرة
قصة أخرى علّها أكثر ضراوة من سابقاتها، فالموظف فيها لا يعيل أسرته فقط وإنما أسر اثنين من أشقائه العاطلين عن العمل بحكم تسريحهم من أماكن عملهم داخل الأراضي المحتلة عام 48، فأصبحوا وأطفالهم العشرة بلا عائل لهم سوى بعض المساعدات الاجتماعية التي يتقاضونها من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، وهي عبارة عن حفنات معينة من المواد الغذائية الأساسية كالدقيق والسكر والزيت، يقول أبو محمد الذي يقطن وأشقاؤه في بيت العائلة إنه منذ فقد شقيقاه العمل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48 قام برعاية أولادهما، من توفير للمصروف المدرسي والحاجيات الأساسية كالغذاء والملبس تمامًا كأطفاله، وها هو الآن يعاني انقطاع المد المادي الذي كان يتقاضاه من وظيفته في أحد الأجهزة بالسلطة الوطنية الفلسطينية، متابعًا: “منذ تعليق المساعدات الأوروبية وتأخير صرف رواتب موظفي السلطة أضحيت أعاني مثل أشقائي من عدم قدرتي على توفير احتياجات الأسرة”، ويضيف: “لا أستطيع الاستدانة من أحد ليس تعاليًا أو تعجرفًا وإنما لأن الجميع يعاني ذات المشكلة؛ بسبب تأخير الرواتب حُرم أطفالي الأربعة وأبناء أعمامهم العشرة من المصروف اليومي، وأيضًا بعد أن كانوا يستقلون سيارة لتقلهم إلى أماكن دراستهم أضحوا يقطعون المسافات الطويلة مشيًا على الأقدام، الأمر الذي يكبدهم آلامًا نفسية شديدة ينعكس على وجوههم حزنًا وهمًّا”، وأضاف: “نحن على أعتاب انتهاء الشهر ولم نرَ بعد بارقة أمل تنذر بأن هناك رواتب، الحياة باتت صعبة في ظل تثاقل المسئوليات الملقاة على كواهلنا”، أما فيما يتعلق بالمساعدات الإسلامية فيأمل أبو محمد أن تصل في الوقت العاجل لأسرته وكل الأسر الفلسطينية، ويؤكد على أن هذا الدعم العربي يشكل جزءًا مهمًّا في دعم الصمود الفلسطيني، داعيًا إلى مزيد من العطاء من قبل الجمعيات الخيرية الإسلامية والعربية، ويعرب أبو محمد عن سعادته بالتحركات الخيرية العربية وتبني كبار العلماء المسلمين لهذه الجهود وقال: “تأتي هذه المساعدات والوقفات الخيرية ونحن في أمس الحاجة إليها؛ لذا أدعو الله الكريم أن تكون في ميزان حسنات كل من يقوم بها”.
نواة قوية
عضوة المجلس التشريعي الفلسطيني جميلة الشنطي أكدت في حديث صحفي لـ”إنسان أون لاين.نت” أنه على الرغم مما تعانيه الأسرة الفلسطينية من حصار وتضيق وخناق وهو ليس بالأمر الجديد عليها فإن هذه الأسرة كانت دائمًا وأبدًا النواة القوية في مواجهة كل جبروت، فهي تقف شامخة كوزارة اقتصادية تعتمد على القوت الذاتي، وتقول الشنطي: “نحن شعب من الأصل محاصر، لكن الحصار يزداد خناقًا يومًا بعد يوم منذ تولت حماس الحكومة؛ لذا من الضروري أن تعلن الأسرة الفلسطينية الآن حالة الطوارئ”، وتضيف الشنطي: “رغم أن مخزون هذه الأسرة لن ينفد؛ لأن المرأة الفلسطينية اقتصادية من الطراز الأول وتواجه الحصار بقوة فإن التخوف شيء طبيعي يشعر الإنسان باليأس والإحباط، فهذه الأسرة لديها أطفال ومرضى وجرحى وطلبة تعتمد على المساعدة العربية والإسلامية، ومن هنا نطالب كل العالم الذي يملك المبادئ السامية أن يقف بجانبنا حتى ننال حقوقنا”.
