يمضى آلاف المزارعين في غور الأردن شرق الضفة الغربية هذه الأيام للتحضير للموسم الزراعي القادم، وسط شكوك عميقة في نجاح هذا الموسم بسبب ظروف الحصار الذي تفرضه قوات الاحتلال على وصول المزارعين إلى حقولهم أو على نقل المنتجات لتسويقها في أسواق الضفة المجاورة.
وتعتمد قرى بأكملها في المنطقة الممتدة من أريحا حتى قرية بردلة أقصى شمال شرق الضفة الغربية على الزراعة المروية في معشية سكانها، ويقول مزارعون في المنطقة: إنهم لا يملكون خياراً آخر غير الزراعة بالرغم من
كل تلك الشكوك التي تنتابهم.
مغامرة مكلفة
محمود عبد الرحيم يعيش ضمن عائلة زراعية تتنازعها المخاوف من فشل الموسم الزراعي القادم الذي يمتد من أغسطس الحالي حتى مطلع يونيو من العام القادم.
ومخاوف عائلة عبد الرحيم تتقاسمها عائلات كثيرة في منطقة غور الأردن، التي تعد البقعة الزراعية الأخصب في الضفة الغربية الأخصب الأغوار، فالجميع يتساءلون عن جدوى العملية الزراعية هذا العام، بينما يبقى مصيرها
مجهولا في يد قوات الاحتلال.
وقال عبد الرحيم بينما كان يفرش الأرض بروث الحيوانات إيذاناً ببدء الموسم الزراعي في أجواء شديدة الحرارة: “هذا الموسم مجهول المصير. الإغلاق الإسرائيلي مستمر وهذا يبعث على التشاؤم”.
ويحصل المزارعون على شهرين راحة في السنة خلال يونيو ويوليو، حيث تشتد وطأة الحر وينتقل بعضهم للعيش في المناطق المرتفعة الأقل حراً. وفي أي مكان في منطقة الغور الشمالية يمكن مشاهدة مزارعين يعملون جاهدين
على تحضير الأرض للزراعة.
ويعتقد عبد الرحيم، أن نجاح الموسم الزراعي في المنطقة برمتها مرتبط بعدة أمور أهمها توفر المياه الكافية لري المزروعات وإيجاد منافذ للتسويق ووقف الإجراءات الخاصة التي تفرضها سلطات الاحتلال على منطقة الغور.
حصار مستمر
وتغلق سلطات الاحتلال منطقة الغور منذ ست سنوات وتمنع سكان الضفة الغربية وتجار الخضار القادمين من داخل أراضي عام 48 من بلوغ المنطقة، بهدف ضرب القطاع الزراعي في هذه المنطقة التي تشكل ثلث الضفة
الغربية.
ويقول فتحي خضيرات، منسق حملة “أوقفوا الجدار” في المنطقة إنه حسب المعطيات الحالية التي تشمل مواصلة إقامة الحواجز إضافة إلى خسارة المزارعين في المواسم السابقة وشح المياه، فإن الموسم الزراعي إن لم يكن
محكوماً عليه بالفشل، فهو في أفضل الأحوال مجهول المصير.
ويرى معن صوافطة، مدير الغرفة التجارة والزراعية في طوباس، أنه بدون حل مشكلة التسويق فإن قطاع الزراعة سيبقى مصيره مفتوحاً على المجهول.
وقال: “الحديث عن قطاع زراعي ناجح في المنطقة لا يمكن أن يكون ذا جدوى في ظل استمرار سلطات الاحتلال إغلاق حاجز بيسان، ومنع التجار من دخول المنطقة، وهو الأمر الذي يدفع المزارعين للبحث عن طرق
تسويقية غير مجدية”.
ويؤكد صوافطة، أن كثيرا من المزارعين عزفوا هذا العام عن زيادة رقعة الأرض الزراعية لهذه الأسباب.
الأرزاق بيد الله
بيد أن المستقبل المجهول لهذا الموسم الزراعي لم يكن سبباً كافياً للمزارع عبد الرحيم لإنقاص رقعة مساحة أرضه الزراعية التي يتقاسمها مع عائلته. لكن غيره من المزارعين آثروا عدم المجازفة كثيراً.
وقال عبد الرحيم في إشارة إلى أسلوب المغامرة الذي انتهجه “ما تقذفه السماء تتلقفه الأرض. . هذه الأرض خلقت للزراعة ولا شيء غير ذلك”.
في المقابل، يقول المهندس وجدي بشارات، مدير مديرية زراعة طوبا: إن الزراعة في منطقة الأغوار الشمالية باتت مقامرة محفوفة بالمخاطر وأنه ليس هناك ضمان أكيد للربح في ظل الوضع الراهن.
ويرى بشارات، أن احتمالات الخسارة والربح في الموسم الزراعي تبقى قائمة، لكن الأمر برمته مرتبط بالوضع السياسي في المنطقة.
ومضى قائلا ستبقى نهاية هذا الموسم مفتوحة على المجهول لعدة أسباب، أهمها هو عدم ضمان إمكانية وصول المزارعين إلى أرضهم إضافة إلى عدم ضمان إمكانية التسويق وانخفاض الحصة المائية التي يتزود بها المزارعون من
إسرائيل بدلاً عن آبارهم التي جففت.
حرب تعطيش
ويقول المزارعون الذين يقطنون قرى شمال غور الأردن: إن إسرائيل تحارب قطاع الزراعة في هذه المنطقة عبر المياه.
وقال خضيرات: إن إسرائيل تتيح للمستعمرين كل ما هو مطلوب من مياه لري الأراضي المصادرة من مواطني المنطقة، كما تتيح لهم أيضاً استغلال مياه نهر الأردن وإنشاء برك وخزانات، وهو الأمر المحظور على المواطنين
الفلسطينيين.
وأضاف “بإمكاننا مشاهدة الفرق بين زراعة المستعمرات وزراعة القرى الفلسطينية في المنطقة”، وذلك في إشارة واضحة إلى كمية المياه الضخمة التي يتمتع بها مستعمرو المنطقة.
من جهتها، أكدت وزارة الزراعة الفلسطينية أن خسائر القطاع الزراعي خلال الفترة من 26 يونيو وحتى يوليو الماضي بلغت حوالي 27 مليون دولار، نتيجة تدمير المزارع المختلفة.
وأشار تقرير للوزارة صدر الأحد 6-8-2006 إلى أن قوات الاحتلال دمرت خلال هذه الفترة 2006 دونماً مزروعة بالأشجار، و279 دونماً دفيئات زراعية، و 1391 دونماً مزروعة بالخضار المكشوفة، و
169 دونماً محاصيل حقلية، إضافة إلى تدمير 14 مخزناً زراعياً.
كما طالت عملية التدمير 49255 متراً طولياً من خطوط المياه الرئيسية، و21590 متراً طولياً من الأسيجة، إضافة إلى تدمير 35 بركة، و 22 بئر مياه بملحقاتها، و 2529 دونماً من شبكات مياه الري.
الرابط المختصر https://insanonline.net/?p=72613
