إنهم ينزحون بعشرات الآلاف، يتركون أرضهم.. عرضهم.. تاريخهم ومستقبلهم، ينزحون ليس لنقص في إيمانهم بالأرض التي أحبوها وسقوها من دمائهم وعرقهم، ليس لضعف في نفوسهم أو جبن في قلوبهم؛ بل لإدراكهم أنهم باتوا وسط حقل رماية ثمنهم فيه لا يتعدى ثمن الصاروخ الذي يطلق عليهم، ينزحون لإدراكهم أن من يموت منهم قد لا يجد من يبكي عليه، قد لا يسمع من يصلي عليه، ربما تحللت جثته، احترقت أو اختفت أو أكلتها الكلاب الشاردة، وقد لا يجد ذووه قبرا يزورونه يوما، لهذا ينزحون.. فليس ثمة من يحميهم في هذا العالم المتوحش، عالم القوة والغاب رغم كل ما يحكى عن حقوق الإنسان، ليس ثمة من يحسب لأرواحهم حسابا في المعادلة، لا بأس إذن من حمل إيمانهم ومشاعرهم والتوجه إلى أقرب مدينة أكثر أمنا.. وهكذا تصبح صيدا عاصمة النزوح، وموئل المهجرين قسرا حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
في صيدا 120 ألفا من الجنوبيين الصابرين يفترشون أرض المدارس والمراكز، النازحون باتوا أكثر من سكان المدينة، والقوافل ما زالت تحمل المزيد، الصيداويون فتحوا بيوتهم، ووقفوا أنفسهم على خدمة إخوتهم في الوطن والإنسانية، سكان المدينة يعملون كلهم من أجل “زوارهم”، الأفران والمطاعم الخاصة تعمل ليل نهار لتأمين 300 ألف وجبة تقدم يوميا على ثلاثة أوقات في المراكز، عدا عما يقدم في البيوت التي حل عليها الجنوبيون ضيوفا، لم تبقَ مدرسة رسمية أو خاصة إلا وفتحت أبوابها، لم يبقَ مركز فارغ من البشر، الخدمات الطبية والصحية تؤمنها الجمعيات الأهلية أيضا للنازحين، ثمة مستوصفات نقالة، ومستشفيات جاهزة لاستقبال جميع الحالات، ثمة من يجمع الثياب الجديدة والمستعملة لكسوتهم، ثمة من يوزع عليهم الفرش ولوازم الأطفال ومواد التنظيف والحصص الغذائية.. المدينة كلها تعمل في النزوح والنازحين.
المخيمات الفلسطينية التي ذاقت ألم النزوح عن الوطن تفاعل أهلها بشكل عجيب، تسابقوا في تأمين الفرش والأغطية عندما نفذت من المدينة المحاصرة، تقاسموا مع اللبنانيين رغيفهم الصغير، وتشاطروا معهم بيوت التنك والأحجار… لا شك أن هؤلاء الوافدين قد أشعلوا فيهم نار الذكريات المؤلمة يوم حملوا أجسادهم باتجاه لبنان ونسوا قلوبهم في الديار، وبحرقة هذه النار تحرك هؤلاء ليكونوا عونا لمن استضافهم سنوات طويلة، ففتحت مدارس الأونروا أبوابها وفتح أهل المخيمات “بيوتهم”، والأهم أنهم فتحوا قبل ذلك قلوبهم.
تنافس في الخير
الاستقطاب السياسي في عاصمة الجنوب حديث يطول، لكن صيدا كعادتها تجتمع في الملمات… هذه المرة كان الخطب جللا، وخدمة النازحين أكبر من أن يحتكر شرفه طرف في المدينة، رغم ذلك لم يجر التنسيق على ما يرام، لكن رب ضارة نافعة، فالكل بات يتنافس في خدمة الوافدين من أهل الجنوب الصابر.
في المدينة اليوم ثلاثة خطوط رئيسية؛ الخط الأكبر يتمثل بتيار المستقبل الذي أنشأ مؤسسة أسماها “هيئة الرئيس الشهيد رفيق الحريري للإغاثة والصمود”، واستنفر ثلاثة آلاف متطوع، معظمهم عملوا في الماكينة الانتخابية للنائب بهية الحريري سابقا. والخط الثاني يتمثل ببلدية صيدا ومن ورائها “تجمع المؤسسات الأهلية” الموالية في معظمها للنائب أسامة سعد، أما الخط الثالث فتمثله الجماعة الإسلامية التي أنشأت “لجنة الطوارئ والإغاثة” لتضم 37 جمعية في لبنان يعمل عدد منها في صيدا، كما يوجد في المدينة عدد من الجمعيات الأخرى التي لا يمكن إدراجها ضمن هذه الخطوط، ولكنها تعمل بكفاءة أيضا لخدمة النازحين.
المستقبلون والوافدون يعملون تحت حصار لا يرحم أحدا لتكريس استمراره، وصيدا محاصرة في بلد كله محاصر، وبينها وبين أخواتها المدن اللبنانية لا أوصال تسري الحركة في عروقها، كما لا محروقات أصلاً إن وجدت هذه الأوصال، المؤن لا تدخل والمستودعات تكاد تنفد بضاعتها، لا كهرباء إلا قليلا بعدما ضربت معظم المعامل الحرارية، لا أمن ولا تنقل إلى الأطراف، وتحت هذه الظروف الصعبة على الناس أن تتكدس وأن تدبر أمرها، وهو أمر ما زال ممكنا حتى الآن، ولكن التخوف يزداد مع توسع العملية العسكرية الإسرائيلية واشتداد الحصار واقتراب النار من المدينة، والخطر الأبرز الذي تخشى المؤسسات العاملة من وقوعه هو تفشي الأوبئة وعجز الجهات الطبية عن محاصرتها، وثمة بدايات تيفوئيد رصدت ولكن أمكنت محاصرتها، لكن المخاطر الطبية ليست الوحيدة، فالمدينة مثقلة بعبء إغاثة عشرات الآلاف من الذين خرجوا من قراهم ومدنهم دون أي شيء، في حين أن كل شيء في طريقه للنفاذ، كما أن الأجهزة المتطوعة لمختلف الجهات قد لا تصمد طويلاً أمام نهر البشر المتدفق.
مستقبل غامض
أن يوقف العدوان هذا هو المرتجى الآن، لكن ماذا بعد ذلك؟ لا شك أن تحديات هائلة سوف تواجه صيدا، بوصفها عاصمة للنازحين؛ لأن الفرق المتطوعة ستبدأ بالضمور نتيجة انصراف الناس إلى أعمالها، في حين أن حجم النازحين لن ينخفض بسرعة نتيجة حجم الدمار الهائل، كما أن المدارس ستبقى ممتلئة؛ وهو ما سيعيق العام الدراسي الذي يحتاج إلى حلول مختلفة نظرا لضرورة تفريغ المدارس من النازحين وإعادة تأهيلها، وغير ذلك من التحديات كثير، ويبقى كل شيء قابلا للحل، إنما المهم أن تتوقف هذه الآلة العسكرية الإسرائيلية.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72612
