خبراء : الأنشطة الصيفية تقلل من المشكلات النفسية للأطفال والشباب الفلسطينيين

ربما كان المساهم الأكبر في تسديد فاتورة بقاء المجتمع الفلسطيني واستمرار هويته العربية تلك الفئة الصغيرة الكبيرة، الغضة الصلبة، الحالمة الصانعة للواقع، الخارجة من رحم الاحتلال والمعاناة إلى عالم التحرر والاستقلال والنهوض الفلسطيني.. فئة أطفال فلسطين التي تفوقت على طفولتها وتجاوزت معايير وخصوصيات مرحلتها واستحالت إلى فئة رجال .

إن صورة الحياة اليومية في فلسطين من عنف وقتل تلقي بظلالها على المجتمع الفلسطيني بجميع فئاته وتحدث تشويهات كبيرة في البناء الشخصي لكل فرد من أفراده، ويحظى الأطفال بقدر أكبر من هذا التشويه نظراً لتدني إمكانياتهم وقدراتهم إذا ما قيست بإمكانيات الكبار وقدراتهم، فيما يتعلق باستيعاب واقع الاحتلال واحتمال ظروفه والتكيف مع مشكلاته من منطلق ضرورة التوافق الشخصي مع المحيط كشرط لا بد منه للبقاء والاستمرار.

وفي السطور القادمة من هذا التحقيق

في البداية يقول الدكتور ياسر الشريف رئيس قسم الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس :

تسببت ظروف الاحتلال، التي تشكل ملامح الصورة العامة للحياة اليومية للإنسان الفلسطيني في التأثير على شخصية الطفل الفلسطيني وسيكولوجيته وبشكل مختصر من خلال ما يلي:

يرى علماء النفس أن الشخصية الإنسانية تتألف من أربعة جوانب نمائية، لكل منها شروطه وخصائصه ومطالبه ومشكلاته، وترتبط هذه الجوانب معاً بعلاقة تكاملية يتحقق فيها توحد الشخصية وتوازنها، وهذه الجوانب هي: الجانب الجسمي وما يتصل به من أبعاد فسيولوجية وبيولوجية وعصبية وحسية وحركية، الجانب العقلي وما يتصل به من نشاطات إدراكية ومعرفية وتعليمية، الجانب النفسي وما يتصل به من أبعاد وجدانية وعاطفية انفعالية، الجانب الاجتماعي وما ينطوي عليه من أنظمة السلوك الاجتماعي والأخلاقي وأساليب التفاعل والتواصل الاجتماعي.

إن تحقيق معدلات النمو الطبيعي السوي في هذه الجوانب من شخصية الطفل يتطلب توفر بيئة أسرية واجتماعية واقتصادية وثقافية مستقرة غنية بالمثيرات مُشبِعة للحاجات مُرضية للدوافع والرغبات، ومثل ذلك لا يتحقق في حدوده المثلى ولا حتى في حدوده الدنيا في ظل الاحتلال الإسرائيلي الساعي دائماً إلى هدم أركان المجتمع الفلسطيني وقتل مظاهر الحياة والنشاط والتطور العلمي والثقافي والحضاري فيه، وتكريس الحرمان بكل أشكاله كواقع قائم ومتجدد. كما أن تحقيق معدلات نمائية سوية في جوانب الشخصية يتطلب توفر الرعاية والإشراف والتنشئة في مختلف المؤسسات الاجتماعية وخاصة الأسرة والمدرسة وبشكل كاف، وهذا لا يتحقق كما يجب في مجتمع يخضع للاحتلال، يطارد فيه أرباب الأسر (الآباء) والمعلمون ويلاحقون ويعتقلون ويقتلون، ومثل هذا الأب (رب الأسرة) الفلسطيني الفاقد للأمن والاطمئنان والاستقرار، كيف يكون قادراً على توفير ذلك لأبنائه؟! وكيف يكون قادراً على الاضطلاع بدوره في تربية أبنائه وتنشئتهم وإكسابهم منظومات القيم والعادات والأخلاق والسلوكيات الاجتماعية؟!

