إذا أردت أن تخيف طفلاً، فما عليك سوى أن تروي له قصصًا وحكاياتٍ عن الموت، ولو شئت أن تزيد من حالة الخوف لديه؛ فلتخبره أن ماما أو بابا سوف يرحلون ويتركونه وحيدا.. لكن بماذا يشعر الكبار عندما يسمعون حكايات الموت من أطفال عايشوه؟.. أطفال شاهدوا الموت يختطف عزيزا؟..
أطفال “قانا” عاتبون على أب، أو أم، أو شقيق، رحل دون أن يودعهم.. مازال حسين شلهوب لا يفهم لماذا تركته أمه.. ولماذا أخته زينب لا تنام بقربه..
فتح حسن شلهوب (4 سنوات) عينيه، نظر من حوله، فرأى فتاة صغيرة “تنام” بقربه، هي غير زينب (6 سنوات)، شقيقته الكبرى.. رأى رجلاً في المكان فسأله: “عمّو، ليش أنا هون؟”.
ركض “عمو سليم” جار العائلة نحو حسن، ضمه بين ذراعيه “بعدك عايش يا حبيبي، تقبرني إن شاء الله”، وسحبه من قرب الطفلة الشهيدة (عامان).
كان حسن ملفوفًا بـ “حِرام”، ويرقد بين جثامين الأطفال الشهداء في قانا، ظنه أحد المواطنين المسعفين ميتا.. لم يكن يأمل أنه مازالت هناك حياة وسط كل ذلك الموت!.
وين ماما
أمضى حسن -والدماء تغطي وجهه ورأسه- بقية ليلته بالقرب من طفلة لا يعرف اسمها، خائفًا “من القصف”، كما قال، و”زعلان” من أمه التي تركته وحيدا، وهو يؤكد: “لولا القصف، وخوفي منه؛ لقمت ولحقت بها إلى منزلنا في الضيعة”، حيث ظنها قد ذهبت!.
استفاقت أم حسن (رباب يوسف) على وقع القصف في قانا.. وجدت نفسها تحت الركام الذي غطى جسدها، ومعها ولداها حسن وزينب.. نفضت رباب الركام، وانتشلت حسن وهو يبكي، سألته إن كان موجوعًا فقال: “لا”.. سلمته إلى رجال كانوا في المكان، وأخذت تبحث عن ابنتها وزوجِها محمد المقعد.
لم تجد زينب.. نادتها كثيرا، ولم تلق جوابا.. خرجت رباب مع زوجها المقعد إلى أحد ملاجئ القرية.. بقيت رباب هناك حتى الصباح.. تعرف أن طفلها “بخير”، هو قال لها ذلك قبل أن يعود إلى النوم.. كان يخنقها قلقها على زينب..”زينب استشهدت”، كانت تقول لنفسها.
إلى الملجأ، دخل الجار سليم، ومعه حسن، وقصة الحياة المبعوثة.
“لم تكن جراح حسن تنزف”، تقول والدته، التي نقلت أمس إلى مستشفى جبل عامل هي وابنها وزوجها.
عندما رأى حسن أمه، أقبل عليها معاتبا لأنها تركته وحيدا ينام “بين الجيران”، غمرته، والتصقت به.. لم يعد لديها سواه.
لـ “زينب” التي قضت اختناقصا تحت الركام -والتي نقلت شاشات العالم صورها وأحد الرجال يحملها من ذراعيها، ويطلب من العالم رؤية الوحشية الإسرائيلية- ذكرى أخيرة في قلب رباب: “وجدت يدًا صغيرة بالقرب من حسن”، حيث كانت زينب تنام.. لم أتمكن من سحبها، فمسحت عليها بيدي وقبلتها، وقلت لها: “ما تزعلي مني يا ماما، مش قادرة أعمل لك شي”.. هناك تركت رباب زينب.. هناك ماتت زينب!.
لم تر رباب صور زينب التي نشرت في كل صحف العالم: “ما بدي شوفها، بدي تبقى زينب يللي ببالي”.. تقول لحسن: إن زينب ذهبت إلى الجنة (هونيك ما في إسرائيل.. هونيك هي مبسوطة).
غادرت وحدها
تترك بدرية شلهوب رأسها بين يديها، لا تقوى على رفع عينيها والنظر من حولها.. تبدو وكأنها لا تسمع ولا ترى.. تلك هي حالها منذ أن غادرت قانا حية ترزق، ولكنها غادرتها وحدها، تركت هناك -تحت الركام- تيسير بأعوامه التسعة والثلاثين.. وعدها بالعودة إلى دبي للعمل؛ كي يعوض عليها “شقا الأيام ومُر السنين”.