أما فيما يتعلق بالجهود الخيرية العربية فقالت الشنطي: “الشكر موصول لهؤلاء، فالشعب الفلسطيني يقدر كل من يقف بجانبه بمجرد الكلمة والمؤازرة فوقفتهم تلك تأييدية وروحية ومادية جماهيرية مهمة جدًّا لنا”، وتابعت: “لن نغلب ما دام هناك رجال يقفون وراء الشعب الفلسطيني كأمثال القائمين على تلك الحملات، فالخير كله يأتي من هؤلاء”، وتتابع: “هذه الوقفات تمثل جانبًا نفسيًّا أكثر من كونها جانبًا ماديًّا، ترفع معنوياتنا وتقوينا وتثبتنا”، ووجهت الشنطي كلمة إلى الشعب الفلسطيني قائلة: “رغم كل ما يحاك ضد هذه الأزمة ستمر كغيرها ولن تكن الأخيرة، فنحن أصحاب عقيدة ودين”.
واقع صعب جدًّا
بينما يؤكد عدنان النجار منسق وحدة الدراسات والبحوث بالمركز الحقوقي الفلسطيني “الميزان” أن الواقع الذي تعيشه الأراضي الفلسطينية والناجم عن الإغلاق وقطع المساعدات ومحاصرة الأموال الفلسطينية زاد سوءًا وتعقيدًا، ويقول: “كنا في السابق في ظل وجود المساعدات الدولية نتكلم عن تحسين لوضع البلد وآلية مواجهة البطالة والفقر، واليوم أصبحنا نتحدث كيف ندفع رواتب موظفينا، سقفنا اندحر جدًّا ولا حديث عن التطوير، ومن المتوقع أننا سنعاني مشكلات بوادرها على الأبواب”. ويشير النجار إلى أن المشكلة الأساسية التي وضعت الأسرة الفلسطينية في هذا المحك هي ارتباط الاقتصاد الفلسطيني بمثيله الإسرائيلي، واعتماده عليه بنسبة 100%، ويتابع: “منذ تولت السلطة الفلسطينية زمام الأمور في عام 1994 والحديث لم يتوقف عن الحاجة لفك هذا الارتباط، لكن للأسف نحن ما زالنا مقيدين باتفاقيات مجحفة بحق الفلسطينيين تربطنا ربطًا تامًّا بإسرائيل وتبعدنا بعدًا كبيرًا عن العمق العربي ولا علاقات تجارية لنا مع العالم، وهذا كله يزيد من الواقع الاقتصادي السيئ للأسرة الفلسطينية التي منعت في البداية عمالها من دخول مناطق عملهم، وبالتالي قطع مصدر دخلهم، ثم اليوم تعيش هذا الأسرة تبعيات القرارات الجديدة والمتمثلة في عدم صرف رواتب الموظفين فيها، وهؤلاء على وجه الخصوص كانوا كتلة تحقيق التضامن الاجتماعي، فمن المعروف أنهم برواتبهم كانوا يرعون بعضهم البعض، والخوف من انعكاس ذلك على الأسرة الفلسطينية اجتماعيًّا كبير”.
أما فيما يتعلق بالتحركات الخيرية العربية فيؤكد النجار أنها إيجابية في العديد من الجوانب وتوجد نوعًا من الترابط بين المجتمع العربي ومجتمعنا وتدعمه، لكنه يشدد على أهمية وجود جهد دولي كبير يحل أزمة 3.5 ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويضيف: “نحن بحاجة إلى علاقات مع العالم، وبحاجة إلى إنتاج وتطوير داخلي وضروري لاعتماد الاقتصاد الفلسطيني على نفسه، وبحاجة إلى إنشاء مصانع ومؤسسات إنتاجية لاستيعاب عدد كبير من العمال وتسيير العجلة الاقتصادية”، ويضيف: “على الحكومات العربية أن تقف مع الشعب الفلسطيني وتغطي على الأقل في الوقت الراهن الأزمة المالية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وعلى الحكومة الفلسطينية أن تتخذ سياسيات اقتصادية تناسب المجتمع الفلسطيني، وتسعى إلى تطوير هذا المجتمع، يجب أن تفكر في الجانب العملي وليس النظري”.