تبعاً لذلك، وكنتيجة طبيعية لمقدمات تتمثل في ظروف الاحتلال التي تشكل الصورة العامة للحياة اليومية التي سبق الإشارة إليها، يُتوقع أن تكون معدلات النمو في جوانب الشخصية لدى الطفل الفلسطيني غير مرتفعة وتعاني من ضعف وتراجع وانحراف في حالات كثيرة وعلى نحوٍ يهيّئ لحالات تأخر في الذكاء والنشاط الذهني، تأخر في التعلم والتحصيل الأكاديمي، تدني في المواهب الشخصية ومظاهر الإبداع والتميز، وقوع في الاضطرابات النفسية والمشكلات والانحرافات السلوكية.

كما أنني أعتقد أن نمو الشخصية الإنسانية وتوازنها وسوية استجاباتها وسلوكياتها يرتبط بشكل أساسي بعملية الإشباع لحاجاتها المختلفة وإرضاء الدوافع والرغبات المتصلة بهذه الحاجات، ولا أريد في معرض هذه المقالة أن أبحث في مراحل وتفاصيل الدورة السلوكية للكائن الإنساني، وأكتفي بتأكيد حقيقة وجود علاقة موجبة قوية بين إشباع الحاجات الإنسانية من ناحية ونمو وتوافق وتوازن الشخصية الإنسانية من ناحية أخرى.

وبقراءة سريعة لهرم “ماسلو” للحاجات الإنسانية وربطه بواقع الطفل الفلسطيني في ظروف الاحتلال نصل إلى نتيجة تعزز ما توصلنا إليه في النقطة السابقة، فكيف يمكن إشباع الحاجات البيولوجية الغذائية للطفل الفلسطيني على نحوٍ كافٍ في ظل واقع الاحتلال والهيمنة على موارد ومقدرات المجتمع الفلسطيني والتحكم في مرافقه ومؤسساته، وسياسة فرض الضرائب التي أحالت المواطن الفلسطيني إلى واحد من أكبر دافعي الضرائب في العالم، وفي ظل ارتفاع الأسعار ومستوى المعيشة، وفي ظل شروط الملاحقة والاعتقال والإبعاد لأبناء الشعب الفلسطيني، وكيف يمكن للمجتمع الفلسطيني ومن خلال مؤسساته وخاصة الأسرة أن يشبع لأبنائه حاجاتهم الأمنية بأشكالها المختلفة من أمن اقتصادي وأمن اجتماعي وأمن نفسي في ظل ظروف الاحتلال التي لا تحمل في طياتها إلا التهديد المستمر لجميع مصادر الأمن والاستقرار والحماية وبصورة تجعل الطفل الفلسطيني يتحرك في متاهة بين حاضر غير آمن ومستقبل غامض مجهول.

وكيف يمكن إشباع الحاجات الاجتماعية للطفل الفلسطيني فيما يتعلق بالحب والتقدير والاستحسان الاجتماعي واحترام الآخرين والانتماء للجماعة والتواصل مع أفراد المجتمع في ظل مجتمع مسكون بالخوف والفزع والإحباط والخوف، وفي ظل أُسر وعائلات أصبحت بمفاهيم علم الاجتماع أسراً وعائلات محطمة مهدمة ممزقة، وفي ظل ظروف التشرد والإبعاد والهجرة الاختيارية والقسرية التي يعيشها أبناء الشعب الفلسطيني، وكيف يمكن إشباع الحاجات التعليمية لأطفال فلسطين في ظل ظروف التعليم التي تعاني من مشكلات جمة من حيث طرد الموظفين والمعلمين من أعمالهم، منع أعداد كبيرة من الطلبة الفلسطينيين سنوياً من تقديم امتحاناتهم، إجبار الطلبة على ترك المدارس تحت تأثير المضايقات التي تمارسها سلطات الاحتلال ضدهم، محاربة المناهج التعليمية العربية، النقص في المباني المدرسية والتسهيلات التعليمية إضافة إلى فرض أساليب العقاب الجماعي والإغلاق المتكرر لمؤسسات التعليم وتعطيل الدراسة.

إن الضعف والتراجع سيصيب أيضاً إشباع الحاجات الواقعة في رأس هرم “ماسلو” والمتمثلة في الحاجات الجمالية والحاجة إلى تحقيق الذات.

ضعف بنية الشخصية

يقول د. إياد السراج مدير عام برنامج غزة للصحة النفسية :

غني عن القول أن انحراف عمليات إشباع الحاجات الإنسانية للطفل الفلسطيني عن مساراتها ومعدلاتها الطبيعية يؤدي إلى ضعف في بنية الشخصية وتكوينها وتراجع في نمائها ونضجها يفقدها القدرة على تحقيق التوافق المطلوب ويزيد من فرص وقوعها في الاضطرابات النفسية والمشكلات السلوكية.