قضى تيسير بالقرب من أمه، الحاجة بدرية شلهوب.. لم تشبع منه منذ عودته من الخليج لقضاء بعض الصيف معها، وقبل أن تلاقيه إسرائيل بنيرانها.
هل تفكر بتيسير أو بنبيلة؟ نبيلة عمرها 42 عامًا، ومقعدة، ولا يمكنها رد حجر صغير عنها، فكيف ترد صواريخهم الذكية؟.
ربما تقول الحاجة لنفسها إن نبيلة صبية، وعاشت بعضًا من عمرها، وتفكر أن زينب -حفيدتها وابنة ولدها محمد، المقعد هو أيضا- هي التي فطرت قلبها، وقد أطفأ وحوشُ الجو الطائرةُ شمعتَها السادسة إلى الأبد..
زينب، تلك التي غطاها الركام، إلا يدها تمتد نحو أمها تطلب فرصة للحياة.
وفي غمرة مأساتها، ربما مرت أم تيسير على أبناء إخوة وأخوات، وعلى شباب وشابات الجيران، وقد لاعبتهم، وراقبتهم يكبرون مع أولادها، وزفتهم في أفراحهم، وتخيلتهم في لحظة ما، تمامًا كأولادها يحملون جثمانها عندما تشيخ وتموت بينهم، ولكنها بالتأكيد لا تصدق الآن أنها رأت بعضًا من أشلائهم وقد علقت على جدار الدار!!.
لم يبق أحد
حوراء (12 عاما)، وعلي (10 أعوام)، ويحيى وقاسم (7 أعوام)، وزهراء (عامان)، وخديجة يونس (31 عاما)، وحسناء هاشم (60 عاما).. هؤلاء هم أولاد محمد قاسم شلهوب (38 عاما)، وزوجته ووالدته، وقد قضوا جميعا، إلى جانب أقارب لهم، في مجزرة قانا الثانية، ونجا محمد بأعجوبة.. وهو يرقد حاليا على سرير خاص في مركز لبيب الطبي.
يصمت محمد معظم الوقت ويقول: “لي قطعة أرض صغيرة، سأدفن أولادي وزوجتي ووالدتي فيها، وأحولها حديقة ورد؛ لأنهم كانوا جميعا يحبون الأرض والزرع، وسأعيش كل عمري معهم، صورهم في ذاكرتي ومخيلتي، وأرواحهم ستبقى حية فيَّ حتى ألتقيهم”.
وروى شلهوب بعضا من تفاصيل وقوع المجزرة: ” كنت نائما إلى جانب الباب الرئيسي على مقربة من أولادي، وانهار الغبار الكثيف والركام علينا جميعا، وبعد وقت قصير غبت عن الوعي، ثم وجدت نفسي بين الركام، لم أسمع سوى أنين خمسة أشخاص، عرفتهم، وأيقنت أن جميع الباقين استشهدوا، وأعتقد أنهم قضوا اختناقا”.
وأوضح شلهوب “أن أحدًا من رجال الإنقاذ، أو الدفاع المدني، أو الصليب الأحمر، لم يصل إلى مكان المجزرة قبل التاسعة صباحا؛ نتيجةً لاستمرار الغارات على الحي”.. وأشار إلى أن شقيقه فقد أيضا ولده قاسم وعمره تسعة أعوام، وكذلك فقد ابنُ خاله أحمد هاشم أولادَه الخمسة.
قافلة الناجين
هلا شلهوب، كانت بين قافلة تضم 54 شخصًا، ممن بقوا أحياء من عائلتي شلهوب وهاشم.. القافلة توجهت إلى مدينة صيدا؛ حيث خضع العديد من أفرادها للعلاج من إصابات لحقت بهم في المذبحة. وتقول هلا، التي أصيبت بجرح في رأسها: “بعد الغارة، كانت ابنتي رقية بجواري، وعمرها سنة ونصف السنة، سمعتها تئن، قلت هذا صوت ابنتي رقيه، رفعوها، صرخَتْ: بابا.. بابا، وتُوفيت، وما زال صوتها في أذني”.
أما مُنى الهاشم، فقالت: “من أندب؟ وعلى من أصرخ؟ لقد استشهد لي ثلاثة صبيان في المجزرة: جعفر(12 سنة)، ومهدي (7 سنوات) وعباس(11 سنة)، لم أكفّنهم، ولم أحضر جنازتهم..”.
أما حوراء هاشم، الصبية، ابنة الـ15 ربيعًا، فكانت تقف بمفردها حزينة جدًا، لدرجة الكآبة.. وحوراء هي الوحيدة الباقية من عائلتها، قد استشهدت والدتها مريم محسن(32 عامًا)، وأشقاؤها: حسين (14 عامًا)، وإبراهيم ( 7أعوام)، وعلي( سنتان ونصف السنة).
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72607
