المعوقون في نزوحهم.. أنا غير!!

تضحك كل ملامح ميسم قزي وهي تحكي قصة. لكن ابنة التاسعة عشرة المصابة بشلل رباعي وبإعاقة ذهنية ليست قادرة على إيصال حكايتها بكلام مفهوم. والدها الآتي بها وبقية الأسرة من البازورية في الجنوب إلى المدرسة في كاراكاس يشرح لنا أن القصة التي تضحكها هي كيف أن خالتها تركت طبخة الملوخية في المطبخ وهربت.

الاتصال بميسم يبدو مستحيلاً. يحتاج إلى متخصصين يعرفون حالتها. ميسم التي كانت تضحك أمس، أمضت جزءا كبيرا من نهارها تصرخ وتتقيأ وتبكي. أهلها يعالجونها بحبة دواء، كرسيها النقال متهالك ويبدو أنه يزيد من تعبها اليومي.

ميسم بحاجة إلى رعاية خاصة لا يوفرها أبدا الطابق الثاني في مدرسة. بحاجة إلى أدوية غالية الثمن. بحاجة إلى حفاضات وإلى فراش مائي. بحاجة إلى أضعاف ما يحتاجه أي نازح آخر، غير معوّق.

ميسم، وعشرات الحالات الأخرى الشبيهة على امتداد النزوح اللبناني، يتابعها اتحاد المقعدين اللبنانيين. تنهال الحكايات: شاب في العشرين مصاب بالتوحد يجهل المسئولون في المدرسة كيفية التعاطي معه وينتهي به الأمر هو وأمه في أحد حمامات المدرسة.

شاب يعاني شللاً دماغياً تنقصه أدويته الدائمة.. مسنون معوقون بحاجة إلى كراسي نقالة وإلى فرشات مائية وإلى عكازين وإلى أكياس البول وأدوية التنظيف، فضلا عن أصحاب الأمراض المزمنة من سكري وضغط وقلب وحالات البتر والفالج.

أنا غير

داخل مدرسة زاهية قدورة في كاراكاس، والتي تحولت إلى مأوى لعشرات الأسر النازحة من الضاحية الجنوبية.. يجلس مصطفى رمّو في الباحة الداخلية. تحوط به أمه. تلّوح بمنشفة أمام وجهه. تبرّد وجهه وتبعد الذباب عنه. تمسد على رأسه. هو يجلس على كرسيه المتحرك. أطرافه الأربعة مطوية إلى الداخل. شلل رباعي رافقه مذ ولد. هو الآن في الخامسة والثلاثين. وهو هارب وأمه من بئر العبد. وهو يضحك حين يحكي.

ما الذي ينقصك الآن؟ يجيب مصطفى: “كل شيء ناقصني.. الثياب والحفاضات. ما عندي شيء”. لماذا هو في باحة المدرسة وليس في غرفة من الغرف؟ تقول أمه إنه هنا يرتاح أكثر.

يتابع مصطفى: “أريد غرفة لي وحدي”. تقول أمه إنها تنام على البلاط بالقرب منه. مصطفى مصاب الآن بالتقرحات جراء جلوسه المتواصل على كرسيه الصلب. أقول له إنه قوي وإنه يضحك. يجيب: “قلبي من الداخل يبكي”.

ويسألني: رح تأمن لي غرفة وحدي؟ لي ولأمي؟. اشرح له أن كل ما أقدر على فعله هو أن أكتب قصته في الصحيفة وفيها أن مصطفى يريد غرفة وحده.

يصمت ويظل ينظر فيّ وتختفي ابتسامته. يقول إنه لا يقدر أن يعيش هنا. ثمة آخرون في الغرفة التي نزل فيها وأمه. هم غير مستعدين لتحمل واحد مثله.

أهرب من عينيه وأصعد إلى طوابق المدرسة. حين أنزل، أجده جالسا عند الباب الخارجي. تعلق عيناه فيّ من جديد. يقول إنه ينتظرني. يقول أنه ليس منزعجا من الناس. لكنه لا يريد أن يزعج هؤلاء.

في كلماته القليلة أفهم الحساسية المحقة لمن لا يريد أن يقتحم الآخرون حياته عن غير قصد منهم. تعوّد على وحدته. الآن خسرها كلها دفعة واحدة. الآن يعيش تحت وطأة مشاعره. ينظر إلي ويختنق. لا يريد أن يشرح. لكن الكلمات تفلت منه همسا: أنا غير. أمي تغيّر لي حفاضاتي. سمعتهم يقولون شو هل ريحة؟ أنا بستحي. ما فيني عيش هون.. بدي غرفة وحدي”.

لا يريد أن يكون مكشوفا إلى هذه الدرجة المرعبة. عمره 35 عاما. شلله الرباعي أفقده كل شيء منذ ولد، إلا إنسانيته ومشاعره وكرامته.

ظل مصرا. قال لي وأنا أغادر: “المهم ما تنساني حبيب قلبي”. عيناه الآن عالقتان على بلاط مدخل المدرسة.

نزوح مضاعف

المشكلة الأولى في معاناة هؤلاء المعاقين داخل مراكز الإيواء، بحسب عضو اتحاد المقعدين اللبنانيين جهاد إسماعيل، هي جهل مسئولي مراكز النزوح بالحالات الموجودة لديهم. لم يلحظ هؤلاء، مثلاً، أن المعوقين لا يمكنهم أن يقطنوا الغرف العالية في مدارس لأنها غير مجهزة بالطبع لمن هم في مثل حالاتهم. وحيثما وجدت هذه الحالات، فالأكيد أن ثمة إرباكًا شديدًا في التعاطي معها. وليس غريبا أن يتواجه أهل الفتاة المصابة بالصرع مع المسئولين عن المدرسة الذين رأوا أن تحال إلى دار العجزة، والاتحاد يفاوض الدار من أجل أن تنقل الفتاة إليه ومعها على الأقل فرد واحد من عائلتها قادر على الاعتناء بها. وفي الانتظار، تنام هي في الممر بين الغرف، متروكة لنوباتها العصبية.

ويهتم الاتحاد حاليا بحالات الإعاقة الجسدية البصرية والسمعية والذهنية، وهو يأخذ على عاتقه الاهتمام بالمعوق وأفراد عائلته، ويحاول إيصال المواد الغذائية والطبية والأدوات الخاصة إليهم حيث هم.

وتقول بترا مقداد عضو الاتحاد إنهم بحاجة إلى 500 كرسي نقال. كما أن الاتحاد يعاني نقصا في “الفرشات المائية”، وهذه الفرشات هي حاجة ملحة بشدة للمصابين بالشلل لأن الفرشات العادية والكراسي تجعل الأماكن التي تتعرض للضغط أكثر من غيرها في الجسد تتقرح وتلتهب.

في داخل النزوح الأول، هناك نزوح مضاعف للمعوقين. هؤلاء، بحسب المنسق في الاتحاد محمد لطفي، تركتهم الدولة اللبنانية لقدرهم؛ لأن “إمكانات وزارة الشئون الاجتماعية توازي إمكانات جمعية صغيرة”.

* نقلا عن صحيفة “السفير” اللبنانية في 27-7-2006