كما أن فقدان الطفل الفلسطيني لوطنه يمثل عاملا هاما في الصدع الذي يصيب شخصية الطفل والشاب الفلسطيني ، فعلى الرغم من أن قسماً كبيراً من أطفال فلسطين يعيشون على أرضها، إلا أن وجود الإنسان على أرضه يعتبر شرطاً ضرورياً لاعتباره مقيماً في وطنه، ولكنه ليس شرطاً كافياً لذلك ـ من منظور فلسفي ـ ، فما قيمة عيش الإنسان على أرضه وأرض آبائه وأجداده إن لم يعش بحريته وبكرامته؟! وما قيمة هذا العيش على أرض الوطن إن لم يقترن بالشعور بالأمن والسلام والاطمئنان؟! وما قيمة ذلك إن لم يوفر أسباب ومتطلبات الحياة الكريمة الهانئة؟!

انطلاقاً من عدم صحة معادلة [الوطن = الأرض]، ومن ارتباط الوطن بهذه المعاني والاعتبارات، فإن الطفل الفلسطيني يشعر بفقدانه لوطنه حتى وإن كان يعيش على ترابه، ويتعزز هذا الشعور في نفسه إذا فقد عزيزاً كأبيه أو أخيه أو رفيقه نتيجة ظروف الاحتلال، فيتعمق عندها شعوره بالأسى والحسرة الذي يمكن أن يتطور إلى ما يسمى في الطب النفسي بـ”اكتئاب الفقدان”، وتتعاظم في نفسه مشاعر الاغتراب النفسي والاجتماعي والوطني، وما يمكن أن يترتب على ذلك من هبوط الروح المعنوية وانحسار النشاط الاجتماعي والميل إلى الانطواء.

كما أن ظروف العيش في المخيمات والتي تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الصحة العامة ومتطلبات الحياة الكريمة ووسائل التسلية والترفيه، إلى جانب التقارب الحاد في المنازل وضيق مساحاتها واكتظاظ الأفراد في المنزل الواحد يعد عاملا من عوامل إضطراب الشخصية عند الطفل والشاب الفلسطيني .

كل ذلك يعزز عند أطفال المخيمات مشاعر الاختلاف والاضطهاد والإحباط، خاصة وأن إدراك الفرق الكبير بين شروط الحياة داخل هذه المخيمات وشروط الحياة القائمة خارجها أمر متيسر التحقيق لديهم، كما أن خصوصية الازدحام في هذه المخيمات لا تعيق الحركة فقط، وإنما تحد أيضاً من الإحساس والاستمتاع برحابة المكان وسعة الأفق وحرية الانطلاق، وتولد مشاعر الضيق والانزعاج والتوتر لدى قاطنيها وبخاصة الأطفال، وبصورة تنعكس سلباً على توازناتهم النفسية ونشاطاتهم السلوكية.

فوبيا الاحتلال

أما الدكتور أحمد عكاشة العالم النفسي الكبير فيقول :

الاحتكاك اليومي الدائم بجنود الاحتلال وما ينبثق عن ذلك من مشاهد الدم والموت والتعذيب ومواقف القمع والاعتقال والمطاردة والاشتباك والعنف، يمكن لذلك كله أن يؤدي إلى عدة استجابات وانفعالات السلوكية متعددة ومختلفة ، فبعض الأطفال ممن لم تتمكن أجهزتهم النفسية من استيعاب هذه المواقف، تنشأ لديهم حالات من الخوف والفزع الذي يمكن أن يتطور لاحقاً إلى “فوبيات ومخاوف عصابية مرضية” تتطلب جهوداً علاجية متخصصة.

