نابلس الصمود.. لن تجوع

إن يطلب الفلسطينيون من أخوانهم في الدول العربية والإسلامية ومن الشرفاء في العالم أن يمدوا لهم يد المساعدة والعون لكسر الحصار المفروض عليهم والذي حرمهم من أبسط متطلبات الحياة، فهذا حقهم، لكن هذا لم يكن يعني بالنسبة لهم الاكتفاء بالانتظار ورفع يد التضرع إلى الله، وهذا ما فعله أبناء مدينة نابلس بالضفة الغربية، حيث أطلقوا حملة شعبية من أجل كسر الحصار وجمع التبرعات لمساعدة المحتاجين، وخاصة موظفو السلطة الذين لم يتقاضوا رواتبهم للشهر الثاني على التوالي.

الحملة الشعبية التي نظمها أبناء نابلس شهدت صورا رائعة من التحدي والبذل من جانب أبناء هذه المدينة الصامدة؛ فالشاب أسامة لم يجد في جيبه ما يتبرع به من المال استجابةً لنداء اللجنة الشعبية لكسر الحصار عن الشعب الفلسطيني، لكنّه لم يعدم الوسيلة للتبرع والمساهمة في دعم شعبه، هكذا كان حاله مع شابّيْن آخرين رفضوا الإفصاح عن أسمائهم للحفاظ على صدق توجههم.

يقول أسامة، في تقرير للمركز الفلسطيني للإعلام على الإنترنت: إنّ خطبة الجمعة التي حضرها في ميدان الشهداء وسط مدينة نابلس يوم الجمعة الماضي قد حفّزته للتبرع لدعم الحكومة الفلسطينية ولنقل رسالته للعالم. ويضيف: “الخطبة خصصت لدعم الشعب الفلسطيني، وكانت في غاية التأثير؛ كانت الشمس شديدة الحرارة ورأيت كيف كانت جباه المصلين تتصبب عرقا، ومع ذلك لم يغادر أحدهم مكانه، بل كانوا بوضع لا يمكن تشبيههم فيه إلا بحال المقاتلين الثابتين في يومٍ شديد”.

كلّ تلك المعاني والمشاهد المؤثّرة جعلت أسامة يقرّر ألا يصلّي العصر إلا بعد التبرّع، ولعل أمورا أخرى ساهمت في تحفيزه على ذلك أكثر فيقول عنها: “حديث الخطيب والصور التي ساقها عن رجالات الأمة، وكيف كانوا يتدافعون للبذل بسخاء والجود في سبيل الله وفي زمن الشدائد، ثم تهافت الناس على التبرع بعد انتهاء الصلاة جعلتني أقسم ألا أغادر المكان بانتظار صلاة العصر إلا وقد تبرّعت بما أملك لدعم الحكومة والشعب الفلسطيني”.

تنبّه أسامة أخيرا لأمرٍ هام أنه لا يملك مالاً، هو عاطل عن العمل منذ أشهر طويلة، وأسرته ذاتها تحتاج لمن ينفق عليها فاختار أنْ يجود بما يملك ولم يجد غير دمه فتوجّه مع اثنين آخرين من أصدقائه للمستشفى، وقدّموا وحدات دم لحساب بنك الدم في المستشفى.

الموظفون الحكوميون الذين حوّلهم القرار الغربي بقطع المساعدات عن الفلسطينيين إلى أشدّ فئات المجتمع فقرا كانت لهم أيضا صولات في ميدان التبرع، وقد شوهد عددٌ منهم ومن رجال الأمن وهم يتقدمون من صناديق جمع التبرعات ويضعون فيها المال.

وفي أول إعلانٍ لها عن حجم التبرعات التي جمعت في محافظة نابلس قالت اللجنة الشعبية لكسر الحصار: إنّ قيمتها بلغت 745229 شيكلاً، بينها 166234 شيكلاً، و69352 دينارا أردنياً بما فيها 12800 دينار قيمة التبرعات العينية من الذهب، و31270 دولارا أمريكيا.

وأكّدت اللجنة أنّ المبالغ التي جمعت قد تم إيداعها في حساب وزارة المالية الفلسطينية من أجل الإسراع في صرفها على الموظفين المدنيين والأمنيين في الضفة والقطاع وفق الآلية القانونية المناسبة.

وأشارت اللجنة إلى أنّ حملة جمع التبرعات ما زالت مستمرة، ويمكن للراغبين إيداع تبرعاتهم في الحساب الخاص بالحملة ورقمه (9999) لدى بنك الأقصى الإسلاميّ/ فرع نابلس، أو عن طريق إيصال التبرعات إلى خيمة الاعتصام الدائمة المقامة على ميدان الشهداء وسط المدينة.

وأهابت اللجنة بكافة أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن والخارج القيام بواجبهم تجاه هذا التكافل وكسر الحصار الغاشم المفروض على الشعب الفلسطيني، كما طالبت الجامعة العربية بالقيام بواجبها للعمل على فك الحصار، وأنْ لا ترضخ للضغوط الأجنبية.

