أن توقد شمعة خير من أن تلعن الظلام.. وأن تعلم الآخرين الابتسام خير من أن تتركهم يذرفون الدموع.. وأن تبعث الأمل في النفوس فمعنى ذلك أنك إنسان..
والرسول صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن يؤكد على هذه المعاني السامية أبلغنا
بأن أحب الأعمال إلى الله ثلاث، وهي “أن تدخل على أخيك المسلم سرورًا، أو تسعى في
حاجته، أو تسد عنه ديْنًا”.
طافت هذه المعاني بمخيلتي وأنا أشارك مجموعة أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة
عرسا إنسانيًّا قام بتنظيمه وإعداده فريق من متطوعي جمعية “مساعدة، للأنشطة
الخيرية” بالاشتراك مع جمعية “كيان، لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة”؛ حيث شاركوا في
تنظيم مهرجان تحت شعار “أطفال أبطال”، وهو المهرجان الأول من نوعه، وذلك في منتصف
الأسبوع الماضي بحديقة الأزهر.
ابتسامات طفولية
بينما كانت فقرات المهرجان قيد التجهيز إذ بأحد الأطفال يبدأ بالابتسام، ويبدو
أن ابتسامته تلك كانت ردا على ابتسامات الحاضرين.. ولقد أذابت تلك الابتسامات جبال
الجليد بيننا وبينهم، ودون أن أشعر وجدتني منهمكة مع منظمي المهرجان في توزيع
الحلوى على الأطفال، وشجعتني تجاوب الأطفال على الاقتراب منهم أكثر وأكثر واللعب
معهم، وما هي إلا دقائق حتى اندمجت تماما معهم، وأحسست أني واحدة منهم، وأنني لا بد
أن يكون لي دور في رسم البسمة على هذه الشفاه التي قدر الله لها هذا المصير.
توافد على حديقة الأزهر ما يقرب من مائتي طفل ومائة وخمسين من أولياء أمورهم
ومشرفيهم، منذ الرابعة عصرا، حيث استقبلهم متطوعو جمعية “كيان” و”مساعدة”، والذين
وصل عددهم إلى أكثر من مائة متطوع، وأشرفوا على جلوس ضيوف كل جمعية في المكان
المخصص لهم في مدرج منطقة ألعاب الأطفال في حديقة الأزهر.
وبعد وصول الضيوف من تسع جمعيات بدأت فعاليات المهرجان في حوالي الساعة السادسة
مساء، وكانت خير بداية تلاوة آيات من القرآن الكريم بصوتي الطفلين محمد وسلمى من
ذوي الاحتياجات الخاصة، ثم أمتعت الطفلة سلمى آذاننا بإنشاد أسماء الله الحسنى وسط
إعجاب شديد من كل الحاضرين.
يقول أحمد يوسف عضو جمعية مساعدة.كوم، وأحد منظمي المهرجان أن الأطفال من ذوي
الاحتياجات الخاصة لديهم القدرة على العطاء مثلما يفعل الأطفال الأسوياء، ولكنهم
فقط يحتاجون إلى الرعاية والاهتمام الذي تؤهلهم إلي القيام بذلك، وتلك الرعاية
والاهتمام تساوي بالضبط ضعف الرعاية والاهتمام المعطاة للطفل العادي.
ويضيف قائلا: إن هؤلاء الأطفال أبطال بالفعل؛ لأن ما قاموا به من أنشطة وعرض
لمواهب يثبت ذلك فعلا، وقد أذهل أداؤهم جميع الحضور.
الخروج من العزلة
تعود فكرة المهرجان إلى جمعية كيان لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، وهي مؤسسة
خيرية تعمل في مجال رعاية وتأهيل وتنمية مهارات ذوي الاحتياجات الخاصة وأسرهم،
هدفها اكتشاف وتنمية كيان وقدرات الإنسان داخل الطفل المعاق، ورسالتها هي خلق
وابتكار نموذج رائد وفعال لخدمة قضية الطفل المعاق، تسعى لكي يحصل على حقه الكامل
في التمتع بحياة أفضل، ومساعدة أسرته والمجتمع لاكتشاف طاقاته الكامنة، وذلك من
خلال منظور تأهيلي متكامل يعتمد على استخدام أرقى الأساليب العلمية، وتدريب فرق عمل
متخصصة ومؤهلة لتنمية مهارات وتوظيف قدرات ذوي الاحتياجات الخاصة، وقد جاء في رسالة
الجمعية أن هدفها “رسم البسمة على شفاه أطفالنا”. وقد تبنت الجمعية إقامة مهرجان
يجمع حوالي مائتي طفل من ذوي الإعاقات الحركية والذهنية والتوحد وصعوبات التعلم،
بهدف إلقاء الضوء على قضية الطفل المعاق وتعريف المتطوعين بكيفية التعامل معه،
وكذلك العمل من أجل إخراج هؤلاء الأطفال من العزلة المفروضة عليهم والترفيه عنهم،
وتوعية المجتمع بهذه الفئة التي يتوجب علينا مساعدتها والاهتمام بها.
دروس مستفادة
لم ينس منظمو المهرجان فقرة المسابقات التي شارك فيها الأطفال بشغف وفرحة
شديدين، وشملت مسابقة الجري، ومسابقة البيت السعيد؛ حيث انقسم المتسابقون إلى
فريقين، وقام كل فريق بتجميع قطع البيت لتكوين بيت كامل، ثم مسابقة الكراسي
الملونة؛ حيث انقسم الأطفال إلى ثلاث فرق يتنافسون على الجلوس على كراسي عددها أقل
منهم، ثم مسابقة الكور الملونة؛ حيث تختبر قدرة الأطفال على التعرف على الألوان
وعلى سرعة الجري، ثم اشترك أربعة من متطوعي جمعية مساعدة للأنشطة الخيرية في مسابقة
طريفة؛ حيث تباروا في أكل قطع من البطيخ دون استخدام أيديهم، وقد تم توزيع جوائز
رمزية على الأطفال الفائزين، وسط تشجيع الحاضرين وفرحة الأطفال.