بينما هناك أطفال آخرون يطبقون ـ عن غير قصد ـ آلية “التحصين التدريجي” فيواجهون هذه المواقف “المخيفة بطبيعتها” باستجابات خوف من مستوى معين، ثم تأخذ هذه الاستجابات ودرجتها بالتناقص تدريجياً بفعل استمرار وتكرار هذه المواقف إلى أن تتلاشى، ويتحقق آنذاك ما يطلق عليه “تخطي حاجز الخوف والرهبة”، ومثل هذه الخبرة ترفع من كفاءة الأجهزة النفسية في مواجهة هذه المواقف واستيعابها وتوجيه الطاقات العدوانية نحو جنود الاحتلال لإلحاق الضربات بهم، وهنا قد نصل إلى إشارة إنذارية ينبغي التنبيه لها، وهي أن توجيه السلوك العدواني نحو العدو في مثل هذه المواقف أمر صحي إيجابي مشروع له مسوغاته في الدفاع عن الأرض والحقوق يأتي في إطار عمل نضالي وإنجاز بطولي نؤيده وندعمه ونفاخر به، ولكن ما يُخشى منه هو أن يتحول ذلك إلى سلوك نمطي ينسحب على المواقف الأخرى ويتعمم في التعامل مع الآخرين من الأهل والأقارب والأصدقاء، مما يمكن أن يُحدث بعض الاختلال في الحياة الاجتماعية، خاصة في المرحلة المقبلة التي تشهد زوال الاحتلال. ومثل هذا الافتراض يستوجب التوقف والاهتمام والسعي إلى احتواء هذه الظاهرة السلوكية المحتملة ومعالجتها.

أضف إلى ذلك اضطرار قطاع لا بأس به من الأطفال والفتيان الفلسطينيين ـ وتحت وطأة ضغوط الحياة وارتفاع تكاليف المعيشة ـ للعمل في المصانع والمؤسسات، رغم تحريم اتفاقيات العمل الدولية له.

إن لهذا الأمر نتائج ضارة على صعيد البناء الشخصي والنفسي للطفل الفلسطيني، فمن ناحية أولى يشجع على تسرب الأطفال والفتيان من المدارس والمؤسسات التعليمية، ويعزز توجهات وسياسات العدو في التفريغ الثقافي والتجهيل العلمي لأبناء الشعب الفلسطيني، ويحرم أطفال فلسطين من فرص التعليم واكتساب المعرفة وتنمية الثقافة والوعي بأشكاله المختلفة، ويسهم في إبطاء معدلات النمو الذكائي والعقلي والمعرفي وإعاقة تطور الشخصية لديهم. ومن ناحية ثانية تتزايد عوامل ومصادر الضغط النفسي المؤثرة عليهم، وتتعزز في نفوسهم مشاعر الاختلاف والقهر والاضطهاد والتي قد تدفعهم ـ في ظل غياب الوعي الاجتماعي والتوعية الاجتماعية ـ إلى ارتكاب بعض أشكال السلوك اللااجتماعي، مما يمكن أن يحيلهم إلى أحداث جانحين.

اللعب والنشاط

أخيرا يؤكد الدكتور يحيي الرخاوي الطبيب النفسي الكبير أن الحرمان من اللعب الذي يعتبره علماء النفس نشاطاً سلوكياً حراً ذا بعدين: أحدهما ترويحي يستهدف تحقيق المتعة والشعور بالبهجة والآخر تعلمي يسعى من خلاله الطفل إلى اكتشاف العالم والتعرف على ظواهره المختلفة واكتساب المعرفة والمعلومات وتنمية المهارات السلوكية والاجتماعية وتطوير الذات يمكن أن يؤدي إلى مشاكل نفسية لا حصر لها .

ويؤكد الرخاوي أن اللعب يعد جزءاً هاماً من الحياة النفسية للطفل، ومتطلباً أساسياً لتحقيق النمو السوي للشخصية ينبغي مراعاته في جميع مراحل الطفولة وتوفير فرصه ومتطلباته وأدواته وأجوائه لضمان اجتياز هذه المرحلة النمائية الحرجة بتوافق وسواء.

وفي ظل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وتفاصيل المعاناة المستمرة لأبناء وأطفال الشعب الفلسطيني والانشغال في مواجهة هذا الاحتلال، تتضاءل فرص اللعب، هذا النشاط الطفولي بالغ الأهمية، كما لا تتوفر المستويات الدنيا من فرصه ومتطلباته وأدواته، مما يؤدي إلى خفض منسوب مشاعر المتعة والبهجة والفرح ورفع منسوب الشعور بالملل والضجر والرتابة والضيق والانقباض في نفس الطفل الفلسطيني، ويطفئ جذوة الحماس والإقبال على الحياة لديه، هذا إلى جانب الانعكاسات السلبية على فرص التعلم المعرفي والثقافي والاجتماعي والتي تحد من معدلات نمو وتكامل الشخصية. باختصار شديد، لا نبالغ إذا قلنا أن حرمان الطفل الفلسطيني من اللعب يعدل حرمانه من الطفولة بأكملها.