وتميّزت التبرعات بتنوعها من حيث مصادرها ومن حيث نوع التبرعات؛ فقد قدم العديد من رجال الأعمال والأثرياء ووجهاء المحافظة مبالغ كبيرة بمختلف العملات، وقدّمت الكثير من الشركات المحلية تبرعات كبيرة كذلك، وتبرّع البعض بقطعٍ من الأراضي التي يملكونها. وتميّز أبناء وذوو الشهداء بتقديم تبرعات عن أرواح أقربائهم الشهداء، كما تميّزت عائلات الأسرى والأسرى أنفسهم بتقديم التبرعات رغم الضائقة المالية التي يعيشونها.

وشملت التبرعات قطاعات الموظفين في بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية والخاصة، سواءً تبرعهم بمبالغ نقدية أو برواتبهم لشهرٍ كامل أو ليومٍ واحد، ولم يجدْ بعض الشباب ما يتبرعون به سوى أجهزة الهاتف الخلوي التي يحملونها.

ولم تقتصر التبرعات على أبناء الشعب الفلسطيني في نابلس ومحافظات الضفة والقطاع؛ بل شملت أيضاً عدداً من رجال الأعمال والشخصيات الفلسطينية المقيمة في الخارج وخاصة في دول الخليج والأردن والدول الأوروبية، وكذلك أبناء الشعوب العربية والإسلامية في هذه البلدان.

ومن المواقف المثيرة التي تجلّتْ خلال الحملة قيام العشرات من الأطفال بالتبرّع بما جمعوه من مصروف يومي في حصّالاتهم. كما تبرّعت الكثير من النساء بحليّهن، وكذلك عدد من ذوي الإعاقات المختلفة، بالإضافة إلى تبرّعات عددٍ من أفراد الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية، ومن أبناء الطوائف المسيحية والطائفة السامرية في نابلس.

كما تواصلت الحملة في محطات التلفزيون المحلية؛ حيث أجرِيَت المئات من المكالمات من المواطنين الذين أعلنوا تبرعهم بمبالغ مالية، وأعلنت اللجنة الشعبية لكسر الحصار عن فتح حساب في بنك الأقصى الإسلامي ورقمه (9999) لاستقبال تبرعات الراغبين خلال الأيام القادمة.

وتنوّعت ردود الفعل الوطنية والشعبية على حملة كسر الحصار، واعتبرها عدد كبير من الشخصيات الوطنية والإسلامية الفلسطينية تعبيراً حقيقياً عن قدرة الفلسطينيين على القيام بالفعل والمبادرة وعدم انتظار الآخرين.

وأكد بسام الشكعة، رئيس اللجنة الشعبية لكسر الحصار أنّ تفاعل المواطنين والأهالي مع الحملة يُعَدّ جيداً، ويعكس مدى اهتمامهم بالهمّ الوطني على الرغم من الضائقة المالية والظروف الاقتصادية الصعبة التي تمرّ بها المحافظات الفلسطينية عموما ونابلس المحاصرة منذ سنوات على وجه التحديد.

ويضيف الشكعة: “الهدف من هذه الحملة هو الجانب المعنوي الرمزي بالأساس بعد ذلك الجانب المادي وقيمة ما يتم جمعه من تبرعات، وأعتقد أنّ الحملة ساهمت في نقل رسالة تقول إنّ المواطن يساهم ولو بشكلٍ جزئيّ في حلّ مشكلة المجتمع ويحمل همه، وأنا أتوقع وآمل أنْ تصل هذه الرسالة لكل مواطن عربي ومسلم وشريف لا يقبل أنْ يحاصر شعب وأنْ يجوع”.

ويأمل رئيس اللجنة الشعبية لكسر الحصار أنْ تعمّم التجربة على بقية المدن والقرى والمخيمات في المحافظات الفلسطينية، ويقول: “أعتقد أنّ تجربة كهذه تستحق أنْ تُعمّم فعلاً، وشعبنا يستطيع أنْ يضرب مثالاً يحتذى به لدى الآخرين، ويمكن لصورته هذه أنْ تشكّل حافزاً لدى البنوك والمؤسسات الاقتصادية المحلية للالتزام بالمصالح الوطنية ومصالح شعبها وعدم الانصياع للضغوط الخارجية”.

ومن ناحيته، يؤكّد النائب عماد نوفل عضو المجلس التشريعي الفلسطيني عن محافظة قلقيلية على أهمية الحملة في تأكيد القدرة الفلسطينية على التحدّي ومواصلة الصمود. ويضيف أنّ الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني في طريقه للانكسار، وأنّ الشعب الفلسطيني الذي قدّم أمثلة الصمود في مواجهة الاحتلال وإملاءات المتربصين بقضيته سينجح في تحقيق مطالبه العادلة في نهاية المطاف.

ويقول نوفل: إنّ الرهان الأساسي الذي راهنت عليه حكومة الشعب الفلسطيني في مواجهة الحصار هو شعبها وأمتها العربية والإسلامية. ويقول إنّ الرأي العام العربي والإسلامي قد أثبت قدرته على دعم قضية فلسطين، وأنّه لم يعدْ على الفلسطينيين تقديم أيّ تنازلٍ لإرضاء الرأي العام الدولي الذي ثبت عجزه عن فرض الشرعية الدولية في المنطقة وردع العدوان.