ويقول محمد سعيد المسئول عن تنظيم اليوم: إن هذه الألعاب قام بإعدادها خبراء
نفسيون واجتماعيون؛ حتى يكون اللعب أكثر من مجرد فقرة للهو والمرح، ولكن يتم تحميل
كل لعبة بعدد من الدروس الحياتية، بجانب شحذ خيال الطفل وتنشيطه لاستيعاب الدرس من
اللعبة، فنحن مثلا نهدف من خلال لعبة البيت السعيد إلى أن يعرف هؤلاء الأطفال فكرة
إقامة بيت، وأنها أحد أهم رسالات الإنسان على الأرض.
صورة المعاق مشوهة
سألنا الدكتور أيمن طنطاوي رئيس جمعية كيان عن واقع الطفل المعاق في مصر، وعن
الهدف من المهرجان، وكيف نشأت الفكرة، وأهمية مثل هذه المهرجانات، قال: المشكلة
الرئيسية أن الصورة الذهنية في المجتمع عن الطفل المعاق مشوهة، وتحتاج إلى وقت
لإصلاحها، فغالبًا ما نقول عندما نرى طفلا معاقا “ده شكله متخلف، أو معاق، أو مش
بيعرف يتكلم، أو منغولي وغير طبيعي”، وعندما نود أن نرفع من روحهم المعنوية نقول
“أطفال ذوو احتياجات خاصة”، ولا أبالغ إذا قلت إن الكثيرين منا لا يحتمل رؤية هؤلاء
الأطفال المعاقين. من هنا فنحن نسعى من خلال مثل هذه المهرجانات إلى توعية المجتمع
بهم والتعريف بنوعية الإصابات التي تصيبهم، فلا أحد يعرف ماذا يعني “شلل دماغي”، أو
الفرق بين تيبس العضلات وبين التحول العظمى أو التوحد، أو نقص انتباه… إلخ، فهناك
أكثر من 20 نوعًا من ذوي الاحتياجات الخاصة، والذي يجهله الكثيرون أن أغلب الأطفال
المعاقين لديهم قدرات خارقة، ويحتاجون فقط إلى من يأخذ بأيديهم.
وأما فيما يخص رسالة مهرجان “أطفال أبطال” لذوي الاحتياجات الخاصة فيقول د. أيمن
طنطاوي: إننا أردنا أن يكون مهرجان لكل طفل غير طبيعي؛ لكي ندخل الفرح والسرور إلى
قلبه، وكان شعارنا “ما تيجوا نكسر التلج اللي ما بينا وبينهم”، وذلك من أجل فتح
مجال للعلاقة بين المعاق والمجتمع، ولكي يتفاعل مع الآخرين، وعلى الأقل لا يصبح
كيانا مهملا. وعن طموحاته بمستقبل المهرجان يقول: نحن نحاول أن نطور هذا المهرجان
في نسخته الأولى، لكي نرقى به إلى مستوى مهرجان “يوم اليتيم” الذي أصبح “يوم اليتيم
العربي” ومهرجان الخير الأول والثاني والثالث، إننا نحلم أن يكون هناك يوم “أطفال..
أبطال” العالمي.
مشاركة جماهيرية
بعد ذلك بدأت الفقرات التي قدمها أطفال الجمعيات المشاركة في المهرجان، وتنوعت
هذه الفقرات بين الرقصات، والأغنيات، والعزف على الآلات الموسيقية المختلفة،
والأسكتشات الفنية الطريفة، وعكست هذه الفقرات مدى الاهتمام الذي يوليه القائمون
على هذه الجمعيات بأطفالهم لتنمية مداركهم ومساعدتهم في التغلب على الإعاقة. ونالت
هذه الفقرات إعجاب جميع الحاضرين سواء ضيوف المهرجان أو زوار الحديقة.
انتهت الفقرات الفنية في حوالي الساعة الثامنة مساء، حيث توقفت فعاليات المهرجان
لمدة نصف ساعة قام خلالها المتطوعون بتوزيع الوجبات الجافة على الأطفال والمشرفين،
ثم استؤنف المهرجان بفقرة فنية قدمتها فرقة معظمها من الأطفال.
التقينا بمحمد إبراهيم أحد أهالي الأطفال المعاقين وسألناه عن رأيه في المهرجان،
فأكد أهميته في دعم العلاقة بين المعاق والمجتمع، واختيار حديقة الأزهر بما عليها
من إقبال جماهيري كبير، وذلك لمشاركة الجمهور العادي في المهرجان والإحساس
بمعاناتهم، ومساعدتهم على أن يثبتوا وجودهم في الحياة. وأكد إبراهيم على أهمية
المعارض التي أقيمت على هامش المهرجان لعرض المنتجات التي قام بعملها أطفال
الجمعيات المشاركة في المهرجان، وقد حظيت هذه المعروضات باهتمام العديد من زوار
الحديقة وضيوف المهرجان.
ويقول أحد أعضاء جمعية كيان إنه بالرغم من الإرهاق والتعب الناتج عن صعوبة تنظيم
المهرجان -نظرا لاتساع المكان المقام فيه- إلا أنه مع أول ابتسامة لطفل نسينا كل
شيء.. تعبَ اليوم وتعب الحياة، ولم يبق في أذهاننا جميعا غيرُ تلك الابتسامة على
شفاه الأطفال والتي نتمنى دوامها.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72596
